ممثلون من لحم ودم يشكلون العالم بالدمى

الاثنين 2014/01/20
مسرح الدمى المتحركة.. فن الجزء لصالح الكل

باريس –مسرح الدمى المتحركة، كما هو معروف، هو أشبه بمسرح صور منحوتة أو جامدة، تمنحها الحركة وتحويل النظرة حياة، والتمثيل فيه يتولاه ممثلون من لحم ودم، ولكن باستعمال مشخصات أو دمى أو أشياء عادية يحركونها في زمن واقعي ملموس.

الدمية، تلك القطعة المتحركة التي يحسبها البعض خاصة بالأطفال وحدهم، تسكن مخيال البشر، وتسهم في الأساطير المؤسِّسة للبشرية، وتعكس ثقافات الشعوب. فهي شاهدة في الوقت نفسه على قوة الأسطورة والوضع الحضاري لأمة ما، وعلى وجود الإنسان على الأرض في وجه من الوجوه. وقد حمّلها الإنسان على مرّ التاريخ معنى مخصوصا واتخذها وسيلة للتعبير عما يشغله من قضايا عقائدية أو سياسية أو وجودية، سواء باستعمال البعدين كما في دمى الظلال الأندونيسية، أو الأبعاد الثلاثة كما هو الشأن في الدمى التي يقع تحريكها بالأسلاك والقضبان والألواح، أو تقنيعها بالأقمشة والورق المضغوط، أو صنعها من الخشب والجلد والمعادن. فهي، وإن كانت قطعة جامدة، تنبض بالحياة إذا ما حركها الإنسان ووجّهها وجهة مخصوصة. ولذلك حظيت بمكانة هامة في المجتمعات البدائية، وكان يُنظر إلى من يـَهبها الحياة كما يُنظر إلى ساحر ذي قدرات خارقة، قبل أن تصبح اليوم محملا لحكايات وأساطير، وترجمانا لمطالب اجتماعية وسياسية.


ملامح عقائدية


كذلك شأنها منذ بدء الخليقة، منذ رامايانا ومَرابَّراتا الهنديتين، أو وايَنْغكيليتيك الأندونيسية أو البونراكو اليابانية أو الأراغوز التركية أو الأقنعة الأفريقية إلى الغنيول الفرنسي والبونش الإنكليزي وسائر الأشكال الحديثة، التي استعان بها الإنسان لتأصيل فكرة أو تبليغ رسالة أو إنعاش الذاكرة بما ترك الأسلاف.

والدمية على اختلاف تسمياتها في لغات العالم (puppet لدى الأنكليز، puppe لدى الألمان، pupi لدى الطليان، marionnette لدى الفرنسيين) تكشف عن الملمح العقائدي بوجهيه الصوفي والسحري كظاهرة مشتركة بين مختلف الحضارات، فالمرجعية الدينية التي تستند إليها كانت ولا تزال حاضرة لدى شعوب كثيرة من العالم، خصوصا في جنوب شرق آسيا، حيث يسود الاعتقاد في ماينمار مثلا حول قدرة “اليوكتـيتاي” على علاج المرضى، مثلما يسود في أندونيسيا حول الاستئناس بـ”سي غاليغالي” في مواكب الدفن. وفي اليابان تستعمل “الإيراشي” و”الكوغوتسوماواشي” وكذلك “البونراكو” في نشر تعاليم بوذا.

أما في أفريقيا فيستعان بها كوسيط مبجل بين الأجداد أو الآلهة وبين الإنسان الذي تضعه المقادير موضعا غير محمود. ولم تسلم أوروبا من هذه الظاهرة، فقد كانت المشخصات والمنحوتات تستعمل داخل الكنائس إبان العصر الوسيط لسرد التاريخ المسيحي وتجسيد حياة القديسين. وفي أميركا الجنوبية.

كشفت الحفريات الحديثة عن لوحة منقوشة يعود عهدها إلى القرن الخامس الميلادي تمثل رجلا يحرك دمية في شكل ما يسمى اليوم “غينيول”، أي مهرجا أو بهلولا، تؤكد وجود عروض كانت شعوب الأنكا تتقرب عبرها من الآلهة. ولا تزال الدمى حتى اليوم، في بقاع كثيرة من العالم، مرتبطة بالحياة الاجتماعية، إما كمنفّس عن الهموم والنوائب التي تعتري الفرد، على غرار الرواة في الساحات العامة، أو كوسيلة تربوية لبلوغ غاية ما، مثل الوقاية من مرض الإيدز في بعض البلدان الأفريقية.

أما من حيث الجانب الفني الصرف، فقد استفادت الدمى المتحركة من الثورة التي شهدتها الفنون التشكيلية في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، خاصة مع بول كلي وكالدر وفرنان ليجيه في سعيهم لاستنباط أشكال تجريدية، حيث صارت بدورها لغة تشكيلية. ثم تطورت ما بين 1919 و1933 عند ظهور مسرح الفن والفعل، وهو مسرح تجريبي له صلة بمجموعة بوهاوس الألمانية، اتخذ من الدمية وسيلة تعبيرية قائمة بذاتها. وزاد على ذلك الروسي سرغاي أوبراستوف الذي فتح ببحوثه عن أشكال تعبيرية جديدة مجالات غير مسبوقة أكدت خصوصية هذا الفن.


امتلاك العالم


بتنوع التجارب وتطورها، انخرط هذا الفن ضمن تقنيات الاتصال الحديثة، والتبادل الديناميكي الذي يلغي كل أشكال السلبية بين الدمية ومحركها والمتفرج. وبذلك صار دالا ومدلولا في الوقت نفسه، يحمل في طياته تعبيره السيميولوجي. وبذلك أيضا أمكن الحديث عن لغة هذا الفن، وصبغته الدرامية، وموقعه من المسرح بعامة.

واليوم بات فن الدمى المتحركة بعيدا أحيانا عن التقاليد، سواء بإدماجه جماليات جديدة، أو بجعل تلك الجماليات عنصرا من عناصر الكتابة الدرامية. وأصبحت وسائل الإعلام تنوّه بهذا الفن القديم الجديد، الذي سجل تزايد إقبال الجمهور عليه، كبارا وصغارا، نظرا لتعدده، وتنوع أنماطه، وقدرته على الإبهار والإدهاش، فالدمية المتحركة تستهوي المتفرج، لأنها قادرة على تحريك أشياء عميقة بداخله، فهي، كما يقول الفرنسي كريستيان أرمنغو، أحد المتخصصين في هذا الفن، كتابة وتمثيلا وتدوينا: “فن الجزء لصالح الكل، فن اليد في مكان الرأس أو الجسد كله. والمتعة التي تثيرها فينا لها صلة بالحب، فالذي يمتلك جزءا من جسد الآخر، يحسّ أنه امتلك الآخر بأكمله، وبالتالي امتلك العالم. وهو إحساس يتجدّد على الدوام”. إن مسرح الدمى المتحركة، بما هو استعارة لعلاقة المرء بالسلطة، أيّة سلطة، يُمسرح العلاقة بين الفنان والدمية، علاقة المهيمن بالملعوب به، علاقة القوي برعيته، كأجساد يسيطر بعضها على بعض، في شكل حضور أو انشطار أو تشظّ، بما يجعل المتفرج أمام مستويات تلق متعددة. ذلك أن مسرح الدمى المتحركة، بما يتخذه من أنماط تعبيرية متنوعة، يسمح بتعدد القراءات، ويفتح الصدر لجمهور عريض، من مختلف الشرائح العمرية.

16