ممثلون فرنسيون يحتجون على السلطة بهدم الخشبات المسرحية

لا للمسرح والتخدير نعم للفوضى، وإفساد العروض المسرحية هل هو احتجاج أم تخريب.
الثلاثاء 2018/06/26
اقتحام الخشبة والحديث للجمهور

باريس - مازالت الاحتجاجات الطلابية والعمالية التي انطلقت في بداية العام في فرنسا مستمرة حتى الآن، فبعض الجامعات ما زالت مغلقة، في حين أن بعضها تمت إعادة فتحه بالقوة، إذ قامت قوى مكافحة الشغب باقتحام المدرجات الجامعية، وإجبار الطلبة والمعتصمين على المغادرة، متسببة بأضرار جسدية ونفسية لمن كانوا هناك.

هذه الاحتجاجات وأساليب المواجهة، سببها سياسة الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون، والذي يقول البعض إنه يريد تحويل الدولة الفرنسية شركة عالمية، ما حرك روح ثورة الـ1968 لدى الباريسيين، إذ يصادف هذا العام ذكراها الخمسين، حين تحولت وقتها المسارح والجامعات إلى فضاءات لمواجهة السياسات السلطوية.

إيقاف العرض

لم يعد من السهل أن يتوقع المرء، ما الذي سيحدث في عرض مسرحي يقرر حضوره في العاصمة الفرنسية باريس، هذه الحيرة لا تقتصر فقط على الجمهور، بل على المؤدين والعاملين في العرض، والسبب هو شكل احتجاجٍ سلمي يحول الخشبة إلى فضاء للحوار والنقاش.

إذ نشطت مؤخراً مجموعة من الممثلين الشبان والشابات باسم ” INTERMITTENT.E.S DU DÉSORDRE”، في إشارة إلى أنهم يعملون على خلق الفوضى بصورة غير منتظمة ضمن الفضاء المسرحي، هذا الاسم، مرتبط بأحد تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي وصف الطلاب الذين احتلوا الجامعات بمحترفي العمل الفوضوي.

ما تقوم به المجموعة هو إيقاف/ مقاطعة سير العروض المسرحية الرسمية، عبر تفعيل فضاء الجمهور واقتحام الخشبة
 

ما تقوم به المجموعة هو إيقاف/ مقاطعة سير العروض المسرحية الرسمية، عبر تفعيل فضاء الجمهور واقتحام الخشبة وإيقاف الممثلين عن الأداء، ثم التوجه بالحديث للمشاهدين مباشرة، هذه “القرصنة” حسب تعبير “المخربين”، تصادر سلطة المخرج، وتخلخل فضاء المشاهدة المضبوط، ليكون نشاطهم هذا، انتقادا للسياسة التي تحكم فضاء المسرح، باعتباره مؤسسة رسمية تشكل الآراء، وتولد حكايات و”حقائق” ترسخ مفاهيم الطاعة والانصياع.

تسعى المجموعة إلى دفع “المواطنين” للتحرك ضد سياسات المعادية للهجرة والقوانين الاقتصادية والتعليمية، وتصف سلوكها هذا بأنه أسلوب لتحقيق حرية التعبير، وإيقاظ الناس من سباتهم، عبر استفزازهم في فضاء المسرح، الذين دفعوا النقود لدخوله، وجلسوا بصمت لمشاهدة ما يسلّيهم، وهنا تأتي أهمية هذا “الفعل”، بوصفه يُمثّل صوت الجمهور الحي، لا أولئك المتشابهين في الظلام، الجالسين بصمت يشاهدون عروضاً تخدرهم.

احتجاج أم تخريب

أول أداء احتجاجي قامت به مجموعة المخربين كان الشهر الماضي، كرد فعل على القمع الذي مارسته السلطات، فما حصل، أن مسرح الأوديون العريق، أحد المعالم الشهيرة في ثورة الـ68، كان يحتفي بذكرى الثورة الخمسين، لذلك، وفي محاولة لانتقاد سياسة المسرح التي تسعى إلى تحويل الثورة إلى صيغة متحفية.

المحتجون يقولون إنهم يمثلون صوت الجمهور الحي، لا أولئك المتشابهين في الظلام الصامتين يشاهدون عروضا تخدرهم

 قام بعض الناشطين بالتجمّع أمام المسرح ومقاطعة الاحتفال، بوصف الاحتجاج الآن استمراراً للثورة الماضية، لكن ما حدث أن مدير الأدوين، المخرج والكاتب المسرحي ستيفان براونسشفيغ، قام بالاتصال بقوى مكافحة الشغب، التي فرّقت المحتجين باستخدام العنف الجسدي والغاز المسيل للدموع.

إثر ذلك، قررت المجموعة استهداف ستيفان شخصياً، حيث قاموا بتخريب العرض المسرحي “حزن”، الذي تستضيفه خشبة الأوديون، إذ وقفوا بين الجمهور يصرخون بهم، ثم رموا بالمنشورات عليهم من الكراسي العليا، مرددين أن روح الأدويون ماتت كما ماتت روح الثورة، بعدها اعتلى واحد منهم الخشبة، ووجهه مملوء بالدماء الاصطناعية، وبدأ خطاباً بقوله “سيداتي سادتي، قليلاً من الهدوء، هذا المساء، الممثلون سيكونون رغماً عنهم شركاء في مسرحية ثانية، لقد أتيناكم مسالمين..”.

 لتعلو بعدها أصوات أفراد المجموعة من مناطق مختلفة من مساحة الجمهور، يخبرون الحاضرين عن تصرف مدير المسرح، واستعانته بالسلطات لقمع “الاحتجاج”، ما أدى إلى إيقاف العرض، وإشعال الإضاءة، واستياء الجمهور الذي نعت أفراد المجموعة بالنازيين.

لم تكتف المجموعة بذلك، إذ قاموا أيضاً بتخريب مسرحية “بريتانيكوس” التي تعرض على خشبة الكوميديا الفرنسية، ويخرجها براونسشفيغ نفسه، إذ ألصقوا فوق إعلانات العرض، منشورات مكتوب على كل منها “كوكو ستيفان/ مرحباً ستيفان”، ما أثار خوف المخرج، فأوقف العرض من بدايته، وأعاد النقود للجمهور، لكن ما حصل أن أفراد المجموعة لم يكونوا بين الجمهور حسب تصريحاتهم لاحقا.

لم تتوقف المجموعة عند الأوديون، إذ توجهت مؤخراً نحو مسرح الكولين الذي يديره وجدي معوض، وذلك في تحد للمخرج فينسيت ميكاني، الذي وجه لهم دعوة إلى حضور عرضه التفاعلي “أنا بلد”، كي يكونوا جزءا من الجمهور الذي سيشارك في النقاش.

إلا أن المجموعة لم ترد أن تنصاع لشروطه، واختاروا يوماً غير الذي اقترحه ليكونوا في العرض.

وكما في الأوديون، ظهروا من بين الجمهور، ثم قام واحد منهم بأخذ الميكروفون من المخرج، الذي فقد السيطرة على العرض، ودعا إلى إشعال الأنوار، وأتاح للمجموعة الكلام والتعبير عن أنفسهم، ما جعل “المخربين” يتهمونه بالنفاق، كونه أوقف العرض التفاعلي نتيجة تدخلهم “الفوضوي”، فهو ليس مستعداً لهذا النوع من “التفاعل”، وما يقوم به ليس إلا خدعة، تجعله أقرب إلى ملقن، يضبط الجمهور، باستخدام رهبة الخشبة وسلطته كمخرج.

14