ملك اليمين.. هل ينقصنا هذا الهراء

الفقه التقليدي الساري عبر القرون لا يناسب روح العصر وتعقيداته. والاحتجاج به يعطي الفرصة لكارهي الدين والحضارة العربية الإسلامية لتشويه وجهها الحسن، وإنكار منجزاتها.
الأربعاء 2018/08/29
الغرق في التفاصيل أضل الطريق إلى الغاية وأضاع هامشا للحرية

لا أتذكر ثورة كبرى في شهر أغسطس، وتكاد أغلب الثورات والانقلابات ترتبط بشهر يوليو، ولكني في قيظ أغسطس، مع تواصل اقترابي من قضية أرادوا أن يمنحوها صبغة دينية، وهي كشف شعر المرأة المسلمة “الحرة”، أتذكر ثورة 25 يناير2011 المتعثرة. كلاهما، الدين والثورة، له مقاصد كلية، فمقاصد الشرع أن يحفظ خمس كليات: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

 أما الثورة فلخصت مقاصدها/ أهدافها في عنوان “التغيير” الذي ينقطع ما بعده عما سبقه، ويثمر بالضرورة العدل والحرية. ولكن الغرق في التفاصيل أضل الطريق إلى الغاية، وأضاع هامشا للحرية استهدفت الثورة نسفه؛ أملا في حرية حقيقية لا يمن بها حاكم على شعب، وإنما تنتزع بإرادة عامة تُخضع الجميع للقانون.

في تلك الأيام، كانت لدينا صحافة حزبية ندية، وصحافة خاصة مستقلة عن السلطة والأحزاب، يمولها القراء بالشراء، قبل انسداد الآفاق، واقتسام رجال المال وأجهزة الأمن للصحف والفضائيات، تمويلا وشراء وإقصاء لأي صوت معارض، فلا يمر ولو بالخطأ، مقال أو تحقيق يمس الذات الرئاسية وما دونها.

في تلك الأيام نشرت في صحيفة الدستور الخاصة، في 28 مارس2007 مقالا عنوانه “ماذا أقول لابنتي يا سيادة الرئيس؟”، تمنيت فيه على حسني مبارك أن يستريح، “اعمل فينا معروفا. رد إساءتنا بإحسان: ازرع في نفوسنا أملا أخيرا، ولو مرة واحدة في العمر ـ عمرك لا أعمارنا ـ بالتخلي عنا. إذا كنا بلاء فنحن نعفيك، وإذا كنا نعمة فيكفيك ربع قرن وسنة، وليس في العمر ـ عمرك لا أعمارنا ـ ربع قرن آخر”. وفي 16 نوفمبر2007، نشرت في الصحيفة نفسها مقالا عنوانه “المصريون يكتشفون الله”، وحصلت عنهما على جائزة المقال السياسي من نقابة الصحافيين لعام 2007.

لا أكتب ذلك استعراضا لذكرى، بل لأرصد أمرين، أولهما أن حرية جزئية كنا نشكو من ضيقها، ونحاول تجاوزها، صارت حلما بعد الثورة التي يعاقب الشعب على اقترافها؛ فلا توجد الآن صحيفة تجرؤ على نشر انتقادات مما كانت الصحف الحكومية نفسها تنشرها بذكاء. والأمر الثاني أنني حين كتبت عن هوس التدين الشكلي في مقال “المصريون يكتشفون الله” لم أتوقع الانحدار من أفق يعيد فيه البعض اكتشاف الله، إلى سفوح ينقبون تحت صخورها فيفرحون باكتشاف تفاصيل صغيرة، مثل “فرض” غطاء على شعر المرأة، ويحمّلون ما يسمونه “السفور” مسؤولية الانحطاط الحضاري، ويرفعون هذا الحجاب لمنزلة أركان الإسلام وغايات الشريعة، وكأن علماء الدين حتى سبعينات القرن العشرين غفلوا عن هذا “الفرض”. ولم يبلغ بي اليأس عام 2007 درجة أتخيل فيها حجم الانفجار “الدعوي” الجنسي المكبوت، وللثورة فضل الكشف عنه، لا اختراعه، ومن عناوينه الغزو والفيء وملك اليمين.

ابتذل مصطلح “تجديد الخطاب الديني”، فرّغ التكرار محتواه فصار سخيفا، يمضغه العارف والجاهل والمراهق، حتى عبدالفتاح السيسي ذكره ذات يوم، وهو نفسه ذو خطاب سلفي لخصه اعترافه “أنا مش سياسي”، ويستبق أي انتقاد، فيجادل بأن الله سيحاسبه، قاطعا الطريق على من يفكر في مساءلته، شأن أي رئيس في أي بلد يحكمه دستور وقانون يخضع لهما المواطنون، وأولهم الرئيس.

لنترك مصطلح “تجديد الخطاب الديني” منزوع الروح، ولنجرب “إصلاح الخطاب”، ولكنه قد يثير حساسية، إذ يشي الإصلاح بركام من ميراث الفساد والإفساد. ولعل الخروج من هذا الحرج يبدأ بالإيمان بالحاجة إلى فقه جديد، لا يمس العقيدة وقواعد الإسلام، ويمكن البدء بدراسة مشروع الإمام محمد عبده والانطلاق منه. هذا الفقه العصري سيتحرى مقاصد الشرع، وينأى بالدين عن شوائب حملها الفقه القديم من نسقه التاريخي، وقد أهدر بمضيّ الوقت ذلك السياق، واعتمد فقه أنتجه المدّ الحضاري الإسلامي. وقد شهدت تلك الفترات من الفتوة والصعود تنوعا ثريا وخلاقا تجاورت فيه الأضداد ولم تتصارع، ولم يقض أي من تلك الأفكار أو الأشخاص على الآخر ولا خاف من وجوده، فلم يحاول داعشي اغتيال أبي نواس، ولا هدد أبوالعلاء المعري عقيدة مسلم، وإذا كان فقهاء وفلاسفة قد تعرضوا لاضطهاد وسجن وقتل، فذلك من آثار ردة حضارية مرت بها الحضارة الإسلامية في بعض فتراتها، بتحالف فقهاء السلطان مع سلطان تعوزه قوة المأمون.

الفقه التقليدي الساري عبر القرون لا يناسب روح العصر وتعقيداته. والاحتجاج به يعطي الفرصة لكارهي الدين والحضارة العربية الإسلامية لتشويه وجهها الحسن، وإنكار منجزاتها. لا يعلم هؤلاء الكارهون أن لكل عصر سمات لا يختلف فيها أتباع دين عن الآخر، وكان السبي والاسترقاق واستنزاف الثروات من مكاسب المنتصر. ولكن المسلمين لم يبيدوا شعبا كما فعل غزاة الأميركتين تحت راية الكتاب المقدس، ولا أشعلوا حروبا كونية قتلت العشرات من الملايين. وقد نجح أحفاد القتلة الاستعماريين في إصلاح خطابهم الديني والحضاري، ويقدمون وجها إنسانيا يلوذ به مستضعفون من ضحايا الدكتاتوريات العربية والإسلامية، في حين نتمسك بميراث هزلي، ولا نجرؤ على مراجعته والاعتراف بأنه من خارج الكادر الحضاري العقلاني، ولا يصح أن يقفز إلى قلب الصورة، ويشارك في تبنيه الدواعش وغلاة السلفيين وبعض مدرسي الفقه، ففي برنامج تلفزيوني قالت سعاد صالح، أستاذة الفقه المقارن بجامعة الأزهر، إن أسيرات الحرب ملك يمين “مشروع”، للجيش أو قائده، “لكي يذلهن. يستمتع بهن كما يستمع بزوجاته”. خطاب يفترض النقاء الديني في الجيش، باعتباره ممثلا لدولة إسلامية يعيش فيها ذميون أدنى من الحظوة بشرف حمل السلاح، وتستبعد الفقيهة أن يكون قائد الجيش المصري مسيحيا، ولم تجب عن سؤال: ماذا لو وقعت مسلمات أسيرات لدى العدو؟

لا تقترن قضية ملك اليمين بالحرب والسبي، فلها في أذهان البعض ظلال في الحياة المدنية. وإذا كان كلام السيدة سعاد صالح مرّ، لاستنادها إلى أصل فقهي، فقد اُنتقد رجل اسمه عبدالرؤوف عون على كتابه “زواج ملك اليمين”؟ لم يصادفني الكتاب، وكفاني ظهور مؤلفه في التلفزيون، وهو يستدعي بثقة فقه الإماء وملك اليمين، ويخيّر النساء الآن بين ارتداء الحجاب أو أن يكنّ “ملك يمين، ويرتدين ما يشأن.. ومش حرام”، واحتج بنزع عمر بن الخطاب لحجاب الإماء؛ لكي لا يتشبهن بالحرائر. كلام يؤكد أن الحجاب سلوك طبقي، وليس لعموم المسلمات. وقال عبدالرؤوف إن الحجاب تكريم للحرائر، ولا تطالب ملك اليمين بستر الشعر أو الذراعين، وعوراتهن مثل الرجل، من السرة إلى الركبة، وسألته المذيعة: وفوق السرة؟ فقال: “مش عورة”. فاللهم لا تجعل فتنتنا في قصورنا على الفقه.

9