ممارسة الصحافة على مواقع التواصل بطولة لا يعترف بها الإعلاميون

تمثل مواقع التواصل الاجتماعي ضرورة لا بديل عنها للصحافيين في العالم الرقمي اليوم، وفي المقابل تضع الصحافيين وجها لوجه أمام تهديدات مختلفة تصل إلى حد التهديد بالقتل، يواجهها الصحافيون أحيانا بالتجاهل، وأحيانا باتخاذ احتياطات أو الانسحاب.
الجمعة 2016/09/23
الصحافيات لا يرغبن في أن ينظر لهن كضحايا

لندن- لم يعد العمل في مواقع التواصل الاجتماعي خيارا للصحافيين، فهي أدوات مهمة ولا غنى عنها في إنتاج الأخبار، وخصوصا في حال العمل لحسابهم الخاص، إن كانوا يرغبون في الانتشار على نطاق واسع.

يتيح فيسبوك وتويتر وأنستغرام وبيرسكوب وغيرها من مواقع الإعلام الجديد منصات فاعلة للتواصل مع الجمهور، لكن الانتهاكات والتهديدات ضد حرية الصحافة وحرية التعبير في المجال الرقمي تزايدت وتيرتها في السنوات القليلة الماضية، وشكل البعض منها تحدياً خطيراً وصل إلى حد تهديد حياة الآخرين.

وأطلق المعهد الدولي للصحافة مشروعَ “على الخط”، لتوثيق المضايقات والانتهاكات الإلكترونية التي يتعرض لها الإعلاميون بصفة عامة والصحافيون منهم بصفة خاصة، بحسب تقرير ترجمته سارة الراوي لبيت الإعلام العراقي.

وتشمل التهديدات التي يسعى مشروع “على الخط” إلى كشفها وفضحها، التهديد بالعنف، والسلوك المسيء كالتحرش الجنسي، والمراقبة والتعقب الإلكتروني، وحملات التشهير ونشر مواد تشهيرية أو كاذبة، وقرصنة الحسابات ومنع الوصول إلى المعلومات، بالإضافة إلى التهديدات القانونية “غير المناسبة”.

وكون المهاجمين المسؤولين عن هذا السلوك السيء مجهولين يضيف مدعاة أخرى إلى القلق، فخلافاً للتهديدات القادمة من أشخاص معروفين، تأتي هذه التهديدات من حسابات وهمية، الأمر الذي يترك المستهدف يخمن ما إذا كان التهديد يعتد به أم لا، بالإضافة إلى كيفية التعامل مع عدم وجود معلومات بشأن هوية المهاجم وشكله، فضلاً عن عدم القدرة على التنبؤ بوقت حدوث الهجوم.

طوّر معهد الصحافة الدولي برنامجَ “على الخط” منذ عام 2014 بهدف رصد الخروق الإلكترونية ضد الصحافيين ومساعدة أولئك الذين يتعرضون للهجوم الرقمي، ويطبق المشروع حالياً تجريبياً في كل من تركيا والأردن، حيث أعطى فرصة لمقابلة قرابة 70 صحافياً، غالبيتهم من النساء، ما أتاح فرصة لقاء صحافيين من ذوي التجارب المختلفة في الأيديولوجيات والمناطق.

أجمع الصحافيون على رفض اعتبارهم ضحايا أو أبطالا، وبغض النظر عن مدى الخوف الذي يشعرون به بسبب التهديدات بالقتل الموجهة إليهم من خلال وسائل التواصل، في أيام معينة، فإنهم يستيقظون في صباح اليوم التالي عازمين على مواصلة عملهم. وغالباً ما يأتي هذا بعد اضطرارهم إلى القبول بإجراءات أمنية مشددة تجعل أي شخص يفكر مرتين قبل الاستمرار في عمله.

معالجة التحرش عن طريق الإنترنت مهمة صعبة، وأي حل يجب أن يكون متلائما مع الحق في حرية التعبير

ويعلم الصحافيون أن معالجة التحرش والتعرض للأشخاص عن طريق الإنترنت بخاصة مهمة صعبة، وأن أي حل يجب أن يكون متلائماً مع الحق في حرية التعبير، كما يجب أن يكون الصحافي قد فكر مليا في مخاطر سوء استخدام الحكومة لها بغرض زيادة سيطرتها على الإنترنت.

وقال أحد الصحافيين، إنه “لا يرغب في أن يُنظر إليه على أنه ضحية بالرغم من الاستراتيجيات التي استخدموها لمواجهة التحرش على الإنترنت، والتهديدات التي تعرضوا لها لن تمنعهم من الخوض في مواضيع حساسة”.

كما أنهم اتفقوا على أنه ليس من الضروري أن يكونوا أبطالاً مهما كانت درجة الاحترام التي بلغوها ومهما كانت قيمة العمل الذي أنجزوه، إذ قال صحافي آخر إن “ممارسة الصحافة ليست بطولة، فأنا أقوم بعملي وحسب”، لكن في ظل هذه الظروف هم الآن “أهداف” (مستهدفون) سواء أرغبوا في أن يُنظر إليهم بهذه الطريقة أم لم يرغبوا.

وتؤكد الدراسات بشأن آثار الهجمات الرقمية، أن التهديدات العنيفة غالباً ما تكون ذات وقع نفسي حاد على الصحافيين، وينطبق ذلك بالتحديد على تهديد الصحافيات بالاغتصاب أو العنف الجنسي.

ويعمل المعهد على تعزيز وحماية حرية الصحافة في أي مكان يتعرض فيه الصحافي للتهديد، عن طريق الاحتجاجات المكتوبة، ورسائل مفتوحة تنشر عبر وسائل الإعلام التقليدية والجديدة، لرفع الوعي الدولي بتعرض الصحافيين للخطر، وإظهار أنه “لن يتم التسامح” مع مثل تلك الأعمال.

خلال مظاهرات جيزي بارك، في اسطنبول عام 2013، قال العديد من الصحافيين الذين غطوها بأنهم استهدفوا بتهديدات بالقتل على موقع تويتر، والبعض من الصحافيين كانوا يتلفتون يمينا ويسارا عندما يغطون حادثة التظاهرات، بعد إعادتهم إلى جيزي بارك، حتى أن أحد الصحافيين قال إن رئيس التحرير اضطر إلى منعه من مواصلة تغطية الخبر بعد الكم الكبير من التهديدات بالعنف الجسدي ضده.

وقال الصحافيون الذين تم التحاور معهم مطولاً، إنهم اضطروا إلى تطوير آليات خاصة للدفاع عن أنفسهم، فهنالك من يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بحذر في مجالات العمل، وامتنعوا عن نشر أفكارهم الخاصة، في حين ذهب البعض الآخر إلى أبعد من ذلك، إذ امتنعوا عن نشر المواضيع الحساسة التي تختلف باختلاف بلدانهم، كتلك المتعلقة بالدين أو السياسة وجهود مكافحة الإرهاب، وهنالك من توقف عن النشر تماماً، كما اختار البعض عدم الاكتراث، وذلك بعد أن تعرضوا لموجة كبيرة من الكراهية فاختاروا عدم اتخاذ أي إجراء حيال ذلك.

وتعتبر ثقافة الصمت هذه مضرة جداً خصوصاً للصحافيات، ففضلاً عن استهدافهن بسبب تحقيقاتهن، تبيّنّ أنهن غالبا ما يُهددن لا لشيء إلا لأنهن نساء، وهذا يتضمن تهديدهن بالعنف الجنسي.

وقد عمدت الصحافيات إلى فضح أسماء من قاموا بالتحرش بهن، ما دفع مستخدمي وسائل التواصل إلى دعمهن، لكن إحدى القضايا، تتمثل في أن الصحافيين المستهدفين لا يعرفون إلى أين يمكن أن يتوجهوا بعد استهدافهم.

18