ممارسات البلطجة الإعلامية

الأربعاء 2016/03/09

الصحافي المصري خالد الشامي وصف جانبا مما يجري في الإعلام المصري وخاصة على شاشات بعض الفضائيات بأنه بلطجة إعلامية، منطلقا من ردود الفعل على سلوك صاحب قناة تلفزيونية جعل منها منبرا لطروحات استفزت الشعب المصري الذي مازال يتمسك بموقفه الرافض للتطبيع مع إسرائيل، رغم مرور ثمانية وثلاثين عاما على توقيع اتفاقية “كامب ديفيد”، ويؤكد الصحافي أن الشارع المصري رحب بإسقاط العضوية عن ذلك الشخص ومن ثم غلق قناته التلفزيونية المثيرة للجدل وعرضها للبيع.

وهذا يقودنا إلى التطرق إلى ظاهرة إعلامية تزداد انتشارا على امتداد الوطن العربي ألا وهي اعتقاد بعض مقدمي البرامج أن حرية التعبير تعني الكشف عن المستور وإطلاق العنان للتجريح بطرح الأسئلة المحرجة ونشر الغسيل الوسخ وتضخيم التهم والمزاعم التي تطال الشرف والأعراض والتباهي بأن مقدم البرنامج يعرف أكثر مما يعرف المشاهدون، وهي ظاهرة واسعة الانتشار وصفها صاحبنا بممارسات البلطجة الإعلامية.

إن أمثال أولئك الإعلاميين يتحصنون وراء شعارات حرية التعبير والنشر، ويتباهون بطروحاتهم الفجة وجرأتهم على القول بينما هم يمارسون جرائم إعلامية “هجومية” وسط تشجيع بعض القنوات، باعتبار أن مثل تلك البرامج تؤدي إلى زيادة نسب المشاهدة والشهرة والإعلانات والأرباح، وهذا النهج جعل من الإعلام وسيلة متاحة للابتزاز السياسي والمالي، باستهداف سياسيين ورجال أعمال وتجار بالتلويح بفضائح مالية أو جنسية لا تطمر تفاصيلها إلا بـ”فدية“.

وبرزت مؤخرا ظاهرة الحرب بين الإعلاميين أنفسهم .. وتروى مثلا في مصر تفاصيل الحرب الأخيرة بين صاحب الفضائية وعدد من خصومه المحسوبين على الإعلام، مهددا باقتحام الأستوديو الآخر بصحبة بعض البلطجية، بعدها انتقلوا إلى تبادل التهم والفضائح والكشف عما سموه “التاريخ الأسود للشخص الآخر” من فضائح جنسية إلى فساد واحتيالات! ومؤخرا صدر في القاهرة حكم قضائي بحبس مذيعة لقيامها بنشر صور عارية لإحدى ضحايا التحرش الجنسي في الوسط الإعلامي، ومن الواضح أن نشر تلك الصور لا هدف له سوى التشهير والشغب والإساءة.

وتتكرر في العراق أخبار القضايا التي يرفعها مسؤولون ضد الإعلاميين بتهم تتعلق بالسب والقذف والتشهير ومزاعم غير أخلاقية، وساهم فيسبوك ليكون ميدانا لمن هب ودب لنشر ما يسيء للغير، وتتكرر التهم التي ينشرها إعلاميون وصحافيون في العراق ضد بعضهم البعض تتعلق بماضي الأشخاص على نمط أن فلانا كان من أبواق النظام السابق أو أنه كان نشطا في أجهزته الإعلامية أو الثقافية أو أنه كان مقربا من بعض رموزه! ويدهشك ذلك الجهد الذي يبذله البعض في التنقيب في الصحف والمجلات القديمة ليكتشفوا نصا شعريا أو مقالة لزميل لهم نشره قبل سنين وسنين يتحدث فيه إيجابيا عن شأن من شؤون النظام السابق أو يمتدح فيه رمزا من رموزه قبل الاحتلال …. وقد يجد صورة قديمة تجمع هذا الإعلامي أو الأديب بذاك الشخص المسؤول في مناسبة عامة أو خاصة، ربما عن طريق الصدفة يومها.

وبالنتيجة يتعلق الأمر بأخلاقيات الإعلام وبتلك القيم المهنية التي تدرس في كليات الصحافة وفي مقدمتها قضية التلاعب بالأخبار بأساليب خفية قد تحدث عمدًا أو دون قصد، والتلاعب هذا لا يقتصر على الأخبار السياسية العامة بل قد يشمل حتى الأخبار الشخصية في قضايا حساسة يسبب نشرها ضررا حتى لو كانت حقيقية. وتعتبر تعديا على الخصوصية الفردية لشخصيات عامة أو خاصة، ولا يبرر نشرها التمترس وراء مبدأ حرية التعبير.

ونعرف أنه حتى في التقارير المصورة هنالك التزامات أخلاقية مثلا في تغطية الحروب والكوارث بألا يتم عرض ما قد يمثل صدمة لمشاعر الجمهور ومنها تصوير العنف والجنس، ويحدث التجاوز على القيم الأخلاقية المجتمعية بالابتعاد عن المعايير العامة حتى في بعض البرامج الترفيهية التي تعتمد على الحوار “الجريء” مع بعض الفنانات لأغراض ترفيهية واستخدام الألفاظ النابية بهدف الإثارة وصدم الجمهور.

تهتم أخلاقيات الإعلام بقضايا حرية التعبير والقيم الجمالية (التذوق)، والصحافة هي أحد الأوصياء الأساسيين في المجتمعات الديمقراطية على الحريات والحقوق والواجبات المجتمعية المتباينة، وتنشأ المشكلات الأخلاقية عندما تتعارض أهداف استخدام الإعلام لزيادة القيمة الترفيهية للمحتوى وتحقيق النجاح والشهرة والغرور بالتميز المفتعل.

18