ملكية المواقع الدينية تشعل نار الفتنة الطائفية في العراق

إيران لا تكف عن رغبتها في الاستحواذ الكامل على الموصل في ظل محاولاتها المستمرة لوضع يدها على كل المؤسسات الدينية التابعة للوقف السني.
الخميس 2019/08/22
صراع  لا يستهدف المساجد فقط

ما إن تم دحر تنظيم الدولة الإسلامية بمدينة الموصل العراقية، حتى طفا مجددا على السطح صراع طائفي بين السنة والشيعة في محافظة نينوى بشمال العراق، إثر خلاف تتمحور تفاصيله وحيثياته حول ملكية المواقع الدينية، ما يوحي بأن نار الفتنة بات وطيسها مستعرا بين الطائفتين، وفي كل هذه التطورات، تطرح أسئلة عدة عن هوية المستفيد من تغذية هذه الحرب، حيث يتهم بعض الموصليين إيران وميليشياتها المتمثلة على وجه التحديد في قوات الحشد الشعبي بمحاولة وضع اليد على كل المؤسسات الدينية التابعة للوقف السني.

بغداد - منذ عام 2003، أي تاريخ الغزو الأميركي للعراق، تبدّلت الكثير من الظروف السياسية، لكن نار الفتنة الطائفية لم تنطفئ بعد بين السنة والشيعة، لتتراكم في كل مرة الأسباب المنذرة بالدخول مجددا في هذا النفق المظلم، حيث ظهرت بوادر هذه الحرب مؤخرا بسبب تجدّد الخلاف بين الوقفين السني والشيعي في مدينة الموصل.

وقد تجدد هذا الخلاف على ملكية مواقع دينية عديدة في مدينة الموصل، مركز محافظة نينوى شمال البلاد، حيث يطالب الوقف الشيعي بتحويل تبعية العشرات من المعالم الدينية والأملاك التابعة للوقف السني في الموصل إلى سلطته.

وسبق أن طرح الوقف الشيعي تلك المطالب، عامي 2008 و2010، لكنه لم ينجح، ليعود بها إلى الواجهة منذ استعادة الموصل من قبضة تنظيم “داعش” الإرهابي، في يوليو 2017.

وبدأ الخلاف على ملكية المواقع الدينية في العراق، بعد الغزو الأميركي للبلد عام 2003، وقرار سلطة الاحتلال حل وزارة الأوقاف، التي كانت تدير الشؤون الدينية لجميع الأديان والمذاهب، لتؤسس محلها وقفين شيعي وسني للمسلمين، ووقفا ثالثا للديانات الأخرى.

وتتجدد محاولات الوقف الشيعي كي تُنقل إليه ملكية جامعي النبي يونس (فجره داعش) والموصل الكبير (صدام سابقا- تحت الإنشاء)، إضافة إلى إحدى ساحات السجن، التابعة للوقف السني، والتي شهدت عام 2013 احتجاجات ضد حكومة نوري المالكي.

وبحسب الكتب الرسمية الصادرة عن كل من الوقف السني وهيئة استثمار أملاك الوقف السني في نينوى، فإن الوقف الشيعي حاول، العام الماضي، ضم 17 موقعا دينيا في المدينة القديمة بقلب الموصل، بينما تتبع هذه المواقع الوقف السني.

وتلك المواقع هي: مراقد الأئمة يحيى بن القاسم بن الحسن بن علي، وحامد ومحمود ابني الحسن بن علي، وعلي الأصغر، ومقاما العباس بن علي، وعلي الهادي بن محمد الجواد، ومراقد عبدالمحسن بن الحسن بن علي، وعبدالرحمان بن الحسن، ومقامات السيدة فاطمة بنت الحسين بن علي، والسيدة أم كلثوم.

إلى جانب مرقد بنات الحسن بن علي، ومقام السيدة نفيسة بنت الحسين، والسيدة شاه زنان، زوجة الحسين، ومرقد الإمام عون الدين بن الحسن، وزيد بن علي، ومقام الإمام علي بن أبي طالب، ومرقد علي الأصغر بن الإمام محمد بن الحنيفة، ومرقد الإمام الباهر بن الحسين بن علي.

وقال الباحث في التاريخ العراقي رشيد الخيون، يختلف الموقف الفقهي من الشفاعة بالقبور، ففي الوقت الذي يرفضها المذهب الحنبلي، رفضا قاطعا، معتمدا على أن مالك النفع والضرر هو الله، الحي الذي لا يموت، وأن زيارة القبور لا يُثاب عليها، بل تعتبر من العمل غير الصالح، بينما نجد الصوفية، على اختلاف طُرقها، المنتمية منها إلى المذهب الشافعي أو المالكي أوالحنفي، يُقدسون قبور الأولياء، ويشيدون عليها البناء والقباب، كذلك تجد الشيعية، وعلى وجه الخصوص الشيعة الإمامية يعتبرون قبور آل البيت وأولادهم وأحفادهم مقدسة، وكثيرا ما تنمو المدن حول ضريح من الأضرحة، ككربلاء والنجف مثلا.

وأضاف الخيون أن الوضع العراقي، بعد عام 2003 تميز بالمبالغة وبتكاثر الأضرحة، ناهيك عن الأضرحة التي كانت موجودة من الأساس، ومَن يطلع على كتاب “مراقد المعارف” سيتعرف على المئات منها، والتي شُيدت في أوقات مختلفة، ففي أحيان كثيرة يُشيد ضريح أو مقام على أساس رؤية في المنام، حتى غدا الأمر لا يُطاق مِن ناحية تشجيع الخرافة والشعوذة التي عادة ما ينشرها القيّمون على خدمة تلك الأضرحة.

رشيد الخيون: "الوضع العراقي بعد عام 2003 تميز بالمبالغة في تكاثر الأضرحة"
رشيد الخيون: "الوضع العراقي بعد عام 2003 تميز بالمبالغة في تكاثر الأضرحة"

ويقول موصليون إن تلك المواقع تتبع الوقف السني، لكونها توجد في مناطق يسكنها السنة بشكل كامل، ويشدد الوقف على أنه يمتلك الحجج الوقفية التي تثبت ملكيته لتلك المراقد والمقامات.

في المقابل، تستند مطالب الوقف الشيعي إلى أسماء تلك المواقع، إذ تحمل أسماء من آل بيت النبي.

بشأن هذا الخلاف، قال مدير الوقف السني في نينوى، أبوبكر كنعان، إن “الوقف الشيعي خالف توصيات الجهات الرسمية، وأبرزها قرار مجلس محافظة نينوى بوقف جميع إجراءات تحويل الملكية بين الوقفين، إلى حين صدور قرار من رئاسة الوزراء ولجنة الفك والعزل بحل الخلاف بين الوقفين”.

وأضاف أن “خلافا في 2008 على ملكية مواقع دينية حُسم أيضا بقرار من مجلس الوزراء قضى بتثبيت الأملاك الوقفية بحسب مذهب الواقف (صاحب الملك أو الوقف)، لذا إن كان الواقف من المذهب السني يذهب الملك إلى الوقف السني، وهكذا بالنسبة للوقف الشيعي”.

ودعا الحكومة الاتحادية إلى “التدخل العاجل لإيقاف محاولات السيطرة على أملاك الوقف السني في الموصل بأثر رجعيذ”.

وأصدر القضاء العراقي، مطلع العام الماضي، حكما بالحبس 3 سنوات بحق محافظ نينوى الأسبق، أثيل النجيفي، إثر دعوى قدمها الوقف الشيعي، بعد أن رفض النجيفي طلبات الوقف الموجهة إلى دائرة التسجيل العقاري، عام 2010، بتحويل ملكية عشرين موقعا دينيا في الموصل القديمة إلى ملكيته.

ووصف النجيفي، في وقت سابق، محاولات الوقف الشيعي بـ”الفتنة”، وشبهها بـ”الفتنة” التي يمكن أن تحصل جراء تحويل حسينيات الشيعة القديمة في النجف إلى مساجد سُنية.

ويقول الخيون إن ما يحدث بالموصل بعد (2003) وتحررها من داعش (2017) يرتبط بالنظرة الخاطئة لعلاقة السُّنَّة بآل البيت، وبهذا الموقف الخاطئ أخذ الوقف الشيعي يُطالب بالمقامات والمراقد الخاصة بآل البيت، على أنها أبنية شيعية، بينما كان السُّنة يديرونها قديما، وهم لا يرون أنفسهم بأقل حرص على آل البيت من الشيعة، فكم من مرقد ومقام لآل البيت ظل للمئات من السنين يُدار من قبل كيلدار شيعي، مثل ضريح العسكريين بسامراء، والمقامات الموجود بالموصل.

وذكر منها مراقد يحيى بن القاسم بن الحسن بن علي، وحامد ومحمود ابني الحسن بن علي، وعلي الأصغر، ومقامي العباس بن علي، وعلي الهادي بن محمد الجواد، ومراقد عبدالمحسن بن الحسن بن علي، وعبدالرحمن بن الحسن، ومقامات السيدة فاطمة بنت الحسين بن علي، والسيدة أم كلثوم.

إضافة إلى مرقد بنات الحسن بن علي، ومقام السيدة نفيسة بنت الحسين، والسيدة شاه زنان زوجة الحسين، ومرقد الإمام عون الدين بن الحسن، وزيد بن علي، ومقام للإمام علي بن أبي طالب، ومرقد علي الأصغر بن الإمام محمد الحنيفة، ومرقد الإمام الباهر بن الحسين بن علي. بل إن عددا من هذه المراقد ظلت مشتركة بين السنة والشيعة والعقائد المحلية الموجودة داخل الموصل وأطرافها، كالكائكية والإيزيدية أيضا.

وشدد الخيون على أنه يصعب التعليق على أمر مثل هذا، يقضي إلى الإيغال بتمزيق المجتمع العراقي، مع أن عددا من تلك الأضرحة والمقامات، قد تغيرت أسماؤها، ومنها ما شُيد لغرض الرزق.ذ

في المقابل، يحذر الناشط السياسي الموصلي غانم العابد يقول إن“الغرض الحقيقي وراء محاولات السيطرة على الأراضي والمواقع الدينية في الموصل سياسي واقتصادي بامتياز”.

وتابع “الوقف الشيعي لا يريد الاستيلاء على المساجد فقط، بل يحاول انتزاع الأملاك في سوق الصياغ وباب السراي والدواسة في قلب الموصل التجاري، بهدف السيطرة على العوائد المالية التي تحققها تلك الأملاك”.

واتهم “جهات في بغداد بدعم تحركات الوقف الشيعي في الموصل، مقابل صمت من المسؤولين في رئاسات الوزراء والجمهورية والبرلمان”.

ورأى أن “تلك المحاولات لن تتوقف في الفترة المقبلة بسبب عدم إدراك الوقف الشيعي لخطورة ما يقوم به من إثارة للنعرات الطائفية”.

ويقول عمر المحمود وهو مستأجر لمحل تجاري لبيع الملابس في منطقة باب السراي إن مسلحين ذوي لحىَّ طويلة وملابس عسكرية وعمائم يستقلون سيارات حكومية أبلغوه الشهر الماضي بأن “ملكية عمارات في السوق تحولت إلى الوقف الشيعي، وعلى المستأجرين دفع مبالغ الإيجار للوقف، وإلا فسيكون مصيرهم الطرد”.

أما محمد الشماع، وهو إمام وخطيب جامع النبي يونس سابقا بمدينة الموصل، فقد اتهم الوقف الشيعي وفصائل في “الحشد الشعبي” بمحاولة الاستيلاء على جميع مناطق الموصل.

وقال إن “تلك التدخلات تدعمها جهات سياسية تنفيذا لأوامر إيرانية، بهدف الوصول إلى تفريس الموصل والعراق والمنطقة برمتها، والوقف الشيعي يستغل الظروف التي مرت بها نينوى، جراء احتلال داعش لها، للاستيلاء على أملاك عديدة”.

13