ملك المغرب ينشد الإنسانية في التعامل مع المهاجرين الوافدين على بلاده

الأربعاء 2013/09/11
العاهل المغربي: مشاكل المهاجرين إلى المملكة محط انشغالات مشروعة

الرباط- وسط أمواج من الاضطرابات والتقلّبات نجحت المملكة المغربية في أن تكون الاستثناء وبذكاء سياسي بعد أن استثمرت "الربيع العربي" لفائدة الشعب المغربي وحرصت على مراجعة مختلف المقاربات ومتابعات كل التقارير ورصد السلبيات لتدارك النقائص خاصة ما يتعلّق بحقوق الإنسان. وقد انخرط المغرب، منذ سنوات عديدة، في بناء وتوسيع فضاء الحرية واحترام حقوق المواطن وكل من يطأ أرض المملكة.

وعلى أساس هذا المبدأ، استقبل العاهل المغرب ملاحظات تقارير حديثة لمنظمات عاملة في مجال الهجرة بإيجابية؛ تناولها بالدرس وأكّد على ضرورة تفعيل التوصيات التي جاءت بها هذه التقارير. وأحدث هذه التقارير تقرير حول وضعية المهاجرين واللاجئين بالمغرب، أعدّه المجلس الوطني المغربي لحقوق الإنسان، الذي دعا السلطات العمومية ومجموع الفاعلين الاجتماعيين والبلدان الشريكة للمغرب إلى العمل من أجل بلورة وتنفيذ سياسة عمومية فعلية في مجال الهجرة ضامنة لحماية الحقوق ومرتكزة على التعاون الدولي وقائمة على إدماج المجتمع المدني.

واقع الهجرة

رسم التقرير، الذي تم إنجازه بالتعاون بين المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان ومكتب المنظمة الدولية للهجرات بالمغرب، صورة، لازالت تحتفظ براهينتها، حول واقع الهجرة، التي أضحت تشكل اليوم، في جميع دول العالم تقريبا، موضوع انشغال ونقاش مستمرين، بل ومصدرا لكثير من الجدل، يسائل السلطات العمومية والمجتمع المدني والباحثين والآليات الدولية لحقوق الإنسان، خاصة أن عدد المهاجرين عبر العالم وصل، إلى حدود 2012، إلى 240 مليون مهاجر ومهاجرة (بالإضافة إلى 740 مليون مهاجر ومهاجرة داخليا). ورغم أن تقريرا لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية (PNUD) صدر سنة 2009 قد سلط الضوء على الدور المحوري الذي يلعبه التنقل البشري في التنمية البشرية، فإن المقاربات السجالية لا زالت قائمة بل وتتقوى.

ويتوزع المهاجرون بشكل غير متساو: 97 مليون مهاجر منهم من الجنوب إلى الشمال و74 مليون جنوب-جنوب و37 مليون شمال-شمال و40 مليون شمال-جنوب، و"الباقي يتكون من مهاجرين يتدفقون من دول شرقية إلى دول غربية وآخرون، لكن نادرا، من الغرب إلى الشرق"، وفق الخبيرة الدولية في مجال الهجرة كاترين دي ويندن.

أول ما تشير إليه هذه المعطيات هو عولمة تدفقات الهجرة، التي تعتمل منذ عقدين أو ثلاثة، الشيء الذي ترتب عنه أن عددا متزايدا من البلدان أصبحت تعد اليوم، بغض النظر عن مستوى تنميتها، دول هجرة ودول استقبال وعبور. كما تعبر هذه المعطيات عن ظهور أنظمة هجرة إقليمية وشبه إقليمية معقدة وشبكات عبر وطنية للمهاجرين وشبكات متطورة متخصصة في الاتجار بالأشخاص.

ويشكل ارتفاع هجرة النساء وتمديد الطرق التي يسلكها المهاجرون وتنوع المسارات الشخصية للمهاجرين واللاجئين وارتفاع مستواهم الاجتماعي والثقافي سمات بارزة أخرى لموجة الهجرة الثانية التي نشهدها اليوم والتي بدأت بوادرها في ثمانينات القرن الماضي.

لكن، إذا كانت التنقلات البشرية تشكل في نهاية المطاف عامل إغناء لمجتمعات الهجرة والاستقبال ومحفزا للاقتصاد ومصدرا لتنميتها الثقافية، فإنها تبقى مع ذلك مصدر انشغال وقلق وأداة يتم توظيفهما بشكل متزايد، خلال الاستحقاقات الانتخابية، مما يؤدي إلى بروز إطارات قانونية صارمة، على نحو متزايد، لمراقبة الدخول إلى التراب الوطني وإقامة الأشخاص المستقرين بصفة قانونية.


أرض هجرة


على الصعيد الدولي، ومنذ إطلاق الأمم المتحدة للحوار الرفيع المستوى بشأن الهجرة، تثار إشكالية اعتماد حكامة دولية متجددة للتنقلات البشرية بشكل منتظم. من هذا المنطلق، تشكل المقاربة القائمة على حقوق الإنسان، سواء على المستوى المغربي أو الدولي، البعد الأساسي والوحيد الذي من شأنه أن يضمن حقوق المهاجرين الأساسية، بغض النظر عن وضعهم الإداري، وبعدا ضروريا لبلورة سياسات في مجال هجرة طويلة المدى تضمن الحقوق وتتيح إمكانية التعايش الديمقراطي والتبادل المثمر بين الثقافات والحضارات.

ولا يمكن فهم التغيرات التي يشهدها المغرب في مجال الهجرة واللجوء، إلا من خلال اعتبار تاريخ المملكة على امتداده من جهة والتحولات المسجلة على مدى العقود الأخيرة على المستوى الدولي في المجال من جهة ثانية. ذلك أن المغرب يعد أرض هجرة بامتياز منذ موجة الهجرة الأولى التي انطلقت مع الحرب العالمية الأولى، وأرض استقبال وتوافد، رغم أن الوعي الجماعي لم يستوعب بعد هذا المعطى التاريخي.

ولا يمكن للمغرب، كبلد ينتمي إلى القارة الأفريقية، التي تواجه تحديات التنمية وتعيش بانتظام على وقع أزمات سياسية ونزاعات مسلحة، أن يظل بعيدا عن عواقب هذا الوضع المضطرب والمرشح للاستمرار. كما أن المملكة تعاني بما لا يدع مجالا للشك من آثار السياسة الصارمة التي تعتمدها أوروبا لمراقبة حدودها الخارجية.

لجميع هذه الأسباب، أصبح المغرب بدوره أرضا للجوء والاستقرار الدائم للمهاجرين، فقد بات يستضيف عددا من المهاجرين النظاميين الذين يقصدون المغرب للعمل وعددا كبيرا نسبيا من الطلبة الأجانب ومهاجرين في وضعية غير نظامية، يبقون في المغرب لسنوات عديدة أحيانا من أجل العبور، بالإضافة إلى طالبي اللجوء واللاجئين. علاوة على هذه التدفقات هناك مجموعات مستقرة منذ وقت طويل (مثل الجزائريين والسوريين ومهاجرين من جنسيات أوروبية مختلفة) بالإضافة إلى تسارع وثيرة التنقلات البشرية كما تشير إلى ذلك، على سبيل المثال، تنقلات النخب المهنية من ذوي المهارات العالية بين أوروبا والمغرب أو الإقامة المطولة للمتقاعدين الأوروبيين، خاصة الفرنسيين منهم.

إن كون المغرب أضحى ملتقى لديناميات متنوعة للهجرة، يجعل من المملكة، بشكل تدريجي لكن لا رجعة فيه، بلدا متعدد الأجناس. فاستمرار هجرة المغربيات والمغاربة، بشكل نظامي أو غير نظامي، وبروز تواجد مهاجرين من دول بعيدة (الصين والفليبين و النيبال، كما كشفت عن ذلك بعض التوقيفات التي طالت البعض منهم) يشهد دون شك على دخول المغرب في خانة الدول المعنية بعولمة التنقلات البشرية. بيد أن هذا الواقع المعقد، الذي يشكل في نفس الوقت تحديا بالنسبة للمغرب وعامل غنى، يختفي وراء الصورة النمطية المختزلة، والمتداولة إعلاميا بشكل واسع، لذلك المهاجر المنحدر من أفريقيا جنوب الصحراء الهائم على وجهه في الطرقات ولا يعيش إلا على إحسان الآخرين أو مجموعات المهاجرين الذين يحاولون بانتظام اختراق سياج سبتة ومليلية.

انتقادات

وتشير الوثيقة المغربية إلى أن السلطات المغربية تتدخل للتعامل مع المهاجرين بتنظيم بعض الحملات ضدهم "حسب الحالات، من خلال خطوات متتالية، دون أن تتخذ مبادراتها، صبغة تصور شامل ومتكيف مع الواقع الجديد.

وتسبّبت هذه الحملات العديد في انتهاك حقوق المهاجرين في وضعية غير نظامية (توقيف اللاجئين، العنف وسوء المعاملة، الترحيل دون حكم قضائي…)، ينضاف إليها العنف الممارس على هذه الفئة من قبل المنحرفين والمتاجرين في البشر فضلا عن أشكال العنف التي يعاني منها المهاجرون طوال رحلة الهجرة والتي تطالهم أحيانا حتى قبل دخولهم التراب الوطني

وتعلل السلطات هذا الأمر بحقها في ممارسة اختصاصاتها في ما يتصل بإيقاع العقوبة جراء كل دخول إلى البلد أو الإقامة به بشكل غير قانوني، وبمحاربة الاتجار في الأشخاص ومكافحة محاولات عبور الحدود الدولية للبلاد بشكل غير قانوني خاصة بسبتة ومليلية. كما تبرر ذلك بضرورة مواجهة العنف الصادر عن المجموعات التي تنظم تلك المحاولات.

الواقع المعقد للهجرة في المغرب يختفي وراء الصورة النمطية المختزلة، والمتداولة إعلاميا بشكل واسع، لذلك المهاجر المتحدر من أفريقيا جنوب الصحراء هائم على وجهه في الطرقات ولا يعيش إلا على إحسان الآخرين أو مجموعات المهاجرين الذين يحاولون بانتظام اختراق سياج سبتة ومليلية.

ويقول المجلس الوطني لحقوق الإنسان إنه يعتبر، ودون المجادلة في مبدأ حق السلطات المغربية في مراقبة دخول الأجانب للبلد والإقامة به وواجبها المتعلق بمكافحة الاتجار في الأشخاص، أن السلطات المغربية لا يمكنها في إطار اضطلاعها بهذه المهام عدم مراعاة المقتضيات الدستورية في مجال حقوق الإنسان وحقوق الأجانب وكذا الالتزامات الدولية للمغرب التي تكرسها مصادقته على مجموع الصكوك الدولية الخاصة بحماية حقوق الإنسان… وقد كان آخر هذه المبادرات، توقيع المغرب والاتحاد الأوروبي وست دول أعضاء في يونيو 2013 لإعلان مشترك يضع أسس الشراكة من أجل الحركية.

وبلغ عدد الذين تم ترحيلهم بشكل طوعي بتعاون بين الداخلية المغربية والشركاء، ومن بينهم المنظمة الدولية للهجرة، 14 ألف شخص حتى اليوم، حسب ما ذكرته مصادر مغربية.

انطلاقا من هذه العناصر، يدعو المجلس الوطني لحقوق الإنسان السلطات العمومية ومجموع الفاعلين الاجتماعيين والبلدان الشريكة للمغرب إلى أخذ الواقع والمستجدات التي يشهدها العالم بعين الاعتبار والعمل بشكل مشترك من أجل بلورة وتنفيذ سياسة عمومية فعلية في مجال الهجرة، ضامنة لحماية الحقوق ومرتكزة على التعاون الدولي وقائمة على إدماج المجتمع المدني. فمن خلال رفع هذا التحدي، يمكن للمغرب أن يشكل نموذجا يحتذى به من لدن العديد من بلدان الجنوب التي تواجه إشكاليات مماثلة.

توصيات واقتراحات

اعتبر المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن هذه السياسة يجب أن تنتظم على الأقل حول أربع مكونات يتعلق أولها بوضعية اللاجئين وطالبي اللجوء ويهم ثانيها الأجانب الموجودين في وضعية إدارية غير قانونية فيما يتعلق الثالث بمكافحة الاتجار في الأشخاص أما المكون الرابع فيهم الأجانب في وضعية نظامية.

وبخصوص وضعية اللاجئين وطالبي اللجوء يدعو المجلس الحكومة المغربية إلى الاعتراف الفعلي بصفة لاجئ التي تمنحها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من خلال منح الحاصلين على هذه الصفة بطاقة الإقامة وذلك في انتظار وضع إطار قانوني ومؤسساتي وطني ينظم اللجوء ووضع سياسة لإدماج هؤلاء اللاجئين وأفراد أسرهم في مجال السكن والصحة وتمدرس الأطفال والتكوين والشغل وكذا تمكين الحاصلين على صفة لاجئ المتزوجين الذين يصلون بمفردهم للتراب الوطني من التقدم بشكل قانوني بطلب الاستفادة من التجمع العائلي. أما بالنسبة للمكون الثاني المتعلق بالأجانب الموجودين في وضعية إدارية غير قانونية فإن المجلس يعتبر أن الوقت قد حان لكي تباشر الحكومة بشكل رسمي إعداد وتنفيذ عملية للتسوية الاستثنائية لوضعية بعض الفئات من المهاجرين في وضعية إدارية غير نظامية وذلك ارتكازا على معايير تأخذ بعين الاعتبار مدة الإقامة بالمغرب والحق في العيش في كنف العائلة وشروط الاندماج في المجتمع المغربي والاتفاقيات المتعلقة بالاستيطان المبرمة بين المملكة المغربية وبلدان صديقة.

بخصوص المكون الثالث المتعلق بمكافحة الاتجار في الأشخاص فإن المجلس يدعو الحكومة إلى إدراج مقتضيات في الباب 7 من الجزء الأول من الكتاب الثالث من القانون الجنائي تنص على معاقبة استقطاب أو نقل أو تحويل أو إيواء أو استقبال الأشخاص عن طريق التهديد باستخدام القوة أو استخدامها أو غير ذلك من أشكال القسر عن طريق الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو الشطط في استعمال السلطة أو استغلال حالات الهشاشة أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سلطة على شخص آخر لغرض الاستغلال.

ويقترح المجلس في هذا الصدد أن يشمل تعريف الاستغلال بموجب أحكام هذا الباب على الأقل استغلال الغير في الدعارة أو في أشكال أخرى للاستغلال الجنسي أو الأعمال وخدمات السخرة أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو نزع الأعضاء كما يوصي بتضمين القانون الجنائي مقتضيات تحمي المهاجرين القاصرين على وجه الخصوص واعتبار ارتكاب جريمة الاتجار بهم أمرا موجبا لإعمال ظروف التشديد.

وبالنسبة للمكون الرابع الذي يهم الأجانب في وضعية نظامية فإن المجلس يدعو الحكومة إلى منح الأجانب المقيمين بالمغرب إمكانية المشاركة في الانتخابات المحلية إما بمقتضى القانون أو تطبيقا لاتفاقيات دولية أو ممارسات المعاملة بالمثل وفقا لمقتضيات الفصل 30 (4) من الدستور إضافة إلى مراجعة المادة 416 من القانون رقم 65.99 بمثابة مدونة الشغل بشكل يسمح للعمال المهاجرين بولوج المناصب الإدارية ومناصب التسيير بالنقابات المهنية التي ينضوون تحت لوائها. كما يدعو الحكومة إلى المصادقة على الاتفاقيتين رقم 97 و143 لمنظمة العمل الدولية حول العمال المهاجرين بالنظر لتأثيرهما الهيكلي على ضمان الحقوق الاجتماعية لهذه الفئة من العمال.

7