ملف الهجرة ورقة تخدم أردوغان وتكبل أوروبا

الاستثمار التركي في ملف الهجرة يضع الاتحاد الأوروبي أمام تحدي اتخاذ خطوات عملية وبلورة استراتيجية موحدة لكيفية التعامل مع هذا المعطى الذي بات يكبل الدول الأوروبية.
الثلاثاء 2021/06/22
ضريبة سياسية باهظة لاتفاق الهجرة مع أنقرة

لا يزال الاتحاد الأوروبي يراهن على اتفاق الهجرة مع تركيا الذي وقع في 2016 كأحد الحلول المتاحة حاليا للتوقي من موجة مهاجرين جديدة تعمق الخلافات بين الدول الأعضاء، إلا أن الرهان الأوروبي على أنقرة وإن نجح نسبيا في الحد من تدفق اللاجئين إلى أراضيه فإن ثمنه السياسي كان باهظا.

برلين- تعكس دعوة ألمانيا إلى تحديث اتفاق اللاجئين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا مخاوف مشروعة من موجة هجرة جديدة تعمق الخلافات التي تقسم بلدان الاتحاد الأوروبي، إلا أنّ دبلوماسيين غربيين يرون في اتفاق الهجرة الحالي مع أنقرة ورقة مساومة تخدم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتقوّض وحدة الصف الأوروبي وسياساته الخارجية.

وقال وزير الخارجية الألماني هايكو ماس الاثنين “إننا نحتاج لتحديث تعاوننا مع تركيا في مسألة الهجرة”، مشيرا إلى أن الاتحاد الأوروبي سيستفيد بشكل كبير من تطوير وتحديث اتفاق الهجرة مع أنقرة.

وتابع ماس “في ظل كل تلك الصعوبات التي نواجهها مع الحكومة التركية، إلا أنه يجب أن نعترف بأنها تحملت من أجلنا عبء هجرة لا يستهان به”. وسيتطلب الاتفاق الجديد من الاتحاد الأوروبي تقديم المزيد من التمويل لتركيا.

هايكو ماس: سنستفيد من تطوير وتحديث اتفاق الهجرة مع أنقرة

وتنص اتفاقية اللاجئين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، من بين أمور أخرى، على أن تتخذ أنقرة إجراءات صارمة ضد الهجرة غير المصرح بها إلى الاتحاد الأوروبي، وأن تعيد اليونان المهاجرين الذين وصلوا إلى جزر بحر إيجة بشكل غير قانوني إلى تركيا.

ويلجأ النظام التركي في كل مرة تصطدم فيها أجنداته بانتقاد أو رفض أوروبي إلى إعادة تدوير ورقة الهجرة واللاجئين لتحصيل مكاسب سياسية وكبح إي اجراءات عقابية تجاهه وهو ما نجح فيه في مناسبات عدة، ما يضع الاتحاد الأوروبي أمام معادلة صعبة فالاكتفاء بالتحذير لم يعد يكبح اندفاعة أنقرة أما معاقبتها فقد تعود بالوبال عليهم جميعا.

وكلما تدهورت العلاقة بين الاتحاد وأنقرة تعمد تركيا إلى السماح للمهاجرين غير الشرعيين بالمرور عبر بحر إيجة إلى اليونان قبل أن يواصلوا طريقهم إلى الفضاء الأوروبي. وحقق اتفاق الهجرة لأردوغان مكاسب سياسية أثرت سلبا على السياسات الخارجية للاتحاد الأوروبي والتي تستوجب إجماع جميع الدول الأعضاء وهو ما لا يمكن تحقيقه خاصة في قضية الهجرة الخلافية.

ويعوّل الرئيس التركي في كل مرة يضيق هامش المناورة لديه ويصعد جيرانه الأوروبيون في حدة لهجتهم تجاه أجنداته التوسعية في شرق المتوسط على وجه الخصوص على هذه الورقة التي تقسم الأوروبيين وتثير مخاوفهم في أن واحد، لإجهاض أي خطوات عقابية.

وتعرقل ألمانيا دائما اتخاذ أي عقوبات اقتصادية ضد تركيا في مواجهة أجندات الهيمنة للرئيس التركي مدفوعة بالمخاوف من موجة لاجئين مماثلة لتلك التي وقعت في 2015، ما يعرض أمن دول التكتل إلى الخطر والاضطرابات. وتنظر برلين بجدية بالغة إلى هذا التهديد، فالمستشارة أنجيلا ميركل عازمة على تفادي أزمة مهاجرين جديدة.

وأدى إعلان تركيا في مطلع العام الماضي فتح حدودها مع اليونان إلى تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين، بعدما رفض الاتحاد الأوروبي دعم سياسات أنقرة في سوريا وهدد بفرض عقوبات عليها.

وعبر مئات الألوف الحدود إلى أوروبا من تركيا عبر اليونان في 2015 و2016 قبل إبرام اتفاق توسط فيه الاتحاد الأوروبي للحد من تدفقهم، لكنّ أعداد الوافدين الجدد ارتفعت منذ سبتمبر 2019.

وبحسب أرقام المفوضية العليا للمهاجرين، وصل أكثر من 46 ألف مهاجر إلى اليونان عام 2019، ما يزيد عن عدد الوافدين إلى إسبانيا وإيطاليا ومالطا وقبرص معا.

وحتى إن كان هذا الرقم لا يقارن بمليون لاجئ وصلوا إلى أراضيها عام 2015، فإن تزايد الأعداد يعيد طرح مسألة استقبال اللاجئين في اليونان، ولاسيما مع اكتظاظ المخيمات التي أقيمت لاستقبالهم في جزر بحر إيجة، ما يجعلها عاجزة عن استقبال موجة جديدة من المهاجرين قد تتأتى عن الوضع المتأزم في شرق المتوسط.

وتندد تركيا في كل مرة يعترض فيها الاتحاد الأوروبي على سياساتها التوسعية في سوريا أو في شرق المتوسط خصوصا بعدم وفاء الاتحاد الأوروبي بوعوده، معتبرة أنه عاجز عن الالتزام باتفاق تم التوصل إليه عام 2016 ونص على إعفاء الأتراك من تأشيرات الدخول الأوروبية لقاء ضبط أنقرة حركة الهجرة.

مئات الألوف عبروا الحدود إلى أوروبا من تركيا عبر اليونان في 2015 و2016 قبل إبرام اتفاق توسط فيه الاتحاد الأوروبي للحد من تدفقهم
مئات الألوف عبروا الحدود إلى أوروبا من تركيا عبر اليونان في 2015 و2016 قبل إبرام اتفاق توسط فيه الاتحاد الأوروبي للحد من تدفقهم

وهذه ليست المرة الأولى التي تشهر فيها تركيا سلاح اللاجئين لتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية، حيث لوحت العام الماضي بالسماح لهؤلاء بالمرور نحو أوروبا في محاولة لكسب تأييد الاتحاد الأوروبي لعملية عسكرية أطلقتها شمال سوريا.

ويرى متابعون أن الاستثمار التركي في ملف الهجرة بالتزامن مع سلوكياته المزعزعة لاستقرار وأمن المنطقة في كل مرة، يضعان الاتحاد الأوروبي أمام تحدي اتخاذ خطوات عملية وبلورة استراتيجية موحدة لكيفية التعامل مع هذا المعطى الذي بات يكبل الدول الأوروبية ويجعلها تتخذ موقف المتفرج مما يحدث في مياهها الإقليمية مكتفية ببيانات تهديد ووعيد لم تعد أنقرة تأخذها على محمل الجد.

ووجه وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في وقت سابق تحذيرا إلى مفوض السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل قائلا إنه “إذا لم يتم تحقيق تقدم في محادثات انضمام بلاده إلى التكتل الأوروبي” فإن “تركيا ستستمر بعدم وقف الراغبين بالتوجه” إلى أوروبا.

واستقبلت تركيا 3.5 مليون لاجئ سوري وأنفق الاتحاد الأوروبي ثلاثة مليارات يورو لمساعدتهم في إطار اتفاق يعود إلى العام 2016 للحد من الهجرة إلى أوروبا، لكن تركيا تقول إن التكتل لا يفي بعهوده.

تنص اتفاقية اللاجئين بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، من بين أمور أخرى، على أن تتخذ أنقرة إجراءات صارمة ضد الهجرة غير المصرح بها إلى الاتحاد الأوروبي

 

5