ملك الأردن.. نهج عقلاني في التعاطي مع القضايا الإقليمية والدولية

الأحد 2013/09/29
العاهل الأردني يؤكد على ايجاد حل سلمي للأزمة السورية

معركته مع الإخوان في الداخل طرحت على الواقع الأردني الكثير من المشاكل إلا أن الملك عبدالله نجح في التقليل من الخطر الإخواني واستطاع المرور بالمملكة الهاشمية الأردنية إلى بر الأمان دون أزمات.

ولم يركز الأردن جهده على مواجهة الإخوان أمنيا كما فعلت بالسابق بعض التجارب، بل مر إلى الإصلاحات واستجاب للأصوات المطالبة بالتطوير الهادئ.

وأعلن الملك عبدالله الثاني منذ أشهر أن بلاده ستبدأ في بناء ما وصفه بـ"الحكومات البرلمانية"، وذلك عن طريق تولي ائتلاف الأغلبية في مجلس النواب تشكيل الحكومة دون اشتراط أن يكون رئيس الوزراء عضواً في مجلس النواب أو من الكتلة الفائزة.

وطالب الملك الأردني مواطنيه بـ "رسم مستقبل وطنهم بشفافية وعدالة وبمشاركة الجميع عبر التعديلات الدستورية التي شملت ثلث الدستور وإلى تعزيز الفصل والتوازن بين السلطات، وترسيخ استقلال القضاء، وصون حقوق المواطن، وإنشاء محكمة دستورية، وهيئة مستقلة للإنتخاب".

وقال إن "الإصلاح الديمقراطي لا يختزل بمجرد تعديل للقوانين والأنظمة، إنما يتطلب تطويرا مستمرا للنهج الذي يحكم الممارسات والعلاقة بين المواطنين، والجهاز الحكومي، والنواب الذين يحملون أمانة ومسؤولية اتخاذ القرار بالنيابة عن المواطنين الذين انتخبوهم".


الحوار لحل المشاكل


من جهة ثانية، فقد استخدم العاهل الأردني سلاح الحوار في المواجهة مع الإخوان المسلمين الذين استطاعوا في مرحلة معيّنة اختراق عشائر شرق الأردن التي تعتبر من مكونات النظام الملكي في الأردن، بل العمود الفقري لهذا النظام.

ويقول مراقبون محليون إن الملك الأردني فضّل الحوار على كلّ ما عداه، وتعكس ذلك التعليمات الصارمة التي التزمتها قوات الأمن والتي تقضي بتفادي أي نوع من العنف، حتى عندما يكون هناك من يلجأ إلى الاستفزاز بدافع سوري أو إيراني…أو إخواني.

يشار إلى أنه لم يسقط في الأردن أي قتيل على الرغم من حصول مئات التظاهرات التي أراد الإخوان من خلالها افتعال مشاكل كبيرة، واستدراج البلد إلى الفوضى من أجل خلق شروط تسمح لهم بالانقضاض على السلطة كما خطط لذلك التنظيم الدولي للإخوان.

ويضيف المراقبون أن الملك عبدالله الثاني وضع الانتخابات نصب عينيه من منطلق أنّ مجلس النواب هو المكان المناسب لإجراء إصلاحات في البلد، أي أنه أراد بكل بساطة نقل النقاش الى المؤسسات المعنية به بديلا عن الشارع وذلك خلافا لما خطط له الاخوان المسلمون الذين أرادوا استغلال "الربيع العربي" الى أبعد الحدود.

يشار إلى أن الملك عبدالله الثاني باشر نشر سلسلة مقالات بغية شرح الهدف من الإصلاحات وتأكيد أن الانتخابات جزء لا يتجزّأ منها، وأن الحوار هو السبيل الوحيدة لحل الخلافات.

وكان الملك الأردني نطق بتصريحات شديدة اللهجة ضد الإخوان في مقابلة مع "فرانس برس" (12 ايلول/سبتمبر 2012) جاء فيها: "أقول للإخوان المسلمين انهم يسيئون تقدير حساباتهم بشكل كبير" عبر إعلانهم مقاطعة الانتخابات النيابية.

وفي سياق متصل، قال الملك عبدالله الثاني إن "الحكم بالنسبة إلينا نحن الهاشميين، لم يكن في أي يوم من الأيام مغنماً نسعى إليه، إنما هو مسؤولية وواجب وتضحية نقدمها لخدمة هذه الأمة، والدفاع عن قضاياها ومصالحها، وقد قدمنا في سبيل ذلك العديد من الشهداء".

وأضاف "لم يكن الحكم بالنسبة إلينا أيضاً، وفي أي يوم من الأيام، قائماً على احتكار السلطة، ولا على القوة وأدواتها، وإنما على رعاية مؤسسات الدولة التي تُدار من قبل أبناء هذا الشعب بكل فئاته، وفق أحكام الدستور. وهذا النهج نسير عليه منذ عهد الجد المؤسس وإلى اليوم".

وهي رسالة وفق المحللين موجهة إلى الشعب الأردني مفادها أن الملك ليس همه السلطة وإنما تكريس الإصلاحات التي تسمح بتشريك مختلف الفئات الشعبية من في ذلك من هم من أصول فلسطينية.

وفي هذا السياق أكد عبدالله الثاني أن النظام في الأردن "هو الدولة بكل مؤسساتها ودوائرها تحت مظلة الدستور.. النظام هو القيم والمبادئ التي تقوم عليها هذه المؤسسات والدوائر، وهو أيضا الكوادر التي تُسيِّر هذه المؤسسات التي تضم جميع فئات ومكونات المجتمع الأردني، وهو المؤسسات والمواطنون، وكل فرد في هذا المجتمع هو جزء من النظام".

أما في علاقاته بالملفات الدولية فقد كان الأردن سباقا الى طرح الحلول والرؤى الممكنة لحسم العديد منها بمنطق معتدل وحكيم، ولعل مواقف الملك عبدالله التي صدح بها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة تؤكد ما تمت الإشارة إليه.

ووسط هذه التجاذبات الدولية وحالة الغليان التي يعرفها العالم أمام العديد من القضايا والتي باتت الأزمة السورية من أهم قضاياه التي تبحث عن الحلول العاجلة قبل انجرار المنطقة إلى انفجار لا يبقى ولا يذر وتكتوي جل الدول بناره، برز الصوت الأردني كمسكن لذاك الغليان والداعي إلى وضع حد لمأساة السوريين الذين خيروا بين البقاء تحت أصوات الرصاص والانفجارات والموت المنتظر أو الفرار واللجوء إلى بلدان الجوار بحثا عن الأمن وطلبا للحياة.

مواقف متزنة من قضايا معقدة

فمن المسائل الهامة والمواقف التي تعبر عن رؤية متزنة ومرنة للقضايا الحادثة ولتداعيات الأزمة السورية وللحس الإنساني والشعور بمعاناة الآخرين، تأكيد الملك عبدالله على الأطراف المتنازعة في سوريا بضرورة السماح للمساعدات الإنسانية بالوصول إلى المناطق المنكوبة، كما دعا المجتمع الدولي إلى زيادة المساعدات للنازحين السوريين في المملكة الأردنية.

وبرغم أن الأردنيين فتحوا أذرعهم لكل من احتاج المساعدة، لكن لا يمكن أن يتحمل الشعب وحده عبء التحدي الإقليمي والعالمي.

فالنازحون السوريون في الأردن باتوا يشكلون عشر السكان وهذا العدد قد يصل إلى المليون، أي ما يعادل 20 بالمئة من عدد سكان المملكة بحلول العام المقبل. وهذه ليست مجرد أرقام، بل هي أعداد لأشخاص هم بحاجة إلى الغذاء والماء والمأوى وخدمات الصرف الصحي والكهرباء والرعاية الصحية، وغيرها.

مواقف متزنة من القضايا الإقليمية

ويرى ملك الأردن أنه لا يمكن حتى لأقوى الاقتصاديات العالمية استيعاب هذا الطلب على خدمات البنية التحتية والموارد، ناهيك عن حدوث هذا الأمر في بلد ذي اقتصاد صغير ويعد رابع أفقر دولة في العالم من حيث مصادر المياه.

ويعتقد الملك عبدالله أن مستقبل الأمن العالمي سيتشكل بناء على ما يحدث في الشرق الأوسط الآن، ويمكن للمنطقة أن تكون، بل يجب أن تكون، بيتا للسلام والازدهار، بوجود ركائز قوية من الحكم الرشيد، وفرص متاحة أمام الجميع، خصوصا للشباب.

ويرى أن ذاك هو البيت الأردني الذي يعمل الأردن على بنائه، لكنه يذكر أنه لا يمكن بناء أي بيت للسلام والازدهار في مدينة تحترق. فاليوم، لا يمكننا تجاهل الحرائق في المنطقة، التي تمتد إلى العالم أجمع. ولذلك، ومن أجل حماية المستقبل، على العالم أن يتجاوب معنا في إخماد هذه الحرائق.

في إشارة واضحة للأزمة السورية التي يراها الملك الخطر الذي يتهدد أمن العالم ومستقبله إذا لم يقع حلها سريعا حلا سياسيا.

فهي برأيه كارثة دولية أججها المتطرفون مستغلين الانقسامات العرقية والدينية وهي كذلك كارثة دولية على المستوى الإنساني والأمني، وتصاعد العنف يهدد بتقويض ما تبقى من مستقبل اقتصادي وسياسي لهذا البلد.

فقد سارع المتطرفون لتأجيج واستغلال الانقسامات العرقية والدينية في سوريا، ويمكن لمثل هذا الأمر أن يقوض النهضة الإقليمية، وأن يعرض الأمن العالمي للخطر. وعليه، يترتب علينا جميعا مسؤولية رفض ومواجهة هذه القوى المدمرة.

وعلى ذاك الأساس يذهب ملك الأردن إلى القول إن الأردن يظل نموذجا تاريخيا للتعايش والتآخي بين المسلمين والمسيحيين وإنه سيستمر في بذل قصارى الجهد لحماية مجتمعات المسيحيين العرب والأقليات، داعيا جميع الدول إلى الانضمام إلى الموقف الداعي للتنوع والتسامح واحترام الجميع. فالاحترام المتبادل بين الجميع هو السبيل للمضي قدما نحو مستقبل أفضل.

تحولات نحو الديمقراطية والتغيير

في ظل التبدلات التي أحدثها ما يسمى الربيع العربي أصبحت منطقة الشرق الاوسط تحت الاستهداف برغبات بعض دوله في التغيير، لكن التغيير لم يكن بالسبل التي يراها الملك عبدالله هي سبل قادرة على خلق تحولات سلمية تقوم على النزو ع التدريجي نحو الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. أما العنف فإنه لن يؤدي إلا الى مزيد من الاحتقان والصراعات التي تجر المنطقة إلى الخراب وإلى الدمار وإلى المزيد من الانقسامات.

والمثال السوري دليل على أن التغيير بالعنف وبأسلوب ثوري لم يعد يجدي والخاسر الوحيد هو الشعب السوري

الذي اضطر جزء كبير منه الى الهرب من جحيم الموت والقصف والترويع.

فالمنطقة حسب ملك الأردن تمر بتحول تاريخي يرى أنه لن يصل الى مبتغاه عبر الوصفات الجاهزة وإنما عندما يشعر المواطنون جميعا بأنهم ممثلون تمثيلا حقيقيا.

ويرى أن البيت الأردني هو بيت المستقبل الجامع، الذي يقوم على أسس ومبادئ متينة من إجماع الأغلبية، وحماية حقوق الأقلية، والثقافة الديمقراطية المرتبطة بالمواطنة الفاعلة، والتغير السلمي التدريجي.

لذلك فإن الحل الذي يراه في سوريا هو مواصلة التغيير السياسي وإنهاء العنف وسفك الدماء وتحييد السلاح الكيميائي واستعادة الأمن والاستقرار فيها، فالشعب السوري لا بد أن يحصل على ذلك المستقبل، ولا بد على المجتمع الدولي أن يخطو خطواته، وعلى العالم واجب ولديه مصلحة وقدرة في مساعدة السوريين بشكل سريع، فالأخطار تتفاقم.

أراء ملك الاردن التي انبت على العقلانية والحكمة لم تقتصر على الوضع السوري بل طرحت الحلول للصراع الفلسطيني الاسرائيلي من خلال التأكيد على تسوية انطلاقا من حل الدولتين، والتي يراها انها ستمنح اسرائيل أمنا حقيقيا وعلاقات طبيعية مع 57 دولة عربية وإسلامية وستمنح، بعد طول انتظار، الشعب الفلسطيني حقوقه التي يستحقها في دولة مستقلة قابلة للحياة على التراب الوطني الفلسطيني، وعلى أساس خطوط عام 1967 والقدس الشرقية عاصمة لها.

كما توجه الى المجتمع الدولي حاثا إياه على العمل من أجل إيجاد حل سريع للقضية الجوهرية في المنطقة، فقد "استنزف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الموارد التي نحتاجها لبناء مستقبل أفضل، وهو نزاع يغذي نيران التطرف في جميع أنحاء العالم، وقد آن الأوان لإخماد هذا الحريق" على حد تعبير الملك عبدالله.

6