ممدوح عبدالعليم فنان لم يتغلب عليه الزمن فبقي شابا في قلوب الناس

السبت 2016/01/23
بطل الجيل في "ليالي الحلمية" و"الحب وأشياء أخرى"

عمّان - رحل الفنان المصري ممدوح عبدالعليم عن عالمنا، مساء يوم الثلاثاء 5 يناير الجاري، عن عمر يناهز الـ60 عاما، بعد تاريخ كبير في السينما والتليفزيون والمسرح، كان حافلا بالأعمال التي عشقها الجمهور العربي، الفنان الكبير توفي إثر أزمة قلبية مفاجئة، تعرض لها أثناء أدائه التمارين الرياضية في صالة “الجيم”، وقد فوجئ المحيطون به بسقوطه على الأرض فجأة، وعدم قدرته على التنفس.

فطلبوا سيارة إسعاف لتنقله إلى مستشفى الأنجلو لكنه فارق الحياة قبل أن يبدأ تصوير الجزء السادس من مسلسل “ليالي الحلمية”، لتصبح شخصية “علي البدري” أرملته منتظرة مستقبلا غامضا من الكاتب أيمن بهجت قمر الذي تولى كتابة الجزء الجديد من السلسلة.

زهرة وعلي

شهدت جنازة ممدوح عبدالعليم، انهيارات وإغماءات بين بعض الفنانين، الذين لم يتمالكوا دموعهم، خاصة في لحظات خروج الجثمان من المسجد إلى مثواه الأخير، بينهم الفنانة أثار الحكيم التي دخلت في نوبة بكاء بالإضافة إلى زوجة الراحل الإعلامية شافكي المنيري التي انهارت تماما وهي تودّع زوجها.

وحرص عدد كبير من الفنانين على الحضور منهم أحمد السقا ولبلبة وفيفي عبده ودلال عبدالعزيز وسمير صبري ومحمد رياض وفاروق الفيشاوي ورشوان توفيق ومنير مكرم وحسن فهمي وسامح الصريطي وغيرهم، كذلك شارك في العزاء مجموعة من الإعلاميين المصريين من بينهم عمرو الليثي، والإعلامية بوسي شلبي.

وقد فتحت وفاة الفنان المصري دفاتره القديمة. فالفنان كان رفيقا لذاكرة جيل كامل في الأعمال الدرامية التي قدمها خلال مشواره الذي يزيد عن أربعين عاما، وقد لا يعرف الكثيرون أن بطل “قهوة الماوردي” و”خالتي صفية والدير” و”المصراوية”، له جانب إنساني مميز، إلى جانب حضوره الدرامي والسينمائي، فعبدالعليم كان ناشطا في مجال المواضيع الإنسانية والصحية والتثقيفية.

ولد ممدوح محمود عبدالعليم في صيف العام 1956 في سنتريس مركز أشمون التابع لمحافظة المنوفية، وحصل على بكالوريوس اقتصاد وعلوم سياسية من جامعة القاهرة.

بدأ مشواره الفني مبكرا في الإذاعة والتليفزيون أواخر الستينيات. من خلال برامج للأطفال مع المخرج إبراهيم عبدالجليل، حيث كوّن أربع فرق للأطفال في الموسيقى والرقص والغناء والتمثيل.

ولفتت موهبته المتميزة انتباه كبار المخرجين منهم المخرجة إنعام محمد على والمخرج نور الدمرداش الذي جعله يشارك لأول مرة مع الفنانة كريمة مختار في مسلسل “الجنة والعذراء” في عام 1970، ليشترك للمرة الثانية بدور طفل في مسلسل “القاهرة والناس” عام 1972 والذي كان من بطولة الفنانة صفية العمري والفنان الراحل نور الشريف وبوسي ومن إخراج محمد فاضل.

أعمال ممدوح عبدالعليم لم تتوقف على التليفزيون بل تجاوزته إلى المسرح والسينما فقدم العديد من الأدوار المتميزة كما في فيلم "قهوة الماوردي" الذي كان أول عمل سينمائي يشارك فيه. بالإضافة إلى دور البطولة في فيلم "الخادمة"، وفيلم "العذراء والشعر الأبيض" وفيلم "الحرافيش" و"وداعا يا ولدي"، و"وعد ومكتوب"، و"أولاد الشوارع"، و"البدرون"، و"تحت التهديد"

توقف عبدالعليم بعدها فترة عن التمثيل ليتابع دراسته. إلى أن عاد مرة أخرى عام 1980 ليشارك الفنانة كريمة مختار للمرة الثانية في مسلسل “الأصيلة”. ثم توالت الأعمال التي قام بها إلى أن جاءته الفرصة في عمل الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة “الحب وأشياء أخرى”، ثم ليشارك في السلسلة الرائعة من مسلسل “ليالي الحليمة” ابتداء من جزئها الثاني.

أدّى في ذلك المسلسل، الذي يعدّ من الأعمال التي علقت في ذاكرة العرب، دور “على سليم البدري” الذي يعتبر الانطلاقة الحقيقة لعبدالعليم في مجال الفن. وحتى نهاية الثمانينات كان قد قام بالعديد من الأعمال الرائعة، كما قدم أيضا الكثير من الأعمال الهامة في فترة التسعينات، والتي أضافت الكثير إلى رصيده وشعبيته عند الجمهور. وكان أهم ما قدمه في تلك الفترة هو مسلسل “الضوء الشارد” الذي ظهر فيه بدور “رفيع العزايزي”.

قهوة الماوردي

استمر إبداع عبدالعليم خلال فترة الألفين فقد شارك في العديد من الأعمال التليفزيونية الرائعة، فقد شارك في كل من مسلسل “حارة المعزّ” ومسلسل “الفريسة والصياد” وعدة مسلسلات أخرى.

على خشبة المسرح استطاع ممدوح عبدالعليم أن يقدم أعمالا متميزة عدة في بداية مشواره الفني، فقد قام بدور عادل في مسرحية “آخر كلام”، كما شارك في مسرحية “لا بلاش كده”، واشترك أيضا في “مسرحية بداية ونهاية”.

قدم عبدالعليم العديد من الأدوار المتميزة على شاشة السينما وقام بدور البطولة في الكثير منها. كما في فيلم “قهوة الماوردي” الذي كان أول عمله سينمائي يشارك فيه. كما قدم دور البطولة لأول مرة في فيلم “الخادمة”، وفيلم “العذراء والشعر الأبيض” وفيلم “الحرافيش” و”وداعا يا ولدي”، و”وعد ومكتوب”، و”أولاد الشوارع”، و”البدرون”، و”تحت التهديد”.

حصل عبدالعليم على العديد من الجوائز منها جائزة أفضل وجه جديد عن أدائه المميز في فيلم “قهوة الماوردي”، كما حصل على جائزة البطولة المطلقة عن دوره في فيلم “الخادمة” وحصل على جائزة أفضل ممثل عن نفس الدور في مهرجان الإسكندرية السينمائي، وتم تكريمه أيضا بذات المهرجان وحصل منه على جائزة أفضل ممثل دور ثان عن دوره في فيلم “العذراء والشعر الأبيض”، كما حصل على العديد من الجوائز خلال مشواره الفني الطويل.

الموت يغيب عبدالعليم عن الجزء السادس من "ليالي الحلمية"

رومانتيكا

لم يكن ممدوح عبدالعليم مجرد ممثل يتعامل مع مهنته باعتبارها “أكل عيش”. لكنه كان فنانا مثقفا صاحب رسالة. لذلك لم يتردد في خوض تجربة الإنتاج للسينما وتقديم فيلم مغاير تماما عن النوعية السائدة وقتها وهو “سمع هس”.

حماسه لذلك العمل جاء بعد إعجابه الشديد بالسيناريو الذي كتبه المؤلف ماهر عواد، ولإيمانه بموهبة المخرج شريف عرفه رغم أنه حتى ذلك الوقت لم يكن قدم للشاشة الفضية سوى فيلمين لم يحققا النجاح الجماهيري هما “الأقزام قادمون” و”الدرجة الثالثة”، لكن الفيلم نجح في الكشف عن طاقات فنية رائعة لشريف عرفه الذي أصبح فيما بعد من أهم مخرجي السينما المصرية.

تجربة الإنتاج الوحيدة لعبدالعليم ربما لم تمنحه الربح الكافي. لكنه ظل وفيا لنوعية الأفلام التي لا تغازل شباك التذاكر بقدر ما تطرح قضايا تهمّ الناس، لذلك لم يتردد كممثل في المشاركة في بطولة فيلم “رومانتيكا” وهي التجربة الوحيدة للمخرج زكي فطين عبدالوهاب، والذي كان عبدالعليم يعتبره مخرجا مهمّا لم يحصل على فرصته.

هدية أحمد زكي لعبدالعليم

نجوم السينما المصرية في فترة ثمانينات القرن الماضي، كانوا يتعاملون مع كتّاب ومخرجين بعينهم. إلا أنه كان من البديهيات أن يعرض الكاتب سيناريو فيلمه، على النجم الأعلى في شباك التذاكر، أي عادل إمام إذا كان العمل كوميديا، ومحمود عبدالعزيز وأحمد زكي، إذا كان العمل يتطلب قدرات تمثيلية خاصة، فإذا اعتذر أحدهم يُعرض على الباقين، والمدهش أن فيلم “بطل من ورق” قد عُرض على الراحل أحمد زكي، لكنه رفض بحجة أنه قدم قبله فيلمين كوميديين، هما “أربعة في مهمة رسمية”، و”البيه البواب”، وأن حنينه إلى الأعمال الجادة كان ملحّا في هذا الوقت، وبالفعل قدم فيلمين في عام 1988 من إخراج محمد خان وهما “زوجة رجل مهم”، و”أحلام هند وكاميليا”.

ترك أحمد زكي فيلم “بطل من ورق”، الذي كتبه إبراهيم الجرواني، حائرا لا يجد من يقوم فيه بدور البطل “رامي قشوع”، وهو الكاتب الذي لا يعتبر من المؤلفين المهمين في تاريخ السينما المصرية، فهو لم يقدم أيّ أعمال مهمة، بل إنه بعد “بطل من ورق” قدم أفلام مقاولات عديدة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر فيلم “خلّي بالك من عزوز” مع المخرج ناصر حسين وبطولة الراحل سعيد صالح.

ظل بطل الورق هكذا يبحث عن منقذ، حتى جاء ممدوح عبدالعليم ليقدم أهم أدواره فيه، وبالفعل عرض الفيلم في موسم عيد الأضحى، لكنه لم يحقق الإيرادات التي تناسبه كواحد من أهم الأعمال الكوميدية في تاريخ السينما المصرية. غير أنه نجح كثيرا في ما بعد عندما عرضته شاشات التلفزة.

ممدوح عبدالعليم علامة يصعب نسيانها

الطريف أن العام الذي قدم فيه عبدالعليم هذا العمل المهم، قدم إلى جواره 6 أعمال أخرى، تراوحت بين السهرة التليفزيونية والمسلسل والعمل السينمائي. “بطل من ورق” كان بمثابة علامة فارقة في حياة الراحل ممدوح عبدالعليم، استطاع فيه أن يخرج طاقة تمثيلية وكوميدية كبرى، قلما وجدت في ممثل يغلب عليه الطابع التراجيدي.

تمنى أن يهدأ العالم

كان خبر وفاة عبدالعليم فاجعا للكثير من الفنانين المصريين والعرب. حيث نعى عدد كبير منهم الراحل عبر الحسابات الشخصية في مواقع التواصل الاجتماعي. ومن بين هؤلاء الفنان المصري القدير نبيل الحلفاوي الذي وصف ممدوح بالرياضي الرشيق في حياته ومماته، حيث غرّد على تويتر “احتفظ بشبابه وحيويته ومرحه، وحياة صحية وشخصية فنية ناجحة، ورحل وهو يمارس الرياضة”، وتابع الحلفاوي “كان ممدوح من أكثر الفنانين رقة وصدقا وتهذيبا واحتراما والتزاما”.

الممثل السوري جمال سليمان كان من بين الفنانين العرب الذين نعوا عبدالعليم، وكتب على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك “وداعا ممدوح عبدالعليم، أيها الفنان الجميل المرهف، خبر رحيلك كان صادماً”.

وكان ممدوح عبدالعليم قد كتب في آخر تغريدة له عبر حسابه على موقع تويتر قائلا “ما أجملها شرم الشيخ.. الله عليكي يا مصر”. وكان الغرض من التدوينة تشجيع السياحة في مدينة شرم الشيخ التي تعاني من شح السياح بعد قرار حظر الطيران الروسي والبريطاني اليها.

كما كتب أيضا في تدوينة له على موقع تويتر في أول أيام العام الجديد قال فيها “أمنياتي كثيرة أهمها أن يهدأ العالم ويتخلى قادته عن هذا الجنون ويجنحوا للسلم وأن تمتلك كل دولة سيادتها على أرضها”، وفي آخر لقاءاته التلفزيونية، انخرط في البكاء على ما حدث لمصر خلال الفترة التي أعقبت 25 يناير2011، وقال إن أهم أسباب تغيّبه عن الشاشة الفترة السابقة أن مصر توجعه وإنه حزن على ما تعرضت له عقب ثورة يناير، مضيفا أنه كان على يقين أن مصر لن تموت وما يحدث ما هو إلا مرحلة مرض، وسيأتي الشفاء قريباً. وقال عبدالعليم وهو يغالب دموعه في ذات المقابلة التلفزيونية مع الإعلامي عمرو الليثي، إن دموعه قريبة وحتى خلال أداء أدواره الفنية تسبقه دموعه، وأنه يصعب عليه أن يرى بلاده في هذا الوضع المؤلم بعد 25 يناير تصارعها الأمواج.

14