ملنخوليا" مشاعر متناقضة لسياسي مغربي أرهقه الحب

الكاتب المغربي مراد الضفري يضع حركة المقاومة الفلسطينية تحت المجهر كنموذج له، وآخر مواز له تمثل بفكر عدمي، انتهازي يرى كل شيء لا معنى ولا جدوى له.
السبت 2018/09/01
صورة غلاف "ملنخوليا" لخَّصت ثيمات رواية مراد الضفري

"الصرخة" لوحة للفنان النرويجي إدفارت مونك، استخدمها الكاتب المغربي مراد الضفري كصورة غلاف لروايته الجديدة “ملنخوليا” لخَّصت ثيمات الرواية. اللوحة الشهيرة تمثل سماء حمراء تحيط برجل مُعذب يصرخ فوق جسر بأوسلو، دون أن يعبأ أحد بصراخه.

جاء السَّرد في”ملنخوليا” بعدة مستويات. مستوى أفقي تمثل بطرح الفكر الثوري العربي في السبعينات، واستمر حتى نهاية الرواية. ووضع حركة المقاومة الفلسطينية تحت المجهر كنموذج له، وآخر مواز له تمثل بفكر عدمي، انتهازي يرى كل شيء لا معنى ولا جدوى له. بينما جاءت المستويات العمودية للسَّرد بطرحها بدائل للفكر الثوري، والفلسفي السبعيني، وتغييرها بطروحات فلسفية وعملية واقعية. تعالج سيئات الحاضر، وتطالب السلطة السياسية الحاكمة بالتغييرات.

ابتداء من عتبة العنوان “ملنخوليا” الذي يعني المرض العقلي، الناتج عن اضطرابات للغدد الصماء، المسببة لمن يصاب بها تغليب الهم والحزن، والقلق، وضيق الصدر والكآبة الدائمة، وكره الحياة الواقعية، نعيش اضطرابات طارق بطلها كمريض “ملنخوليا” يفضل العيش مع ذكريات قديمة، ويفضلها على الحاضر.

طارق ولد الخيل، المغربي، الذي يعيش بين الدار البيضاء والرباط حياة عدمية بلا عمل، ولا أمل له بالغد، والناس. تنفق عليه حبيبته القديمة ليلى، كما أنها دفعت عنه أقساط الشقة، التي اشتراها حين كانا يعيشان معا. يقضي نهاره وليله في منلوجات طويلة يتذكر فيها أيامه السالفة بفلسطين، والكأس لا يفارق شفتيه، إلا ليملأه ثانية.

وتمضي لياليه، وهو ينتقل بين أحضان عدة نساء من الحاضر والماضي. من الحاضر، عشيقته الشابة اليهودية المغربية أماليا، تقابلها سلوان الفلسطينية التي عشقها في غزة أثناء مشاركته في الدفاع عن المدينة ضد العدوان الإسرائيلي عام 2008.

طروحات فلسفية وعملية واقعية تطالب السلطة السياسية الحاكمة بالتغييرات
طروحات فلسفية وعملية واقعية تطالب السلطة السياسية الحاكمة بالتغييرات

وطارق يعيش ازدواجية مؤلمة، بين الحاضر والماضي، ويعبر عن ذلك مخاطبا أماليا الشابة اليهودية المغربية “لا أستطيع وضع شفتي على شفتيك دون أن تمر في ذهني صورة طائرة إف 16 تقصف أهلي بغزة أو الضفة”. ويسألها “كيف لنا أن نتزوج وأن ننجب أبناء؟ ماذا سأسمي أبناءنا، مناحيم وغولدا، وشارون وبيرتس؟”.

فتجيبه أماليا مدافعة عن نفسها “أنا لستُ إسرائيلية يا طارق”، ولكن حين تنتهي مقاومته لفكرة الزواج، تأخذه أمها العجوز استر إلى جنب، وتعده بمغريات كثيرة إنْ تزوج ابنتها، وسافر معهما إلى إسرائيل، ليعيشوا في “هارتسيليا” مع زوجها ديفيد، الذي يدير شركة هناك. يعيش طارق في صراع بين مشاعر سياسية متناقضة بين ماض عاشه مع الفلسطينيين في غزة، وحاضر يعيشه بين يهود مغاربة تمثلهم استر وديفيد زوجها وابنتهما أماليا في شقة مشتركة.

 يوافقها طارق، ويعد العدة للرحيل مع أماليا إلى إسرائيل عن طريق فرنسا بعد أن أُصيب بخيبة أمل مريرة، لقيام الشرطة باستجوابه بسبب حادثة اغتيال صديقه نجيب في تونس. تمحورت أسئلة المحقق حول علاقته السياسية السابقة برفيقه نجيب.

 طارق، الذي يعيش أزمة نفسية حادة، ويعاني من تناقضات ما يعيشه يقرر في آخر لحظة عدم السفر إلى إسرائيل بالرغم من إلحاح حبيبته أماليا المهاجرة إلى إسرائيل مع أمها، بعد أن وعدتاه بالثروة وحياة الأغنياء هناك.

  والسبب في امتناعه عن السفر في آخر لحظة يعود إلى أنه رأى في تلفاز صالة المطار صورة لسلوان ــحبيبته الفلسطينية السابقة ــ وقرأ خبرا عن استشهادها بفلسطين.

يعيش طارق بعد ذلك أزمة نفسية ووجدانية عميقة بين حاضره مع مها ونرجس، وهما نادلتان، الأولى تعمل في كابريه بالدار البيضاء، والثانية نادلة بمقهى بالرباط، وماضيه مع ليلى حين كانا طالبين في الجامعة بالسبعينات. وهي التي تركها حاملا بابنتهما ليال وسافر ليناضل في فلسطين، فاضطرت ليلى درءا للفضيحة أن تتزوج بجلال الطبيب، الذي لا تحبه، لتعيش معه حياة الغرباء، وهي تحلم طيلة الوقت بحبيبها السابق وتسترد ذكرياتها معه.

المستوى الآخر في السَّرد جاء ليصور الحاضر بكل متناقضاته، وأحلام شخصياته، كليلى، التي لم تكن سعيدة مع زوجها إلا أن ذلك لم يضعف عزيمتها، لتصير إيجابية مع محيطها. فهي تعتني بابنتها، وتصادق الناس رجالا ونساء، وتسمع منهم، وتساعدهم وتشاركهم في حل مشاكلهم، لكن الماضي وذكرياتها عن طارق جعلاها تسعى للانفصال عن زوجها، لكنها في الحاضر لا تستطيع العيش مع طارق كما كان.

وجدت ليلى فرصتها الأخيرة باسترجاع طارق، ولكن هذه المرة استرجعت شخصا بلا ذاكرة، فقد حاول طارق الانتحار بشنق نفسه في شقته، ولكن في اللحظات الأخيرة قبل موته تم إنقاذه. وبعد أن فقد وعيه لعدة أيام، وخلال تلك الأيام رعته ليلى في أحد مستشفيات الدار البيضاء إلى أن فاق، ولكن بذاكرة معطوبة.

15