مليون صوت نسائي ضد التطرف

الاثنين 2014/12/29

بعد استقلال تونس بأقل من خمسة أشهر، وتحديدا في الثالث عشر من أغسطس 1956 بادر رئيس الدولة آنذاك الحبيب بورقيبة بإصدار قانون الأحوال الشخصية الذي اعتبر قانونا ثوريا خصوصا من خلال منعه تعدد الزوجات وجعل أحكام الطلاق حكرا على المحاكم المدنية، ومما يذكر أن بعض المقربين من الزعيم الراحل سألوه عما إذا كان ممكنا أن يطرح القانون على الاستفتاء الشعبي فكان رده: لو استفتينا عليه الناس فسيكون مصيره الرفض لأن الشعب لا يزال غير مهيّأ لتقبل حرية المرأة، ولكن بعد ثلاثين عاما سيكونون قد فهموه وتقبّلوه وتبنوه، وعندما يستفتون عليه سيتمسكون به ولن يرضوا عنه بديلا.

يرد البعض موقف بورقيبة المدافع عن حرية المرأة إلى ثقافته العميقة وعقليته المنفتحة على الغرب وهو المحامي الذي حصل على شهادته العليا في أعرق الجامعات الفرنسية، ويرده البعض الآخر إلى تأثره الكبير بمعاناة والدته فطّومة التي طالما أحبها وتعلّق بها وخصّص لها حيزا مهمّا في خطبه ومذكراته.

ويعتبر بعض المؤرخين والباحثين أن خطوة بورقيبة جاءت في سياق التجربة الإصلاحية التي عرفتها البلاد منذ أواسط القرن التاسع عشر ويستشهدون في ذلك بأن تونس كانت أول دولة عربية أنجزت دستورا في عام 1861 وحررت العبيد وجرّمت العبودية في عام 1846، لذلك لم يكن غريبا أن تكون أول بلد يحرر المرأة، ويستذكر هؤلاء الطاهر الحداد المصلح والمناضل النقابي الذي كان أول من دعا علنا إلى تحرير النساء في كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" الصادر في عام 1930، إلا أنهم ينسون أو يتناسون أن الحداد تعرّض للتكفير وأصدر شيوخ الزيتونة آنذاك كتبا في تسفيهه منها “الحداد على امرأة الحدّاد” لمحمد الصالح بن مراد و”سيف الحق على من لا يرى الحق” لعمر البرّي المدني، وعندما توفي الحدّاد في ديسمبر 1935 وهو في أوج الشباب المذبوح بسيف التكفير لم يسر في جنازته غير سبعة أشخاص لا أكثر.

كان بورقيبة يدرك أن هناك من سيرفض تحرير المرأة ولكنه كان يعرف أن أفضل فرصة لإعلان قراره هو الفترة الأولى للاستقلال وفي خضمّ حالة شعبية عامة توّجته قائدا وزعيما، وكان يعرف أن تحرير المرأة سيساعده على مواجهة مشاريع التطرف الديني التي استشرفها منذ عام 1952 في رسالة شهيرة توجه بها إلى زميله في النضال ومنافسه اللدود بعد ذلك صالح بن يوسف.

بعد أكثر من 58 عاما على صدور قانون الأحوال الشخصية وقفت المرأة التونسية في مواجهة المشروع الإخواني والتكفيري من خلال دورها المجتمعي الذي تقوم به، وخلال جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية تحدثت الأرقام عن تصويت مليون امرأة لفائدة الباجي قائد السبسي الذي قدم نفسه للشعب على أنه المؤتمن على المشروع البورقيبي.

وبذلك يكون بورقيبة قد انتصر وهو في قبره، ويكون رهانه على المرأة قد أتى أكله، وتكون الرسالة واضحة: من أراد منكم التحضر والمدنية والحداثة والرقي ومواجهة التطرف والإرهاب ما عليه إلا أن يراهن على المرأة فهي نصف المجتمع وهي التي تربّي نصفه الثاني وهي نبض الحياة الذي يؤسس للحرية والمحبة والسلام.

24