"مملكة إبليس".. البشر خطّاؤون والرجال دمى متحركة في أيدي النساء

مسلسل "مملكة إبليس" يدمج الواقع بالخيال بحثا عن المخلص من الشرور.
السبت 2020/08/08
شخصيات مركبة تلخص واقع العالم

يمزج المسلسل المصري “مملكة إبليس” بين الواقع والخيال للوصول إلى رسائل فلسفية غير مباشرة حول أنماط السلطة التي تتسيّد البشر، ويعتبر النساء المحرك الأساسي لعالم الرجال من وراء الكواليس، وهي حبكة فنية أصابت أحيانا وأخطأت في عدد كبير من المشاهد، بعد أن طغى عليها الافتعال.

لا يبتعد المسلسل المصري “مملكة إبليس” كثيرا عن دائرة يفضلها الكاتب محمد أمين راضي، تدمج الواقع بالخيال، والأساطير بالحقيقة، وتقسيم البشر بطريقة مغايرة للخير والشر، فجميعهم يحملون اللون الرمادي، ومدنسون بالخطيئة أو في طريقهم إليها.

ويدور المسلسل الذي يعاد بثه على إحدى المنصات الإلكترونية حاليا، في حارة مصرية تم تغيير اسمها من “حِدأة” إلى “جنة”، ينشب داخلها صراع عنيف بعد موت زعيمها فتحي إبليس (الفنان صبري فواز) بين أسرته وعائلات أخرى، وتلعب النساء العنصر الرئيسي في تأجيج الخلافات، وينسجن بحيلهن سير الأحداث وفقا لأهوائهنّ.

لم يقدّم العمل توقيتا زمنيا لنشوب أحداثه، لكن يمكن فهمها من ضمن السياق أنها تتقاطع مع انسحاب الشرطة المصرية في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، عبر اللجان الشعبية التي تحكم الداخلين إلى حارة “جنة”، وحالة الانفلات الأمني التي سادت مصر ولم تفرّق بين حارة شعبية أو حي راق.

يمثل المال المحرك الأساسي لجميع قاطني الحارة الذين لم يتم تصنيفهم وفقا لنموذجيّ الخير والشر، فكلهم يحملون لمسة من النقائص البشرية، في مقدّمتها الشهوة والطمع والجشع الذي اعترى الجميع بعدما وجدوا كنزا من المال في المقبرة التي دفن فيها زعيم حارتهم.

وتعتبر فكرة توليد الصراع عبر الكنوز المدفونة في القبور مكرّرة وسبق تقديمها في الدراما المصرية في مسلسل “دهشة” ليحيى الفخراني، حينما تصارعت بلدة بأكملها على أموال ادخرها في قبره لصالح ابنته، وكانت المحرك لحالة الاشتباك التي سادت الحارة “جنة”.

يمضي المسلسل في عالم شبيه بما قدّمه نجيب محفوظ في حارته الشعبية، كنموذج ملخص للعالم بصراعاته، فلم يلجأ الأهالي للأجهزة الأمنية لحل مشكلاتهم، ويمضون خلف أي قيادة جديدة تنصب نفسها على كرسي إدارة أمورهم.

لا مجال للثورة

المال هو المحرك الأساسي لجميع قاطني الحارة
المال هو المحرك الأساسي لجميع قاطني الحارة

غاير محمد أمين راضي الطريقة المعتادة لفكرة نهاية الفتوة في كلاسيكيات الأدب والسينما المصرية والتي لم تخرج عن طريقين، إما فكرة الثورة على الطاغية الظالم وتنصيب بديل له، وإما تعرّضه لمصائب الدهر وندمه على الماضي والتوبة ليقتل “المسلسل” بطله في الحلقة الأولى ويصوّر الحياة بعد نهايته، ويعيد إلى الأذهان فكرة خطيئة القتل التي سبق أن قدّمها بصورة شبيهة في مسلسل “السبع وصايا” قبل سنوات.

ويجمع الكثير من النقاد على قوة الحبكة التي يقدّمها الكاتب وطبيعة أعماله المتفرّدة عن السائد، وظهرت في العمل، لكنه لم يخل من سلسلة أخطاء على مستوى المنطق ونسج الشخصيات وعدم عرض ماضيها بشكل واضح، رغم تأثيرها على الأحداث.

العمل لم يقدّم توقيتا زمنيا لأحداثه، إلاّ أنها بدت تتقاطع مع انسحاب الشرطة المصرية في أعقاب ثورة 25 يناير

ويقدّم العمل صراعا نسائيا من نوع خاص بين أربع سيدات “أزهار” (الفنانة غادة عادل) و”حنيّة” (الفنانة رانيا يوسف) و”داليدا” (الفنانة إيمان العاصي) و”كاسية” (الفنانة سلوى خطاب)، وتجمعهنّ علاقة غير مباشرة باشتراكهن جميعا في حب “فتحي إبليس”، ورغبتهنّ في الحصول على جزء من ثروته المكتشفة. لكنه لم يقدّم الحيثيات التي تجعل أجمل سيدات الحارة يقعن جميعا في حب شخص فتوة وبلطجي في المقام الأول، مع تنميط لشخصية السيدات في الحارة الشعبية التي لم يستطع الكاتب الفكاك منها في العديد من أعماله السابقة.

ويعانى العمل من حرق شخصية “إبليس” بسبب ثراء الشخصية وقدرتها على اجتذاب الجماهير، ومضى العمل في الكثير من الحلقات بصورة عرضية دون حدث محرك ما أثار الملل في بعض الحلقات التي لا تتماشى مع أعمال الـ15 حلقة. تتكرّر المشكلة ذاتها في شخصية أزهار التي يخشى الجميع الاقتراب منها، وسرد وقائع تظهرها كامرأة عنيفة على المستويين البدني واللفظي، ويمكن تصنيفها في الجانب الطيب بتوزيعها قدرا من أموال فتحي على أهالي الحارة، كما أنها أقل شراسة من مجموعة النساء اللاتي يعشن في الحارة وبعضهنّ يحملن صفات شيطانية في الحقد والطمع والمكيدة.

تنقلات خاطئة

المؤلف لعب على ثيمة الدين والتدين واستغلالها في تغييب العقول
المؤلف لعب على ثيمة الدين والتدين واستغلالها في تغييب العقول

على مستوى الإخراج، تكرّرت أخطاء التنقلات بين الواقع والخيال، ففي أحد المشاهد يتم التواصل بين الأبطال عبر الرسائل الورقية التي يتم إلقاؤها من الشرفات في وسيلة اتصال تتماشى مع أزمنة سابقة، قبل أن يفاجأ المشاهدون في المشهد التالي بوجود هواتف أرضية ومحمولة يتم استخدامهما بين الأبطال، ويتكرّر الأمر ذاته في تأكيد إحدى البطلات أنها لا تستطيع صرف معاش والدها المتوفى منذ فترة خوفا من أن يتبيّن أنه لا يزال حيا. يعتمد العمل على صراع معقد بين نجل إبليس الوافد “بودي” (الفنان الشاب خالد أنور) الذي يحاول اقتناص الزعامة رغم طباعه الشخصية التي لا تؤهله للتعامل مع حارة مليئة بالأبالسة، وخطط أزهار وكاسية لتنصيبه بالحيلة عبر إظهار امتلاكه كرامات روحانية، و”مخيمر” (الفنان محمد جمعة) الشخصية الأقوى الذي يملك القوى على الأرض ويسعى للسيطرة على مقدرات الحكم ونهب ثروة فتحي إبليس.

يمثل السيناريو إحدى الإشكاليات التي تضمنها العمل، فرغم التنوّع الثقافي في الحارة لا يظهر على لسان أبطالها خلافات توضح تلك الفوارق، فالجميع يتحدثون باللغة ذاتها المحملة بقدر كبير من الحكمة، ربما لانغماس أمين راضي في أدب نجيب محفوظ وتعلقه بالحارة الشعبية وماضيها الذي طغى عليها عندما حاول الانتقال بين الأزمنة.

ويقدّم الإخراج نموذجا بصريا للحارة التي تدور فيها الأحداث بصورة مغايرة للحقيقة، بألوان مبهجة وديكور صاخب، ربما في مفارقة يمكن تبريرها برسالة عن إخفاء إبليس دائما مكائده للبشر بغلاف من البهجة وتعلق الأبطال في العمل بالدنيا واعتبارها جنتهم الخالصة، فأهلها يعتبرون أن الحارة “جنة” ويظهرون استهانة بالعالم الآخر.

يعتبر المسلسل الأول من نوعه الذي يوظف الكرتون بمعناه التقليدي في خدمة الأحداث، لتنفيذ مكيدة أزهار بتغييب عقل الأهالي لإيهامهم بعودة إبليس من الموت وتعرّضهم للعنات التي يجب أن يبحثوا عن شخصية على الفطرة لمواجهتها، فتضع مادة للهلوسة مع الدقيق في مخبز الحارة، وتصوير التأثيرات التي يمرّ بها من يأكل الخبز عبر الرسوم المتحركة.

لعب المؤلف على ثيمة الدين والتدين واستغلالها في تغييب العقول، فأهالي الحارة يصلون وراء بودي، رغم اعترافه لهم بأنه نصاب وليس إماما أو شيخا، بل ورفضوا أن يصلوا إلاّ وراءه، للتأكيد على عادة البشر أو ربما الشعوب في المضي وراء صورة ذهنية لرموز هم من يشكلونها، ويرفضون التخلي عنها بسهولة. ويصوّر العمل الرجال بالتابعين الذين تحكمهم النساء من وراء الكواليس بالغواية أو بالمال، فحتى فتحي إبليس لم يكن سوى منفذ لإرادة أربع سيدات التصقت بهنّ حياته، ومضى في تحقيق رغبات كل منهنّ وفرض قراراتهنّ بشكل غير مباشر. يحمل المسلسل نوعا من الترميز لفكرة السلطة وأشكالها في المجتمع، فأزهار تستغل امتلاكها المخبز الوحيد في قدرتها على منع البشر من الحصول على لقمة عيشهم، والشيخ بودي يستغل سلطة الدين في فرض قراراته على الجميع، ومخيمر يستغل امتلاكه مجموعة من الفتوات لفرض إرادته أو ما يمكن توصيفه بـ”قوة السلاح”.

يرتبط المسلسل بفكرة “نبوءة المخلص” الذي سيأتي لإنقاذ البشر من واقعهم الصعب، ورسم كاتبه تمهيدا في الأجزاء التالية ربما لميلاد شاب من رحم الحارة التي يعيشون فيها كي يعيد الأمور إلى نصابها ويجعل من الحارة جنة حقيقية بالفعل.

13