ممثلون يلعبون مع الأطفال في المسرح

مسرح الطفل يواجه صعوبات في البحث عن طرائق جديدة في الوصول إلى جمهور الأطفال بطريقة سلسلة ومشوقة.
الاثنين 2019/06/17
اللعب هو الطريقة الأفضل للوصول إلى الأطفال في المسرح

يمتلك مسرح الطفل مجالات واسعة للتجريب، لكنها في نفس الوقت مناطق خطيرة، نظرا إلى حساسية الفئة التي يقدم إليها. ومن هنا خيّر البعض من المسرحيين تجنب المغامرة، والإبقاء على ما هو معتاد في أعمالهم المسرحية الموجهة إلى الأطفال. وهو ما أدى إلى نفور الأطفال من الأساليب المكررة والحكايات الوعظية التي يقدمها المسرح الموجه إليهم. ومن هنا جاءت الحاجة ملحة لتجديد أساليب وخطاب مسرح الطفل.

  دمشق – كثيرا ما بحث المختصون في فن المسرح عن إيجاد الطرق الأفضل في سبيل الوصول إلى الجمهور، وما زالت هذه التجارب قائمة في كل العالم، تصيب نجاحا أحيانا وتفشل أحيانا أخرى.

وفي التوجه نحو الطفل في مسرحه تبدو هذه المهمة شاقة ومشوّقة أكثر. فالمسرحيون الذين يدأبون على التوجه نحو عالم الطفل لتقديم رؤاهم الفنية، يواجهون كثيرا من الصعوبة في البحث عن طرائق جديدة في الوصول إلى جمهور الأطفال بطريقة سلسلة ومشوقة، بحيث يبتعدون عن الأساليب التقليدية التي ملها الطفل، بعد معرفته بها لسنوات طوال، ويحاول المبدعون دائما تقديم أفكارهم ضمن قوالب فنية جاذبة.

  ظهر المسرح التفاعلي، الذي يجعل من الجمهور (الأطفال) جزءا من العرض المسرحي، بحيث يكونون جزءا هاما في سير الأحداث وتتاليها وصولا إلى النهاية. وفي هذا السياق، وهو البحث في طرق جديدة للوصول إلى الطفل في المسرح، وفي تجربة مسرحية جديدة، قدمتها مديرية المسارح والموسيقى في وزارة الثقافة السورية، عُرضت مسرحية “حيلة العنكبوت” التي اقتبسها جوان جان، عن نص أجنبي، وقام بإخراجها غسان الدبس، حيث اعتمدت على طريقة اللعب مع الأطفال.

 وقدمت بدءا من أول أيام عيد الفطر، ضمن تظاهرة مسرحية حملت عنوان “فرح الطفولة”. والتي اشتملت على عرضين آخرين، هما “الحطاب الطيب” تأليف وإخراج رشاد كوكش و”القط أبوالجزمة” إخراج محمود سويد. وهي الفعالية التي صارت حدثا سنويا يترقبه الناس، لكي يذهبوا بأطفالهم إلى المسرح في تفاعل إيجابي معه، وهو ما بدأ ينتج ثماره، بعد أن تكرر تنظيم هذه التظاهرة على امتداد سنوات، فصارت حدثا فنيا راسخا، ومطلبا جماهيريا يحضر بقوة في المشهد الاجتماعي في دمشق خلال طقوس العيد.

الفكرة التي تطمح المسرحية لتقديمها للأطفال، أن في التعاون قوة وأنه هو الطريق الأمثل إلى النجاح

تحكي مسرحية “حيلة العنكبوت” قصة خروف ضاع عن أمه، فوجد نفسه في حظيرة للحيوانات، التي يمتلكها أحد المزارعين، وبعد معرفته بالأمر وأن لديه خروفا في الحظيرة، ورغبة في التخلص منه، يقرر بيع الخروف، الأمر الذي يدفع بكل الحيوانات في تلك الحظيرة إلى تقديم العون لكي لا يبيع الفلاح هذا الخروف، وكان ذلك بالتعاون مع زوجة وابنة الفلاح. فقام الجميع بتنفيذ حيلة العنكبوت “توتة” التي قدمت فكرة نفذها الجميع واستطاعوا من خلالها أن ينقذوا الخروف من مصيره الذي كان يواجهه، فيعود إلى أمه في نهاية سعيدة للمسرحية، وهو الهدف الأبعد الذي أراد صناع المسرحية أن يصلوا إليه مع الأطفال.

الفكرة التي تطمح المسرحية لتقديمها للأطفال، أن في التعاون قوة وأنه هو الطريق الأمثل إلى النجاح، فقد نجحت تلك الحيوانات في الوصول إلى هدفها لأنها تعاونت وقدمت جهودا مشتركة حالت دون أن يبيع الفلاح الخروف. هذه الفكرة وضمن هذا السياق الحكائي، وعلى امتداد ما يقارب الخمسين دقيقة، قدمها فريق العمل بأجواء مرحة، فحضرت الألوان والموسيقى والرقص، وكذلك اللعب، حيث قدم الممثلون أدوراهم في المسرحية وهم يلعبون، كما يقول مخرج العرض غسان الدبس.

ويضيف الدبس “اللعب هو الطريقة الأفضل للوصول إلى الأطفال في المسرح، حاولت بجهود حثيثة أن أخرج من كل ممثل الطفل الموجود بداخله، وجعلته يتحاور مع الأطفال في العرض المسرحي، فالممثل الذي لا يجيد موضوع اللعب مع الأطفال لن يستطيع تأدية دور مهم له في مسرح الطفل، باللعب نكون في أقرب منطقة من التعامل مع الطفل، لذلك علينا بالتوجه نحوه من خلال ما يحبه وهو اللعب”.

ويتابع مخرج العمل “الممثلون عرفوا النص تماما أولا، ثم عملوا على إخراج ما بداخلهم من طاقة اللعب مع الأطفال وقدموها عبر تفاصيل العرض. وكانت تجربة صعبة لاشك، لكنها جميلة ومشوقة، كما أن فيها حسنة كبيرة، وهي الخروج من فكرة أن الأطفال أقل عقلانية من الكبار، ففي موضوعة اللعب يتساوى الجميع، فهم يلعبون”.

كما تظهر في تفاصيل المسرحية، وضمن البنية السردية للحكاية المقدمة، موضوعة الأم، التي فقدها الخروف الضائع، ثم ما قام به مع أصدقائه من جهد في سبيل الوصول إليها مجددا، هذا التفصيل يحمل إسقاطا هاما على حالات مشابهة عديدة، وجدت في المجتمع السوري حديثا، بسبب الحرب التي تدور في سوريا، والتي سببت حالات فقدان كبيرة.

 وفي حالة تماه بين العرض المسرحي والمجتمع، أراد صناع العرض، أن يقدموا هذه الفكرة الهامة لكي يعي الأطفال ضرورة وجود الأم وأهميتها، في مجتمع سليم، وضرورة أن يتعاون الجميع من أجل أن يصل كل طفل وأم إلى بعضهما البعض في حال كانا ضائعين. فالحالة الطبيعية، تستلزم وجود كل أم مع صغيرها.

ونذكر أن مسرحية “حيلة العنكبوت” قدمت على مسرح القباني بدمشق. وهي من إنتاج المديرية العامة للمسارح والموسيقى. وهي من تمثيل كل من محمد سالم، تماضرغانم، رشا الزغبي، عماد النجار، علا سعيد، إسماعيل هابيل، إنعام الدبس، ناصر الشبلي وألمى ناصر.

وأنجز موسيقى العرض سامر الفقير الذي لحن كلمات أغاني عيسى الصمادي. أما تصميم الديكور فكان لمحمد وحيد قزق، أما تصميم الإضاءة بسام حميدي، فيما صممت الكريوغرافيا أنجيلا الدبس.

16