ممدوح حمادة: الدراما السورية الآن تعيش صراع بقاء

أول ضحايا الحرب ليس الإنسان الذي يقتل جسديا، بل الإنسان الذي تقتلع روحه وتنتهك أرضه وخصائصه الحضارية الضاربة في عمق الوطن، وقد تسببت الأزمة السورية في أضرار عميقة بالبنى الثقافية لبلد طالما كان منارة ثقافية عربيا أو عالميا، إذ لم تسلم لا الآثار ولا النحوت، ولا حتى الدراما التي كانت تمثل أهم المنتجات الثقافية التي لاقت رواجا كبيرا عربيا، ودخلت كل بيت وكل قلب عربي. “العرب” التقت الكاتب السوري ممدوح حمادة الذي اشتهر بكتاباته الدرامية، وكان لنا معه هذا الحوار حول فنه وبلده.
الأربعاء 2016/03/09
أريد أن أعبر بحرية

يعتبر الكاتب ممدوح حمادة من أهم كتاب الدراما السورية، حيث أثبتت تجربته التي فرضت نفسها بشدة على المشاهد السوري، عمقا في الرؤية وثراء في التفكير، وكشفت عن خبرة حقيقية في الكتابة والرؤية والممارسة، فلديه من الحضور ككاتب ما لا يمكن إنكاره أو تجاهله.

يكفي أن تذكر عملا دراميا كتبه حمادة مثل “ضيعة ضايعة” أو “الخربة” أو غيرهما من الأعمال، أمام الناس حتى تلتمس كيف وصلت تلك الأعمال وتلك الشخصيات الدرامية إلى صميم حياتهم اليومية، وكأنها أصبحت فعلا شخصيات حقيقية تعيش بينهم.

ليست الكتابة الدرامية هي التي أسرت عقل ومخيلة ضيفنا، بل قبل ذلك كانت كتابة القصة بصورة عامة وفن الرسم الكاريكاتيري الذي مارسه أيضا، قبل تفرغه النهائي للكتابة بالإضافة إلى كتابة الشعر، وإن برزت تلك الأخيرة بشكل خافت، أو أعلن عنها بلا ضجيج. من أعماله نذكر؛ “الرصاصة التي كادت تلطخ الشرفة بالدم” (1982)، و”صانع الفراء” (مسرحية للأطفال والمراهقين)، و“المحطة الأخيرة” (قصة)، و“جلنار” (قصة)، “أم الطنافس” (مجموعة قصصية)، وغير ذلك من الأعمال حتى حول الفن الكاريكاتيري.

صراع بقاء

في البداية يتحدث الكاتب حمادة لـ“العرب” عن اهتماماته “أنا لم أتوقف عن كتابة القصص، ولديّ عدة مجموعات وعدة قصص طويلة بانتظار العثور على ناشر، والذي يجعلني أمارس الكتابة التلفزيونية هو أنها توصل ما أريد قوله إلى أوسع شريحة من الجمهور الذي لن يصله الكتاب، وفي نفس الوقت هي عمـل وحرفـة تشكـل مصدر دخلي”.

أما عن بداياته في الكتابة الدرامية فكانت عندما كان يعمل في الصحافة، عندما قدمه الفنان الراحل خالد تاج إلى إحدى شركات الإنتاج، بعدما لمس لديه موهبة حقيقية في الكتابة من خلال قراءة مجموعة قصصية له، فبدأت المشاريع تتوالى واحدة تلو الأخرى، حيث قدّم عدة أعمال آنذاك تصدّى لإخراجها المخرج هشام شربتجي.

السخرية تبدأ من الإضحاك مرورا بالتحريض

أما عن تجربته في الرسم الكاريكاتيري، فيتحدث ضيفنا “من أجل أن يستمرّ الإنسان في رسم الكاريكاتير لا بدّ له من توفر منبر للنشر، الرسم الكاريكاتيري مرتبط بشكل مباشر بالحدث، ويفقد قيمته على الأغلب إذا لم ينشر في وقته المناسب، ولهذا لا بدّ من توفر المنبر الذي لم يتح لي لكي أفكر في الاستمرار وتطوير تجربتي المتواضعة، أضف إلى ذلك أن الكاريكاتير هو هواية أكثر منه حرفة عندي، بينما الكتابة حرفتي”.

يتحدث حمادة بكل تواضع قائلا “أنا كاتب سوري أحاول أن أقدم شيئا يليق بمن أتوقع أنهم سيقرأون أو يشاهدون ما أقوم بكتابته”.

يتبنى الكاتب فلسفة يسميها فلسفة الضحك، وتتلخص هذه الفلسفة في اعتماد الضحك كأسلوب تواصل مع الجمهور المتلقي، حسب قوله، أما عن السخرية التي تمثل أحد أهم أوجه أعماله الكتابية، فيشرح قائلا “أهداف السخرية كثيرة تبدأ من الإضحاك المجرد مرورا بالتحريض حتى تصل إلى مرحلة السلاح المدمر، كما حصل في حرب الإصلاحات التي قادها مارتن لوثر على سبيل المثال ضد الفاتيكان، حيث استخدمت السخرية من أجل تحطيم صورة الفاتيكان وحققت نتائج ملفتة في ذلك”.

ويتحدث ممدوح حمادة، الكاتب الذي يعيش في بلاروسيا منذ سنوات، عن الواقع الدرامي السوري اليوم، الذي تأثر مثله مثل غيره بالحرب الدائرة في بلده منذ سنوات، إذ يقرّ أن الدراما تأثرت بشكل سلبي جدا، حيث تشتتت شركات الإنتاج وكذلك جميع العاملين في هذه الصناعة، سواء الفنيين أو الكتاب أو المخرجين، لقد تعرضت الدراما لخسارة كبيرة بفقدانها المكان الذي كان يشكل عنصرا حيويا لها، كما يلفت ضيفنا، الذي لا يشك في أن الدراما السورية الآن تعيش صراع بقاء. وفي الوقت نفسه يعترف أنه بعيد إلى حدّ كبير عما يجري على الساحة الدرامية بسبب السفر وبعده الجغرافي، مما يحول دون متابعة ومعرفة التفاصيل على مستوى الأعمال كلها التي يتم إنتاجها.

الرقابة والمثقفون

“أنا لا أفكر في الرقابة عندما أكتب، وأحاول استفزازها في بعض الأحيان”، هكذا يعلن الكاتب حمادة، الذي يضيف “لست مطلعا على التقارير الرقابية الخاصة بأعمالي، ولكن في الموسم الماضي تم منع أربع لوحات لي في بقعة ضوء. وأعتقد أنها لم تصل حتى إلى الرقابة، وتم استثناؤها من قبل فريق العمل لقناعته بأنها لن تمرّ من الرقابة”.

الكاتب يتبنى فلسفة يسميها فلسفة الضحك

عمّا إذا كانت أعمال ممدوح حمادة تزخر بأبعاد سياسية ورسائل مبطنة، وحول السياسة يقول ضيفنا “أحاول في جميع أعمالي أن أوجه رسائل سياسية بهذا القدر أو ذاك حسبما يحتمله العمل، وذلك يعود بشكل أساسي إلى أن السياسة في مجتمعنا تشكل هاجسا رئيسيا، فالكثير من طموحاتنا وأحلامنا مرتبطة بها”.

ويستطرد “نحن شبه محرومين من معظم حقوقنا وحرياتنا التي يفترض أن تكون أمرا بديهيا ويحفظها لنا الدستور، وهذه الحقوق جميعها تدخل دائما على خط إبداعاتنا، ولذلك لا تستطيع أن تتجاهلها. أريد أن أعبر عن رأيي بحرية، أريد أن أمارس مهنة الصحافة التي درستها وعملت فيها بعض الوقت، أريد أن أعبر عن رأيي دون خوف، لكل هذا لا بد أن تكون للسياسة أهمية في حياتنا”.

يعتبرالكاتب حمادة أن معظم المثقفين العرب ينتمون إلى فئة مثقفي السلطان، فالكثيرون ممن يظهرون للجمهور على أنهم في صراع مع السلطة، نكتشف -حسب رأيه- لاحقا أن أحدهم هو الفتى المدلل للسلطة وأجيرها، أو كان مخبرا لديها. ومن بين هـؤلاء كتـاب وفنانـون كبـار يتعامل الجمهور معهـم على أنهـم أيقونـات الشرف والنـزاهـة، حتى أنـك تخشى ذكـر اسم واحد منهم بسبب حجم جماهيره المخدوعة.

ويصف ضيفنا المثقف العربي بأنه مستلب وعاجز عن اتخاذ القرارات، إلا قلة قليلة على الأغلب تجدها منبوذة، وفعلها في أدنى درجات قوته، وفق تعبيره.

أما عن وطنه السوري فيصفه حمادة بأنه غزال ينهشه كل من له ناب ومخلب، ويرى أن بلاده صارت ساحة لمختلف أنواع الذئاب، بحسب تعبيره، ويشير إلى أن هذه الحرب لن يتمّ الخروج منها إلا عبر الاتفاق على قيام دولة مدنية يضمن دستورها حقوق الجميع ويرفض كل أشكال التمييز، إذ يقرّ بقوة القانون الذي يضمن كافة الحريات المتعارف عليها.

15