ملهاة إيطالية ومأساة إنجليزية

حين يلعب الكبار يكتفي الصغار بالفرجة والهتاف، وبعض التقليد إن تسنى لهم ذلك. هذه هي القاعدة التي فرضتها شروط اللعبة.
الثلاثاء 2021/07/13
خسارة لا تنتقص من القيمة والرمزية

تنتصر إيطاليا على إنجلترا في واقعة كروية تهز أوروبا والعالم، فترتد أصداؤها لتصل جميع مظاهر الحياة خلف البحار وفي أعماق التاريخ، بما في ذلك المستعمرات السابقة والشعوب المجاورة، والصداقات والعداوات التقليدية لأسلاف كل من الآزوري والأسود الثلاثة، أي بين مواطني القائد غاريبالدي ونظرائهم من مواطني الملكة فيكتوريا.. أو فلنقل قراء رائد الملهاة الإيطالية أوزفالدو جولدوني، وسيد المأساة الإنجليزية وليم شكسبير، في مقاربة مسرحية شهدها ملعب ويمبلي في لندن.

كل ما في هذه المقابلة يغري بشتى القراءات المفتوحة في عوالم السياسة والاجتماع من تحت كمامات كورونا التي تنزل تارة ثم تعود لترتفع تارة أخرى، وفق معدل الإصابات ونسب اللقاحات.

تنفتح القرائح والتأويلات والاستعارات حول لقاء مرتادي “الآزوري” التي تعني بالإيطالية اللون الأزرق الداكن، من الذين اعتادوا الانتصار خارج بلادهم، والعودة إليها من أقواس النصر متوجين بالغار كما يفعل قادة الرومان.

هؤلاء المغامرون كانوا في مواجهة حاملي قمصان توشحت بشعار الأسود الأطلسية القادمة من شمال أفريقيا، منذ هنري الأول سنة 1100، والذي أضاف لأسده أسدا ثانيا؛ فبمجرد زواجه من أدليزا، التي كان والدها أيضا ملكا يستعمل الأسد شعارا له، أضاف الملك هنري أسدا آخر إلى شعاره. وفي عام 1154 انضاف إلى الأسدين أسد آخر عندما تزوج الملك هنري الثاني إليانور آكيتيان التي كانت عائلتها تتخذ من الأسد شعارا لها. ومنذ ذلك الحين لم يزاحم أي أسد الأسود الثلاثة في الدرع الملكي، والتي اتخذت شعارا للمنتخب الإنجليزي سنة 1863.

كم مرة أتينا على كلمة “أسد” فيما سبق ذكره من رواية دون أن ننزع نحو السخرية والاستخفاف، ذلك أن حاملي هذا الشعار هم المؤسسون الحقيقيون لكرة القدم الحديثة في أوروبا، ويتصرف لاعبوها مثل راقصين في باليه إنجليزي. أما في عالمنا العربي فالتسمية الرمزية لأي منتخب تفقد رمزيتها لدى جمهورها عند أول هزيمة، وتصبح مدعاة للتندّر والاستهتار مثل منتخب “نسور قرطاج” الذي يشبعه جمهوره ومتابعوه في تونس شتى أنواع الألقاب التي تستعير تسمياتها من أضعف أنواع الطيور والدواجن كلما انهزم في مباراة.

حين يلعب الكبار يكتفي الصغار بالفرجة والهتاف، وبعض التقليد إن تسنى لهم ذلك. هذه هي القاعدة التي فرضتها شروط اللعبة، وهذا ما خطر ببالي يوم أمس الأول حين شاهدت شبانا تونسيين يرتدون ألوان الزي الرياضي الإيطالي. بعضهم يتوعد الفريق الإنجليزي بعبارات نابية كما يفعل الإيطاليون تماما، ولكن دون كمامات، دون تباعد اجتماعي.. دون نقود، ودون تأشيرة دخول إلى الأراضي الأوروبية التي انفصلت عنها بريطانيا ربما، سياسيا واقتصاديا، لكنها لم تنفصل عنها في وحدة مصائر أخرى يطول شرحها.

24