ملك المغرب يستخدم صلاحياته الضمانية لحث الحكومة على بذل المزيد

تأتي الذكرى السادسة عشرة لاعتلاء الملك محمد السادس العرش المغربي وسط استمرار المغرب في تقديم النموذج الاستثنائي في إدارة شؤونه في محيط عربي وإقليمي ودولي مضطرب، ووسط تحدّيات جعلت خطاب الملك في عيد العرش السادس عشر يكون أكثر حزما وحسما خصوصا تجاه الحكومة التي يطالبها بالمزيد.
السبت 2015/08/01
ميثاق بين الملك والشعب لبناء مغرب قوي يوازن بين الأصالة والحداثة

يعتبر الملك محمد السادس، قبل المغاربة، ذكرى عيد العرش مناسبة لمراجعة السياسات والوعود التي طرحت في الذكرى التي سبقتها. لذلك كان من الطبيعي أن يؤكد العاهل المغربي، في خطابه بمناسبة ذكرى اعتلائه العرش، خلفا لوالده الملك الحسن الثاني أن “هذا العيد مناسبة سنوية لإجراء وقفة مع الذات حول ما حققه المغرب من منجزات، وما يواجهه من تحديات”.

وأكّد الملك محمد السادس أن “الاحتفال بهذا العيد ليس مجرد مناسبة عابرة، بل يحمل دلالات قوية، تجسد عمق عهود الولاء والوفاء، المتبادلة بيننا، وروابط البيعة التي تجمعك بخديمك الأول، والتي لا تزيدها الأيام إلا قوة ورسوخا”.

والتحمت روابط البيعة بين الملك محمد السادس والشعب المغربي قبل ستّة عشر سنة، وبالتحديد يوم 30 يوليو 1999، تاريخ الانتقال السلس للحكم في مغرب جديد ذي قاعدة شبابية متطلعة إلى التغيير والديمقراطية والعدالة، سياسا واجتماعيا وتنمويا.

وبشهادة الخبراء الدوليين ومن خلال حقائق يلمسها كل من يزور المملكة، نجح المغرب في أن يكون الاستثناء في منطقته عبر ترسيخ ميثاق أخلاقي مبني على الثقة والصدق المتبادلين بين الملك والشعب.

وهذا الميثاق هو الذي يمنح خطاب الملك في عيد العرش أهمية كبرى، حيث ينظر إليه المغاربة باعتباره تقييما لحصيلة سنة من العمل والإصلاحات ومناسبة لتصحيح المسارات ومعاقبة من يحيد عنها أو يسعى لعرقلتها. وللخطاب أهمية خاصة في الأجندة السياسية للبرلمان وللحكومة فللملك صلاحيات “ضمانية” لعمل الحكومة.

وبدا واضحا في الخطاب السادس عشر أن العاهل المغربي استخدم صلاحيته الضمانية لحث الحكومة على بذل المزيد، “لأن كل ما تم إنجازه، على أهميته، يبقى غير كاف، ما دامت هناك فئة تعاني من ظروف الحياة القاسية، وتشعر بأنها مهمشة، رغم كل الجهود المبذولة”.

وبالتركيز على النقائص أكثر من الإنجازات، يعمل الملك محمد السادس على تذكير الحكومة بأن مذهب المغرب في الحكم يقوم على خدمة المواطن، وتحصين هويته، وصيانة كرامته، والتجاوب البنّاء مع تطلعاته المشروعة.

القضايا الداخلية لم تله الملك محمد السادس عن التزام المغرب تجاه محيطه العربي والأفريقي والإسلامي

ويعلّق محمد بودن، رئيس المركز الدولي لتحليل المؤشرات العامة، مؤكّدا أن الخطاب ذكّر بأسس التعاقد في الاستهلال والاختتام وأسّس للسياسة العملية للحكومة. وقال بودن إن الملك يذكّر الحكومة، وذكّرها لحد الآن خمس مرات، بأن مذهب المغرب “في الحكم يقوم على خدمة المواطن وتحصين هويته وصيانة كرامته والتجاوب البنّاء مع تطلعاته المشروعة”؛ لذلك توجّه الملك في خطابه بصورة مباشرة إلى الأقطاب الحكومية المؤثّرة: وهي الداخلية والخارجية والتعليم والتربية والتكوين. وخاطب بشكل ضمني قطب الأوقاف والشؤون الإسلامية. ويقدّم توصيفات وتقييمات ووجّه انتباه هذه الأقطاب الحكومية نحو مشاكل بعينها على غرار:

* الأوضاع الصعبة التي يعيشها بعض المواطنين في المناطق البعيدة والمعزولة؛ وخاصة بقمم الأطلس والريف والمناطق الصحراوية.

* المناطق الهامشية والأحياء العشوائية بضواحي المدن.

* رعاية المغاربة المقيمين بالخارج وتوطيد تمسكهم بهويتهم.

* الإصلاح الجوهري لقطاع التعليم العمومي بما يعيد الاعتبار للمدرسة المغربية ويجعلها تقوم بدورها التربوي والتنموي المطلوب.

وأضاف بودن أن الملك محمد السادس لم يكتف بالنقد، بل قدّم مقترحات لتفادي التقصير في عمل الحكومة، بما يجعل ممرات الخطابات التي لا مبرر لها ضيقة جدا، خاصة وقد بدت كلماته واضحة عندما قال إن الحصيلة والأرقام فقط لا تعنيه بقدر ما يعنيه، وقبل كل شيء، “التأثير المباشر والنوعي لما تم تحقيقه من منجزات في تحسين ظروف عيش جميع المواطنين”.

الإصلاحات التي بدأها الملك محمد السادس منذ سنة 1999 لم تراوح مكانها أو تضمر مع مرور السنوات بل تطوّرت مجالاتها وتنوعت حقولها.

لكن، ورغم الاعتراف بـ”المجهود الجماعي لمختلف القوى الحية والفاعلة الذي أكسب المغرب ثقة المجتمع الدولي، بفضل إسهاماته وإضافاته وتحركاته نحو التقدم والنمو”، شدّد العاهل المغربي، وهو يحث الحكومة على بذل المزيد والإسراع بالعمل، على أن هذه الحصيلة رغم أهميتها تظل غير كافية، في ظل وجود فئات تعاني من شظف العيش والتهميش والفقر.

محمد بودن: خطاب الملك محمد السادس أسس للسياسة العملية للحكومة

وقفة مع الذات

أكّد الملك محمد السادس أن هذه الوقفة مع الذات ضرورية بالنسبة إليه، وهو الذي يتحمل أمانة أكثر من 35 مليون مغربي، غير معزولين عن العالم الخارجي المضطرب؛ والذي يبدو المغرب في وسط أمواجه “قرية” مطمئنة وموحّدة، رغم بعض الخلافات بين الحكومة، والمعارضة بشقيها السياسي والشعبي.

والملك هو الذي يضمن التوازن المطلوب لتحصين البلاد من تلك الاضطرابات والتحدّيات الخارجية والتهديدات الإرهابية، التي تتغذّى على هشاشة العلاقة بين الحاكم والمحكوم. ومنذ عقود طويلة، شهدت خلالها المملكة تطورات كثيرة، وتأثّرت بأحداث ومتغيّرات خارجية مختلفة، يحافظ النموذج المغربي على استمراريته، وبيّن قوته وفعاليته ونجاعته.

تقرر الاحتفال بعيد العرش منذ ثلاثينات القرن الماضي. وتنطوي ذكرى هذا العيد على دلالات رمزية كبرى تتجسد في تجديد البيعة بين العرش والشعب، وفي الاستمرارية التاريخية للنظام الملكي، وفي الترابط بين القمة والقاعدة لبناء مغرب قوي متشبث بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان ومنخرط في قيم التقدم والحداثة.

وهذه هو المغزى الذي يكمن في حفل الولاء الذي يقام بمناسبة عيد العرش، حيث يبرز هذا الحفل التقليدي التشبث بالثوابت الوطنية التاريخية من طرف ممثلي الشعب المغربي وتجديد بيعتهم للملك، بصفته أميرا للمؤمنين ورئيس الدولة وممثلها الأسمى، لا سيما أن البيعة أضحت في المغرب اليوم ميثاقا دستوريا يقوم على التشاور والتكافل والتماسك والإخلاص.

ومن هنا، يبين الطاهر شاكر، عضو البرلمان عن فريق الأصالة والمعاصرة، أن خطاب الملك محمد السادس، في العيد السادس عشر لتوليه إرث أجداده، يحمل إشارات ملكية قوية تشدّد على الإصلاح والتغيير الإيجابي، الذي يستلهم من الماضي ليبني الحاضر والمستقبل.

وقال شاكر، في تصريحات لـ”العرب”، “العاهل المغربي يعطي المثال الحي على التزامه الراسخ حيال مواصلة مسلسل البناء والتشييد الرامي إلى جعل المواطن المغربي قطب الرحى في كل عملية تنموية شاملة ومستدامة، الأمر الذي تجلى من خلال سياسة المشاريع البنيوية الكثيرة التي رأت النور على يد الملك خلال الست عشرة سنة الأخيرة”.

وإذا كان العرش والشعب قد كتبا معا صفحات خالدة في سفر تاريخ المغرب قديما وحديثا، فإنهما يكتبان اليوم، بالمداد ذاته، أمجاد مغرب الغد، مغرب الكرامة والتضامن وتكافؤ الفرص والازدهار، ضمن مسيرة يقودها الملك المغربي الشاب.

ومنذ انطلاق هذه المسيرة شهدت البلاد إطلاق سياسة البرامج الكبرى والمخططات الحضرية الكبرى بامتياز، والتي حرص العاهل المغربي على إعطائها عناية فائقة في سياسته وشدد عليها في خطابه، اعتبارا لمساهمتها القوية في الرقي بالمشهد الحضاري وتحسين الجاذبية الاقتصادية للمدن المغربية وجعلها فضاء يضمن الحياة الكريمة للمواطن.

الملك محمد السادس: إصلاح التعليم عماد تحقيق التنمية وضمانة لتحصين الفرد والمجتمع من آفة الجهل والفقر ومن نزعات التطرف والانغلاق

وأشار الطاهر شاكر إلى أن خطب الملك محمد السادس، تركز بالأساس على البرامج الكبرى، مثل إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة، وإنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ووضع مدونة جديدة بهدف الانتصار لقضية المرأة وإعطاء الأولوية لمغاربة الخارج، ناهيك عن إصلاح الحقل الديني لإخراجه من أيّ استغلال سياسي وتحصين المساجد، في إطار الخصوصية المغربية التي توازن بين ثوابت المملكة الدينية والانفتاح على قيم الحداثة والديمقراطية.

في هذا الصدد دعا الطاهر شاكر، حكومة بن كيران إلى الالتزام بتفعيل الخطوط العريضة التي شدد عليها الملك محمد السادس في خطاباته والالتفاف حول الإصلاحات الكبرى التي تهم المواطنين بالدرجة الأولى، وتنزيل أهم البنود التي جاء بها الدستور.

قضايا خارجية

لم تله القضايا الداخلية الملك محمد السادس عن التزام المغرب تجاه محيطه العربي والأفريقي والإسلامي. كما لم تنسه رغبته الأكيدة في الابتعاد بالمغرب عن فوهة البركان المشتعل في المنطقة وما يجري في دول عربية أخرى، على غرار اليمن وسوريا والعراق وليبيا، حيث أكّد في خطابه على أهمية إيجاد حلول للأوضاع بهذه البلدان، على أساس الحوار، وإشراك كل مكونات شعوبها.

ومن الأسس التي أشار إليها العاهل المغربي، كسبيل لحل أزمات تلك الدول، “احترام سيادتها ووحدتها الترابية”، موضحا أن “هذا ما يسعى المغرب إلى تحقيقه، من خلال احتضان مفاوضات مدينة الصخيرات المغربية، لحل الأزمة الليبية”.

وأضاف الملك محمد السادس قائلا “انخرطت البلاد في التحالفات العربية لمكافحة الإرهاب، ومن أجل إعادة الشرعية باليمن، التي دعا إليها العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز”. وذكّر العاهل المغربي بقضية العرب الأولى فـ”رغم الظروف الصعبة التي تمر بها المنطقة العربية، بفعل تنامي عصابات التطرف والإرهاب، فإن القضية الفلسطينية تظل هي جوهر السلام بمنطقة الشرق الأوسط”.

وككل مناسبة كانت قضية الصحراء المغربية حاضرة في خطاب الملك محمد السادس الذي شدّد على أن “المغرب كشريك مسؤول، ووفيّ بالتزاماته الدولية، لن يدخر جهدا في الدفاع عن مصالحه العليا. كما لن يسمح أبدا بالتطاول على سيادته ووحدته الترابية، ونموذجه المجتمعي”.

الطاهر شاكر: على حكومة بن كيران الالتزام بتفعيل الخطوط التي شدد عليها الملك

هذه المواقف، إلى جانب الإنجازات الداخلية، هي التي جعلت المغرب شريكا محوريا ترحّب به مختلف دول العالم، حيث أعرب وزير الخارجية الأميركي جون كيري عن اعتزاز بلاده بالشراكة “الاستراتيجية المغربية الأميركية”، مؤكدا أن الرباط شريك رئيسي لواشنطن في العديد من القضايا، التي تهم بالخصوص مجالات الثقافة والتعليم والتعاون العسكري.

وأضاف جون كيري، في تهنئته بمناسبة عيد العرش، أن الرباط وواشنطن “تتقاسمان التزاما مشتركا قويا بهدف تحسين الفرص الاقتصادية وتحقيق الرخاء لكافة المغاربة وتطوير نظم ريادة الأعمال في قطاع التعليم”.

وتأتي العلاقات الأميركية المغربية في خط متواز مع العلاقات المغربية الأوروبية، حيث يمثّل المغرب شريكا رئيسيا، في مختلف المجالات، لدول الاتحاد الأوروبي.

وقد أكّد الملك محمد السادس في خطابه على أن بلاده ستواصل العمل على تطوير الشراكات التي تجمعه بدول الاتحاد الأوروبي، وعلى تعزيز الشراكة الاستثنائية مع فرنسا وأسبانيا.

وأبرز كيري أن الرباط تحرص على تطوير شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، بالإضافة الى التزام المغرب بتعميق وإغناء الشراكة التي تجمعه بكل من روسيا والصين، وفتح آفاق أوسع أمام علاقات التعاون مع دول أمريكا اللاتينية، ومع الدول الآسيوية. وفي ما يخص التضامن، قال إن بلاده تعتمد توجها دبلوماسيا استراتيجيا يهدف إلى ترسيخ تعاون جنوب – جنوب فعال، خاصة مع الدول الأفريقية، وهي سياسة أثبتت نجاحها ولقيت ترحيبا كبيرا من الدول الأفريقية التي رأت في هذا المبادرة إعادة الاعتبار للقارة السمراء.

بشهادة الملك محمد السادس نفسه، مازالت مسيرة المغرب تواجه بعض التحديات؛ كأي مشروع نهضوي واعد، بل إن من أصول الديمقراطية وشروط تحقّقها تواجد المعوقات التي تخلق حركية إيجابية في مجتمع ما، وتفاعل الحاكم معها هو الذي سيبيّن مدى تواجد هذه الديمقراطية من عدمها.

7