ممكنات نجاح مؤتمر جنيف 2

الجمعة 2013/10/25

الوضع السوري وصل إلى مرحلة الاستعصاء، يمكن أن يكون مؤقتاً ويمكن أن يستمر، وبالتالي يتحوّل الصراع إلى تناحر منهك. يضعف السلطة أكثر، وربما يجعلها تتهاوى بهدوء لكن باطراد لتصل إلى مرحلة العجز عن السيطرة. لكنه لا يقود إلى أن تصبح الكتائب المسلحة قوة موحدة قادرة على بسط سيطرتها واستلام السلطة، نتيجة التناقضات «الأيديولوجية» والارتباطات التي باتت تحكمها، وأكثر هو ضياع الهدف الموحد الذي هو إسقاط السلطة، والتعامل من موقع الدفاع عن مناطق، وأبعد من ذلك العجز عن الحصول على السلاح الكافي والقادر على حسم الصراع، نتيجة أن القوى الإقليمية والدولية لا تريد ذلك.

السلطة ستبقى تمد بالسلاح والرجال من إيران وحزب الله وأتباعهما، ومن روسيا. لكن هذا ليس كفيلاً بأن ينتصر، ولا يكفل حتى استمرار سيطرته، بالتالي سيتهاوى. وهذه مسألة مهمة للقوى التي تريد بقاء «علاقتها» بسوريا، أو تريد السيطرة عليها للحصول على مصالح إستراتيجية واقتصادية وسياسية (مركز متميز في «الشرق الأوسط» يسمح بالتوسع شرقاً وجنوباً)، أي روسيا. فهل تريد أن تخسر سوريا عبر تحوّلها إلى فوضى؟ وهنا روسيا بالخصوص التي تراهن عن «موطئ قدم» مهم يفتح لها السيطرة على «الشرق الأوسط».

والمعارضة المسلحة ستبقى تدعم بـ «القطارة» لكي تبقى «واقفة»، فليس مطلوباً أن تنتصر كما يرغب الداعمون (السعودية والدول الإمبريالية)، وبالتالي ستبقى تقاتل إلى حدّ الانهاك دون أن تستطيع الوصول إلى «القصر». وربما تنهار السلطة لكن الوضع سوف يتحوّل إلى تناحر بين الكتائب المسلحة على السيطرة على السلطة والنهب والغنائم.

ميزان القوى الحالي يؤسس لاستعصاء، والإنهاك سوف يؤدي إلى انهيار وفوضى. هذا هو الملـمح السوداوي الذي يبدو في الصورة الآن. وهو حقيقي بعد أن تحوّلت الثورة إلى «قتال مسلح» بات خاضعاً لمصالح القوى الإقليمية والدولية، لأنها هي وحدها من يستطيع أن يقدم السلاح في صراع عنيف يحتاج إلى السلاح المستمر والمال الوفير. لقد سقطت فاعلية الشعب التي كانت ترهق السلطة دون حاجة إلى مال أو سلاح، وبالتالي إلى ارتباط خارجي، وخضوع لمصالح هذا الخارج. لاشك في أن هناك مجهودات مدنية هائلة، لكنها للدعم، سواء تعلق الأمر باللاجئين أو حتى بالمسلحين، وكذلك بالإعلام. وهناك أشكال احتجاج وتظاهر باقية هنا أو هناك، لكنها محدودة جداً ومحاصرة، وبعضها بات يخرج ضد داعش وجبهة النصرة وعبث المسلحين.

ولقد بات ممكناً أكثر بعد أن باتت داعش تسيطر على المناطق التي خرجت عن سيطرة السلطة، وباتت المجموعات الأصولية في الكتائب المسلحة تتوحد وتعلن سعيها لإقامة «دولة إسلامية»، وأصبحت معنية بالتخلص من الكتائب الأخرى.

الآن، ظهر أن الثورة تحوّلت إلى «نزاع مسلح»، وأن «الحرب الأهلية» هو ما يجري في سوريا. وظهر كم من الجرائم ارتكبت من السلطة ومن المعارضة كما يصوّر الإعلام رغم حدوث كثير من الممارسات السيئة والقتل. بالتالي باتت نزاع يحتاج إلى حل عبر التدخل الدولي. هذا هو معنى التوافق الأميركي- الروسي على مبادئ جنيف، والسعي لعقد جنيف2، وتضمين كل ذلك بالقرار المتعلق بالأسلحة الكيماوية السورية، باعتبار أن هذه الأزمة لابد من أن تحل وفق مبادئ جينيف في مؤتمر يعقد لهذا الغرض برعاية أميركية روسية. لهذا فإن الأمر بات بيد أميركا وروسيا، بعد أن توافقا، وبات واضحاً بأن أميركا تدعم سيطرة روسية على سوريا، أي تعترف بالمصالح الروسية في سوريا (كما كان يقال في العلاقة بين الدول الاستعمارية).

أميركا ظلت بعيدة عن الشأن السوري منذ بداية الثورة إلى بداية سنة 2012، حيث ظهرت بموقف يطلب من الروس «رعاية مرحلة انتقالية كما حدث في اليمن»، رغم أنها كانت تبدي انزعاجها من عنف السلطة خلال تلك المدة. بعدئذ صدرت مبادئ جينيف، لكن أميركا لم تغيّر سياستها المباشرة تجاه الوضع السوري، بل كانت تهدئ من اندفاع بعض الدول الإمبريالية للضغط أو التدخل العسكري أو تسليح المعارضة. فقط من معركة القصير (وبعد تأكيد التوافق التام مع روسيا، ونشاطها من أجل تأكيد دعم «أصدقاء سوريا» لمبادئ جنيف، ومن ثم دعم مجموعة الثماني) أعلنت أنها ستسلح المعارضة لكي لا يخل ميزان القوى على الأرض، ولم تسلح، إلا ربما بعض الشحنات من السعودية، التي لم تغيّر شيئاً في الوضع. وهددت بعد استخدام الأسلحة الكيماوية في الغوطتين في 21 أغسطس، بعد استخدام سابق متعدد يبدو أن أوباما كان يطلب من الروس لجمه. وحصلت على أهم جائزة للدولة الصهيونية بتسليم السلطة الأسلحة الكيماوية التي تمتلكها.

الآن، هل تريد أميركا أن يبقى «المستنقع السوري»؟ ولأي أهداف بعد أن حل الدمار بالبلد، وبالجيش، وسحب السلاح الخطر؟ هل تخدم الفوضى السورية أميركا؟ فاستمرار الصراع يمكن أن يقود إلى الفوضى، وهذا يعني توسعها إلى لبنان والعراق والأردن، وربما تركيا. ويوسع من وجود تنظيم القاعدة بمسمياته المتعددة الذي تقول أنها تحاربه. وقد ظهر من تهديد أوباما بتوجيه ضربة عسكرية ثم قبوله بالحصول على الأسلحة الكيماوية بأن أميركا ليست في وارد التدخل العسكري على الإطلاق، حيث توفّر ظرف مهم لتحقيق ذلك ولم يستغلّ.

الأهم هنا هو أن أميركا تريد مصالح من روسيا في مكان آخر، لهذا سوف تخضع في كل الأحوال، ومهما كان منظورها هنا، إلى ما يريد الروس. وربما يستفيدون من ارتباك الروس أو من «ضعف خبرتهم في النشاط الإمبريالي» لكي يحققوا منجزاً ما، كما فعلوا بالحصول على الأسلحة الكيماوية، لكن حين يقرر الروس يصبح الموقف الأميركي منساقاً نحو المساعدة في ما يريده الروس. ولقد ظهر ذلك حينما عملوا على ترتيب وضع الائتلاف الوطني لكي تسيطر فئة قابلة الذهاب إلى جنيف2، ومع الدول الإقليمية التي فرض عليها إما الابتعاد (قطر) أو القبول بالحل الروسي (تركيا وفرنسا والسعودية). وربما الإشكالية التي تواجه الوضع هي هذه، حيث أن ميل الروس لتحقيق تغيير يستوعب الأزمة، ويؤدي إلى حل، وإنْ مؤقت، ليس واضحاً أو ليس مبلوراً، فهم يميلون للحفاظ على القائم في وضع يفرض إزاحة القائم لأن الشعب يريد إسقاط النظام. وربما شعورهم بالخوف من الثورات، لأنهم مهددون بمثلها، يدفعهم إلى النشاط من أجل ألا تحقق الثورة السورية شيئاً، أي تنتهي دون أن يسقط النظام، ويتحقق الحل ببقاء بشار الأسد. هذا ما يبدو ظاهراً في السياسة الروسية، وهو الأمر الذي يؤخر جنيف2، ويربك مشاركة المعارضة، وينشط السلطة لكي تحسم الأمر عسكرياً، رغم عجزها عن ذلك. لقد بات الروس هم غير الحريصين على تقديم تنازل للثورة، وهم معنيون بأن تتحوّل إلى «نزاع مسلح» و»حرب أهلية»، وحتى ربما إلى «صراع طائفي»، لكي لا يظهر أي تغيير في وضع السلطة تنازلا للثورة، بل كصيغة حل لنزاع دموي. بالتالي هل وصل الروس إلى أن الأمر بات كذلك، ومن ثم يمكن التقدم بتحقيق حل؟

بالتالي، هل يريد الروس بقاء الأسد لكي يصبح واضحاً أن الثورة فشلت؟ أم ترحيل الحل إلى نهاية حكمه في يوليو سنة 2014 لكي يظهر الأمر كتنازل «طبيعي»؟ أم هل أنهم عاجزون عن إيجاد فئة من داخل البنية الصلبة للسلطة تقبل برحيله، وتدخل في نطاق الحل المطروح في جنيف2، انطلاقاً من أن نجاح الحل يفترض رحيله؟ أو أن تقديراتها تشير إلى أن الشعب لن يتقبل الحل الذي تريد، وأن السيطرة على المسلحين صعبة بما أن المعارضة التي ستشارك في جنيف2 ليس لها سلطة على هؤلاء، بالتالي يجب الاستمرار في «تصفية» المسلحين؟

الاحتمال الأخير ظهر كأمر خاطئ، بمعنى أن زيادة الصراع ضد الشعب سوف تزيد من قوة المسلحين لا العكس، خصوصاً بعد أن باتت السلطة عاجزة. فقد اتبعت هذه السياسة منذ أن وافقت أميركا على أن يرعوا مرحلة انتقالية، حيث دعموا ميل السلطة إلى «توجيه ضربات صاعقة» للمسلحين لكي يصبح ممكناً الانتقال إلى الحل، وكانت النتيجة هي التوسع في عدد المسلحين وعجز السلطة عن المواجهة. بالتالي من المفترض أن الروس لا يراهنون على ذلك، لهذا فيمكن أن يكونوا يراهنون على «تعب الشعب»، لكن ذلك لا يعني القبول بأي حل، وبالتحديد حل يبقي بشار الأسد. ولاشك في أن البديل عن إيجاد حل الآن هو انهيار السلطة.

ماذا سيكون الموقف الروسي من جنيف2؟

هل سيكونوا مسرّعين له، أم سيتركون الأمور لكي تتدحرج ببطء؟ هل حسموا في ترحيل الأسد، أم يريدون استمراره إلى نهاية مدة حكمه؟ فمن المفترض أن ضعف السلطة بات يسمح لها بأن تقرر هي، وأن تجد «المتعاونين» الذين يريدون أن يبقوا في مواقعهم عبر التضحية ببشار الأسد. ولاشك في أن المراهنة على ترحيل الحل إلى نهاية عهد بشار الأسد يمكن أن يوجد مشكلات أعوص لا تعود تسمح بالوصول إلى حل، خصوصاً هنا بأن الإدارة الأميركية يمكن أن توافق على هذا الترحيل لكي تضمن سحب كل السلاح الكيماوي، الذي وقّع هو على سحبه. رغم أن أي حكومة يمكن أن تخرج عن جنيف2 وتكون كاملة الصلاحية يجب أن تلتزم بهذا الاتفاق.

يبدو أن المطلوب دولياً هو بقاء المجزرة لفترة أطول، فهي الدرس لكل شعوب العالم لكي لا تفكّر في الثورة في وضع تشهد الرأسمالية أزمتها الأسوأ على الإطلاق.


كاتب فلسطيني

9