ممثل واحد يختزل أوجاع وطن في ساعة من الزمن

"منزل على الجبهة" مونودراما سورية عن أحلام قتلتها آلة الحرب.
الثلاثاء 2021/08/31
بقايا منزل وأمل

لا يظهر فن المونودراما كثيرا في المسرح، كونه يتطلب جهدا كبيرا في العمل عليه، وللتكثيف الكبير الذي يتطلبه على منصة الفكر أو التنفيذ، لكنه موجود، والمبدعون العرب يأتلفون مع صعابه التي لا تقف حائلا بينهم وبينه. وفي سوريا وجدت المونودراما منذ عقود، واستطاعت رغم كل المصاعب أن توجد لها مساحة على منصات العروض المسرحية، كان آخرها مونودراما “منزل على الجبهة” الذي كان أحدث إنتاجات المسرح السوري في هذا النمط، وهو عرض جاء دمشق زائرا من مديرية دير الزور.

دمشق - ضمن مهرجان حماة للمونودراما الذي أقيم في الفترة الممتدة بين السادس والعشرين من يونيو والأول من يوليو من العام الجاري، وفي مسابقة الدورة الأولى للمهرجان الذي قدّم العديد من العروض الوافدة من كل المحافظات السورية، عرض العمل المسرحي “منزل على الجبهة” القادم من مدينة دير الزور التي تعطلت فيها الحياة المسرحية منذ عشر سنوات بسبب الحرب. وفاز العرض بالجائزة الأولى في المهرجان، لتتمّ استضافته لاحقا على مسرح القباني بدمشق في أواخر أغسطس الحالي.

كتب العرض المسرحي وقام بتمثيله علاء العبيد وأخرجه شوكت الكبيسي، وكان محاولة جادة لتقديم مادة واقعية عن أحلام تقتلها آلة الحرب، وسجل في ساعة من الزمن تفاصيل مؤلمة عمّا يعيشه الناس زمن الحروب.

كاتب العرض علاء العبيد قدّم منذ فترة في مدينته دير الزور مسرحية للأطفال حملت عنوان “غابة الأصدقاء” تحكي عن شغف مجموعة من الأطفال بالتعاون والعمل الجماعي في ما بينهم.

زيناتي قدسية: التراث العربي عرف المونودراما عبر تجربة ابن المغازلي

ثيمة واحدة

في عرضه “منزل على الجبهة” يختار الكاتب والبطل لحظة ذكية تتقاطع فيها خيوط الحياة، فجغرافية المنزل الذي يسكن فيه تقع في منطقة تماس بين فريقين متحاربين، كل فريق أحدث في جدار بيته فتحة يعبر منها، فألغى باب بيته الأصلي وصار عنده فتحتان يستخدمهما في دخوله وخروجه من البيت دون المرور بالباب، وهو يعيش في قلق الخطر الذي يواجهه دائما من قبل قناصين مزروعين في كل الاتجاهين.

فكرة العرض تتحدّث عن فنان تشكيلي بقي في مدينته رغم كل الظروف البائسة التي تحيط به، حيث لا أمن ولا أهل ولا أصدقاء ولا خدمات ولا طاقة ولا حياة طبيعية، تتركه حبيبته وتفضل السفر هربا من واقع بائس، وهو يمتلك مع محيطه علاقات غريبة تحكمها توازنات المرحلة والجغرافية الاستثنائية التي وضعته في قلب الحدث.

ويعيش بسببها حياة الفوضى النفسية بعد انهيارات مجتمعية عاشها ويراها في كل يوم، فيقدم على ترك المدينة في النهاية كما فعل الآخرون لكي ينجو. لكنه يفشل في مسعاه ويتراجع عن الفكرة.

يبدأ العرض بحركة موفقة من ذروة قسوة الوضع الذي يكونه البطل، حيث يقف على سلم حديدي في المكان معلقا بين هواجس ومخاوف ثم لا يلبث أن ينزل ويلاعب نفسه بطاولة الزهر، وما هي إلاّ دقائق حتى تخور فيها قوة أحلامه، ونراه مكسورا مرة أخرى منقادا إلى أعلى سلمه الحديدي البائس حيث القلق والأرض المهتزة تحته عائدا إلى نقطة الصفر.

العرض حمل ثيمة واحدة هي حالة البقاء في الوطن رغم وجود الحرب، وهي فكرة سامية، لكن النص عرّف بها منذ البداية فكشف هدف النص ومسار حراك شخصيته الوحيدة، وهذا ما أفقده عنصر التشويق الذي هو أحد أهم مظاهر فن المسرح.

فعرف جمهور العرض مساراته منذ البداية ولم يوجد أي منعطف يتصاعد بالأحداث إلى الأعلى ويحمّلها المزيد من التصعيد والتشويق باستثناء رغبته في السفر، ثم العودة عن القرار.

العرض حمل ثيمة واحدة هي حالة البقاء في الوطن رغم وجود الحرب، وهي فكرة سامية

كما أن حيوية حركة الممثل والتواصل مع الجمهور قطعها أحيانا تلعثم لفظي أو امتثال لـ”أفيهات” كثيرا ما ترى في عروض المونودراما، فوقع العرض بسببها في مطب النمطية، كما كرّر العرض المؤثرات الصوتية التي غلبت عليها الحالة التقليدية.

وبالعودة إلى تاريخ فن المونودراما في سوريا، يؤكّد الباحثون أن أول ظهور لهذا الصنف المسرحي بالبلد يعود إلى سبعينات القرن الماضي عبر عرض مسرحي قدّمه أسعد فضة عن نص نيقولاي غوغول حمل عنوان “يوميات مجنون” قام بإعداده سعدالله ونوس وكان من إخراج فواز الساجر، والمسرحية ذاتها قدّمها لاحقا كمال البنى وآخرون.

وتابع هذا الشكل المسرحي الصعب مسيرته الشائكة بخطى متعثرة، فظهر أحيانا بشكل جدي فاعل، وأحيانا أخرى بشكل ارتجالي غير مدروس. وظل فن المونودراما في سوريا يتوهّج حينا ويخبو في أحيان أخرى، حتى كانت فترة الثمانينات التي ظهرت فيها العديد من التجارب في هذا الخصوص كان أهمها ثنائية ممدوح عدوان وزيناتي قدسية اللذين قدّما عام 1986 عرض “القيامة” ثم في العام التالي “الزبال”، ويعتبر جمع من النقاد أن البداية الحقيقية لفن المونودراما بكامل مقوماتها في سوريا بدأ مع هذه التجربة.

ثم قدّم مسرحيون آخرون عروضا منهم مها الصالح وفيلدا سمور وعبدالرحمن أبوالقاسم ونمر سلمون وعروة العربي وحسام الشاه وسامر المصري ونوار بلبل وآخرون.

تأصيل المونودراما

فكرة "منزل على الجبهة" تتحدّث عن فنان تشكيلي آثر البقاء في مدينته رغم كل الظروف البائسة التي تحيط به
فكرة "منزل على الجبهة" تتحدّث عن فنان تشكيلي آثر البقاء في مدينته رغم كل الظروف البائسة التي تحيط به

يعدّ مهرجان اللاذقية للمونودراما من أهم التنظيمات الفنية السورية التي اهتمت بالمونودراما المسرحية، والذي أقيم في العام 2005 بالتعاون بين وزارة الثقافة السورية، تحديدا مديرية المسارح والموسيقى في اللاذقية، ومؤسسة بيت العود العربي والذي كان أول مهرجان سوري مخصّص للمونودراما. ثم تتالى ظهور المونودراما بشكل متقطع في سوريا.

وفي التسعينات دارت عجلة المونودراما نسبيا بجهود العديد من المسرحيين الذين بدأ يخرجّهم المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وظهرت بعض التجمعات والشخصيات المسرحية التي قدّمت من خلال المونودراما العديد من التجارب الناجحة التي ثبّتت هذا الشكل الفني في ذائقة الجمهور السوري.

وكان لوجود المسرحي التونسي المقيم بدمشق حينها حكيم مرزوقي دور فعال في العمل على فن المونودراما، فعمل مع شريكته الفنية رولا فتال من خلال فرقة مسرح الرصيف. فكتب مسرحية “عيشة” وكانت من بطولة رائفة أحمد، ثم قدّم مع مها الصالح مسرحية “ذاكرة الرماد” ثم “إسماعيل هاملت” مع سامر المصري وغيرها.

كما قدّمت رولا فتال عرض “كونترباص” مع مازن عباس، وقدّم نوار بلبل ورامز أسود أيضا مشاركات في المونودراما، ووجدت العديد من التجمعات المسرحية التي قدّمت هذا الفن بشكل أو بآخر.

كما في حركة الشعر العربي الحديث وما اصطلح على تسميته شعر التفعيلة، تظهر حركة تأصيل فن المونودراما في المسرح العربي متأرجحة ومشوّشة بين كم من المعلومات التي يناقض بعضها بعضا.

فتاريخ المسرح العربي الذي بدأ مع مارون نقاش في أواسط القرن التاسع عشر ثم مع أبوخليل القباني بعده بقليل، لم يعرف شكل المونودراما، وكان مفهوم العمل المسرحي عندهما وعند غيرهما في تلك المرحلة قائما على كونه عملا جماعيا. البعض من المؤرخين لحركة المسرح العربي يعتبرون أن أول عرض مونودراما عربي كان في العراق مع المسرحي يوسف العاني في خمسينات القرن العشرين، أي بعد ما يقارب المئة عام على وجود  فن المسرح عربيا.

ثم ظهرت محاولات جديدة في سوريا عبر تجربة الثنائي عدوان وقدسية، وفي تجربة رفيق علي أحمد في لبنان، وسناء جميل وانتصار عبدالفتاح في مصر، وعبدالحق الزروالي في المغرب ومحمد البكري من فلسطين وغيرها.

وصار للمونودراما مهرجانات قائمة بذاتها كما في مهرجان القرين الثقافي بالكويت ومهرجان المونودراما في الفجيرة الإماراتية ونظيره باللاذقية السورية، وأخيرا حماة في سوريا أيضا.

والمتتبع سيلحظ اختلاف مؤشرات ولادة هذا الفن عربيا، فالبعض يذهب إلى تأصيله في تاريخنا، كما بيّن المسرحي السوري زيناتي قدسية في كتاب “القابض على الجمر” الذي كتبه عنه ابنه قصي قدسية.

Thumbnail

ويقول قدسية “التراث العربي عرف فن المونودراما من خلال تجربة ابن المغازلي الذي عاش في نهايات القرن الثالث هجري/العاشر ميلادي، والذي كان يقدّم عروضه في حدائق بغداد أمام جمهور غفير، وينتقد فيه الكثير من الشخصيات العامة التي كانت موجودة في المجتمع والدولة”.

ويعّرف المونودراما، قائلا “هو فن عريق وصعب، يتطلب من مبدعيه، خاصة الممثل الذي يواجه الجمهور، جهدا مضاعفا، فعليه أن يُجيد العديد من المهارات كالتمثيل والرقص والغناء والخطابة واللياقة البدنية التي تتكامل مع كل ذلك”. وكلمة مونودراما مشتقة من كلمة يونانية تعني فن الممثل الواحد، والبعض يطلق عليه مصطلحا مغايرا، وهو “وان مان شو”، أي عرض الرجل الواحد.

وبدأ هذا الفن بالظهور في عصر الإغريق على يديْ الفنان الشعبي ثيسبس الذي كان يقدّم فنا انتقاديا يطوف به بعض أرياف دولته في العام 534 قبل الميلاد، ثم تجدّد الاهتمام به في العصر الحديث فكتب كتاب عالميون كبار فيه منهم الروسي تشيخوف.

16