"ملكات سوريات" بالأسود يروين قصص الحرب على خشبة مسرح لندني

مهما صورنا الحرب التي تدور رحاها على كل ما يمثل الحياة، وتأتي على أصغر تفاصيلها لتتلفها، فإنه لا يمكننا أن نتخيّل وطأتها وأفعالها ومآسيها في أدق تفاصيلها كمن عاشها وعايش أهوالها بجسده وأنفاسه، بأيّامه وكل ما يمثل ذاته. سمعنا الكثير من قصص الحرب يرويها جنود أو مدنيون، لكن جلّ القصص التي وصلتنا عن الحرب رواها رجال، لم نسمع إلا نادرا قصص الحرب ترويها نساء عايشنها ولسعن بنارها، وحملن ندوبا من آثارها العميقة في الأجساد والأرواح.
الأحد 2016/07/10
مشهد من العرض: هل المرأة المحجبة هي النموذج السائد في سوريا أم هذه بضاعة المسرحية؟

لندن - شاركت مجموعة من اللاجئات السوريات في عرض مسرحي حمل اسم “ملكات سوريا”، في لندن، ليكون أول إنتاج عربي مترجم يعرض قصص لاجئات سوريا على الجمهور البريطانى.

والعرض المسرحى الذي قدمته 13 لاجئة سورية، مقتبس من مسرحية “نساء طرواديات”، الذي عرض أول مرة عام 2013 في العاصمة الأردنية عمان، ثم تم تحويل القصة إلى فيلم وثائقي حصل على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان أبو ظبي السينمائي في عام 2014.

والمسرحية المترجمة من إخراج زو لافرتي، التي ركزت في أعمالها السابقة على النزاعات وعدم توازن القوى السياسية وانتهاكات حقوق الإنسان، ومشكلة اللاجئين. ومن المقرر أن تعرض المسرحية الفترة القادمة بعد لندن، في أوكسفورد وبرايتون وليفربول وليدز وأدنبرة ودارهام، لتنتهي عروض الجولة المبرمجة في مسرح نيو لندن بالعاصمة البريطانية يوم 24 يوليو الجاري.

يشارك في العرض المسرحي المترجم عشر ممثلات من طاقم العمل في المسرحية الأصلية التي تم عرضها في الأردن، من بينهن ريم صياح التي تظهر على المسرح برفقة والدتها، وفاطمة عودة وغيرهن من النساء اللائي يشتركن في قصص معاناتهن مع الحرب الدائرة رحاها على الأخضر واليابس في بلدهن سوريا.

لسان المرأة

وجدت فاطمة وريم، وهما امرأتان سوريتان نزحتا بسبب الحرب في بلدهما، العزاء والسلوى في المسرح والتمثيل.وفي إنتاج بدأ للمرة الأولى كمشروع شعبي منذ ثلاث سنوات، وقد تم اقتباسه مع التعديل تحت عنوان “ملكات سوريا” انطلاقا من نص مأساوي عن “نساء طروادة” ألفه الإغريقي يوربيدس، وقامت بأداء أدوار المسرحية نساء سوريات، ليقدم العمل نهاية الأسبوع الماضي في لندن.

بالعودة إلى مسرحية يوربيدس ليس ثمة اشتراط كهذا يلزم المخرج أن يحجب النساء الطرواديات الإغريقيات، فلماذا تحجب الطرواديات السوريات؟

وتنسج فاطمة وريم إلى جانب 11 لاجئة سورية غيرهن قصصهن الخاصة عن الحرب ضمن أحداث المسرحية الأصلية. وقد عرض العمل للمرة الأولى عام 2013 في العاصمة الأردنية عمان، التي لجأت إليها النساء السوريات فراراً من المأساة في وطنهن.

قامت المخرجة المساعدة شيرين زعمط بتنظيم العروض التجريبية (البروفات) في عمان لإعداد الممثلات لأداء أدوار مسرحية لأول مرة في بريطانيا على خشبة مسرح أولد فيك في وسط لندن. وتؤكد المخرجة أن الممثلات كن يردن أن يتحدثن للعالم عن معاناتهن وسعادتهن وذكرياتهن.

وتضيف “هن نساء قويات ورغم معاناتهن فإنهن قادرات على تغيير عالمهن. الرسالة التي يقدمنها في العرض واضحة جدا. لكن ما الذي يحدث خلال المسرحية، ما الذي يحرك الجمهور ويصل إلى عقولهم وقلوبهم؟ ذلك هو أهم شيء”.

وتقول المخرجة زوي لافرتي إنها معجبة بهؤلاء النساء اللائي ليس لديهن خلفية في التمثيل. وتضيف لافرتي أنه من غير المعتاد أن نسمع تجارب تمر بها النساء أثناء الحرب.

ومضت قائلة “إنه لمن المثير حقا أن تكون لديك مسرحية تركز على السرد النسائي، فغالبا ما تسمع في الحرب سرد الرجال، ولا تسمع من خلال المرأة عمّا يحدث للمرأة. وهكذا فهذا -سواء داخل المسرحية أو في الواقع- فضاء فسيح لاستكشاف الحكي النسائي”.

على قيد الحياة

فاطمة عودة، إحدى الممثلات بالمسرحية، تركت منزلها في حمص في نوفمبر عام 2012 مع عائلتها، وإن كانت كثيرا ما تفكر في أقارب تركتهم وراءها في سوريا، لكنها تحتفظ بالأمل في العودة في يوم من الأيام. كانت عودة معتادة على المشاركة في العروض المسرحية عندما كانت طفلة. وبعد أن وجدت نفسها لاجئة في عمان وجدت القوة في التمثيل مرة أخرى.

بوستر يُظهر السوريات جميعهن أسيرات الحزن والحجاب

وقالت عودة “عندما قمنا بعرض المسرحية المقتبسة عن حكاية طروادة منذ ثلاث سنوات، كنا في الأشهر الأولى من وصولنا إلى عمان. كنا ضعافا محبطين. وطروادة بالنسبة إلينا تكشف عن نقاط القوة التي في داخلنا، فسعينا إلى تنميتها وتقويتها إذ اكتشفنا أننا أبدا لسنا ضعافا ولا بنا هشاشة بحيث يسهل كسرنا. فرغم هذه الحرب الكبيرة التي مرت بنا، مازلنا قادرات على تربية أولادنا وتنشئتهم. نحن على قيد الحياة على أمل الرجوع إلى بلدنا إن شاء الله. نعود لنعمّرها من جديد”.

كان عدد سكان سوريا قبل الحرب حوالي 22 مليون نسمة. لكنه تضاءل اليوم إذ فر أكثر من 6.4 مليون لاجئ سوري إلى تركيا ولبنان والأردن ومصر هربا من الحرب التي أودت بحياة أكثر من 250 ألف شخص منذ عام 2011، وجعلت 13.5 مليون شخص داخل سوريا يعيشون أقسى الظروف، محتاجين إلى المساعدة. وهناك ما يقدر بنحو مليون شخص إضافيين فروا إلى أوروبا وخاصة ألمانيا منذ أوائل عام 2015.

قصص واقعية

بالنسبة إلى ريم صياح- الممثلة في العرض- فهي مثل الأخريات من أعضاء فريق التمثيل في “ملكات سوريا” تعتبر هذا العرض هو أول أداء مسرحي لهن، لكنها تقول إنها لا تشعر أنها تمثل.

وتوضح “نحن لا نمثل فالجمهور لن يشعر أننا نؤدي أدوارا تمثيلية على الخشبة. فمثل ما يرى المتفرجون نحن نقدم قصصا من واقعنا هي قصصنا، والنص نصنا، يعني كل شيء على المسرح صادر عنا ويمثلنا، فالقصة ليست قصة تمثيل بقدر ما هي تعبير عن الدواخل والوقائع وسرد للحقائق. نحن نروي قصصا وقعت لنا نقدمها عن طريق المسرح، ولا أشعر أن صفة التمثيل هي ما نحن فيه عندما نكون على الخشبة.

نحن نستخدم المسرح لنبعث برسالتنا، وبالتالي فالنص ليس بالضرورة تمثيلاً ونحن أصلا لسنا ممثلات. إننا نساء نروي قصصنا مع الحرب، ومن حبنا لبلدنا نريد أن نحكي عن حاله وأحوالنا لعلنا نقدم شيئاً ما يكون أفضل من الصمت في النهاية”.

كما تقول صياح “إن من يقدمن العرض لا يتطلعن إلى أن يكن ممثلات. على الناس أن يفهموا أننا أناس مثلهم كانت لدينا بيوت وعائلات وشوارع وأحياء وجامعات وفقدنا كل ذلك بسبب الحرب”.

يكشف العمل المسرحي “ملكات سوريا” المليء بإسقاطات تاريخية، صورة مغايرة ومجهولة لحياة النساء في الحروب، تلك التي لا نوليها اهتماما، حيث لا نعلم شيئا عن واقع معاناتهن.

مشهد من المسرحية

الملكات المحجبات

يمتد العرض على مدار ساعة وعشر دقائق، وجرى تقديمه باللغة العربية مع عناوين فرعية باللغة الإنكليزية، واستمر العرض لخمسة أيام متتالية من الخامس حتى التاسع من يوليو الجاري في جولته الأولى بلندن، يتوجه بعدها ليعرض بمدن أخرى في البلاد.

أخيرا نجد من المهم أن نشير إلى أن العرض يسقطنا بصريا في فخ لعبة سوف تبني صورة نمطية للمرأة السورية في أذهان الجمهور الغربي. فجميع هاتيك النساء الـ”ملكات (الـ)سوريات” يظهرن في لباس أسود موحد هو لباس المرأة المحجبة. وهو ما يستفقر صورة ثرية وغنية ومتعددة الألوان للمرأة في سوريا، وينمطها بحيث تصادر بصريا إلى دلالة أقرب ما تكون إلى صور الداعشيات النساء.

هل هذا مقصود على نحو ما، هل هو مطلوب؟ هل هذا اشتراط المموّل أم اشتراط العمل الفني.

بالعودة إلى مسرحية يوربيدس ليس ثمة اشتراط كهذا يلزم المخرج أن يحجب النساء الطرواديات الإغريقيات، فلماذا تحجب الطرواديات السوريات؟سؤال برسم القائمين على العمل.

15