مليون كلمة من أجل الحنين

الاثنين 2014/06/16

لم يعش الروائي الفرنسي مارسيل بروست أكثر من 51 سنة (1871 ــ 1922)، عزله فيها مرض الربو عن العالم الخارجي، مقيما في شقة باريسية كانت جدرانها مغلفة بالفلين.

غير أنه استطاع أن يكتب أكثر من مليون كلمة من أجل استعادة الزمن المفقود. ولكن كيف تأتّى لبروست أن يتذكر حياة كاملة بتفاصيلها الدقيقة، كما لو أنه كان يحوك قطعة دانتيل بأنامل لا تقبل الخطأ؟

سيقال أنه كان يتخيل بالقوة نفسها التي كان يتذكر فيها. وهو قول يبرره كون كتابه “البحث عن الزمن المفقود” لم يكن كتاب مذكرات أو سيرة ذاتية، بل كان عملا روائيا، يحق لمؤلفه أن يتنقل بخفة بين الواقع والخيال.

ولكن بروست كتب سجلا دقيقا للعادات والأساليب والتقاليد في عصره الانتقالي، في روايته كانت فرنسا تتنفس هواء خيال ترفها الساحر، كان كل شيء يومها صناعة برجوازية. ولأن الرواية كانت معنية بالجمال فلم يكن هناك شيء يذكر بالفقر، غنى اللغة يسابق غنى الناس.

كان بروست يرعى بقلق بلاغته، حياة عاشها في انتظار ولادة الجمال الذي لا يفنى، جماله الشخصي الذي لخصته رغبته في أن يكون كاتبا، بل الكاتب الذي سيتمنى الكثيرون عبر العالم أن يمتلكوا قدرته على الإيقاع بالزمن واحتوائه.

لقد اخترق بروست الزمن منطلقا نحو تجلياته التي احتضنت فتيات نضرات، كن يعبرن المرآة كما لو أنهن لم يخلقن من قبل.

كان شوقه إلى حياة، كانت بمثابة فردوس مفقود قد دفع به إلى الكتابة، من أجل أن تكون تلك الحياة موجودة إلى الأبد؛ ألا يتماهى الفن مع الخلود؟

لم يكن بروست يفكر في خلوده الشخصي، بقدر ما كان يؤسس لخلود الفن، وهو يصنع من اللحظات العابرة أزمنة لا يمكن نسيانها.

من تلك المادة استطاع بروست أن يبني عمارة باروكية، تستدعي أجزاؤها، بعضها البعض الآخر، من أجل أن تظهر متراصّة، فلا بدايات ولا نهايات؛ مليون كلمة من أجل حياة تستحق العيش.

16