ممثل سوري يتعرّى في عرض مسرحي ويثير صدمة في تونس

المشهد المسرحي استغرق قرابة 10 دقائق اكتفى فيها الممثل بتعبيرات جسدية ممزوجة بتعبيرات كلامية، لكنه مثل سابقة في تاريخ المسرح بتونس.
الأربعاء 2018/12/12
عرض صادم

ضمن فعاليات أيام قرطاج المسرحية في دورتها العشرين التي تتواصل فعالياتها بتونس حتى الـ16 من ديسمبر الجاري، عرض المسرح البلدي بالعاصمة مساء الاثنين المسرحية السورية الألمانية “يا كبير” التي لم تمر مرور الكرام، نتيجة الجدل الذي أثاره وقوف أحد أبطال المسرحية عاريا تماما على الخشبة.

تونس - أثار عرض مسرحي تضمن مشهدا عاريا غير مسبوق في مهرجان أيام قرطاج المسرحية ضجة في وسائل الإعلام التونسية الثلاثاء.

وتضمن العمل المسرحي السوري الألماني المشترك “يا كبير” مشهدا لممثل عار تماما على خشبة المسرح لدى عرضه مساء الاثنين في المسرح البلدي بالعاصمة على هامش الدورة الـ20 للمهرجان ضمن محور “تعبيرات مسرحية في المهجر”.

ووصفت وسائل إعلام إلكترونية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي في تونس المشهد بـ”الفضيحة”، لكن على الجانب الآخر دافع آخرون عن حرية التعبير والفن.

واستغرق المشهد قرابة 10 دقائق اكتفى فيها الممثل بتعبيرات جسدية ممزوجة بتعبيرات كلامية، لكنه مثل سابقة في تاريخ المسرح بتونس مع أن التعري يعد ظاهرة مألوفة في السينما التونسية.

وقالت الناشطة المسرحية نبيلة عبيد إن “التعري مسألة فنية شائعة في الأعمال المسرحية الغربية وقد يتحول إلى عمل استفزازي يدفع إلى التفكير، لكنه قد يؤدي إلى فعل عكسي لا يتجاوز التشويش، خاصة إذا كان المشهد قد طال أكثر من اللازم”.

وتعالج المسرحية التي يخرجها رأفت الزاقوت، عن نص لأمل عمران ورأفت الزاقوت، وتجسيد كل من أمل عمران وحسين مرعي، سلطة المجتمع الأبوي في الوسط العائلي بسوريا والتي تحيل تدريجيا إلى الحكم الدكتاتوري على رأس السلطة السياسية.

والعمل الذي جاء في ساعة و15 دقيقة تنطلق أحداثه في مجتمع تقوده فكرة السيطرة والسلطة، بعمل الأب ضابطا كبيرا في المخابرات، وهو متورط بالدم المسفوك في البلد، يأتي خبر وفاته إلى ابنيه (شاب وفتاة) اللذين يعيشان في المهجر، فتقرر الابنة العودة إلى سوريا، ويمنعها الأخ.

وعندما يلتقيان يبدأ الماضي في الظهور على السطح: مواجهات تنتهي باغتصاب الأخ لأخته التي تقتله بعدها وتنتحر.

وقال مدير المسرح البلدي زهير الرايس، في تصريح إذاعي الثلاثاء، إن “المسرحية تتضمن رسائل عن قضايا الشرق الأوسط، ولم يكن القصد من التعري أي إيحاءات جنسية، على العكس تماما يصور المشهد رسائل بألم شديد”.

وأضاف الرايس “المسرحية كانت جيدة من الناحية الفنية، والمضمون كان رائعا لارتباطه بالعرب بشكل خاص”.

زهير الرايس: لم يكن القصد من التعري أي إيحاءات جنسية، بل بعث رسائل مؤلمة
زهير الرايس: لم يكن القصد من التعري أي إيحاءات جنسية، بل بعث رسائل مؤلمة

وقوبل المشهد بتصفيق من الحاضرين، الذين قدر عددهم بنحو 450 متفرجا، غير أن شهودا أكدوا أيضا أن عددا قليلا من المتفرجين غادروا العرض بمجرد ظهور المشهد العاري.

وقال الرايس “نحترم المغادرين للمسرح، لكن الذين بقوا كانوا أكثر عددا ومن حقهم متابعة العرض، من الناحية الفنية فإن جسد الممثل هو أداة تمثيل”.

وأوضح الرايس “الممثلون سوريون ويعيشون في ألمانيا والعمل المسرحي من منتجين ألمان، نحن نتحدث عن عقلية أوروبية مخالفة للعقلية العربية”.

وتتمتع الفنون في تونس، التي تعيش انتقالا ديمقراطيا، بهامش أكبر من الحرية والجرأة مقارنة بباقي الدول العربية، إلاّ أن المسارح لم تتعود من قبل على مشاهد العري سواء من أعمال تونسية أو أعمال وافدة على عكس الأعمال السينمائية.

ولم يستبعد زهير الرايس، الذي خضع لاستجواب من الشرطة التي حضرت إلى المسرح بعد انتهاء العرض، أن تكون لجنة اختيار الأعمال المسرحية على إطلاع مسبق بمضمون العرض بما في ذلك مشهد العري قبل إدراجه في العروض الرسمية.

ويتداول منظمو المهرجان أن العرض لم يقدم من قبل بهذا الشكل الذي يخلع فيه الممثل ملابسه، ولكنه كان يبقي على الملابس الداخلية ويتعرى من كل ملابسه كنوع من الصراخ والاعتراض وإظهار مأساة ما يتعرض له السوريون في رحلاتهم للجوء بعد الأزمة السورية.

وعـرض “يا كبير” في أصله جدلـي واسـتفزازي، حيث تنغلق دائرة الحوار ليفتح الباب على مصراعيه أمام الأسئلة: من القاتل؟ ومن القتيل؟ من الضحية؟ ومن الجلاد؟

ففي مجتمع أبوي تتحوّل العلاقات بين الناس إلى علاقات مركّبة ومعقّدة، تبدأ تعقيداتها من العائلة، لتطرح أسئلة أخرى أكثر تعقيدا: كيف تتشكل الهرمية التي تدير هذه العلاقات؟ من الذي خلق الدكتاتور؟ هل الدكتاتوريات هي التي خلقت المجتمعات الأبوية؟ أو هل أن الدكتاتور هو ابن المجتمع؟

لتجيب المسرحية عن كل هذه الأسئلة، كما جاء في ملخص العمل “يولد الأفراد في مجتمع كهذا مبرمجين على وجود من هو ‘الكبير’ الذي هو بالضرورة صاحب السلطة والقدرة: الأب، الأخ الأكبر، وهكذا حتى نصل إلى الدكتاتور الأكبر”.

ومن هناك نفهم أن مسرحية “يا كبير” تندرج بسياقها السردي وحكاياتها المتشعبة وأسئلتها الحارقة ثم بالتعري الذي أتاه حسين مرعي على الخشبة ضمن ما يصطلح على تسميته بمسرح الصدمة الذي لا يستثني في أدواته التعبيرية سواء الكلمات أو الجسد، حتى تصل رسالته إلى الجمهور وإن بالتعرّي.

وغادر الممثل السوري حسين مرعي اللاجئ بألمانيا بصحبة فريق عمل المسرحية تونس صباح الثلاثاء بعدما أثار جدلا بما فعله على خشبة المسرح البلدي.

16