"مملكة الذهب".. ملك يحلم بالذهب وشعب تلاحقه الرمال

"مملكة الذهب" عمل مسرحي يحاول نقد الاستبداد ويعري شخصية الحاكم بجرأة مقدما إياه في صورة المتجبر والطامع خارج حدود الواقع.
الجمعة 2019/07/19
الذهب لا ينقذ من العطش

تحظى اللغة بأهمية بالغة في الفن المسرحي، سواء أكانت لغة الجسد أو اللسان أو الإضاءة والسينوغرافيا وغيرها. لذا إن كان عرض يطمح إلى نقل فكرة ما إلى الناس، فعليه أولا العناية بالخطاب اللساني والبصري الذي يقدمه، ومؤخرا لاحظنا أن المسرح التونسي في مستوى خطابه يشهد تراجعا كبيرا.

كان الجمهور مساء الأربعاء 17 يوليو الجاري على موعد مع العرض المسرحي “مملكة الذهب” نص وإخراج المسرحي التونسي حسين محنوش، حيث قدم العمل ضمن فعاليات الدورة الـ55 من مهرجان الحمامات الدولي بمدينة الحمامات التونسية.

“مملكة الذهب” عمل مسرحي يحاول نقد الاستبداد ويعري شخصية الحاكم بجرأة مقدما إياه في صورة المعتوه والمتجبر والطامع دائما خارج حدود الواقع، هائما في خيالاته المتولدة من جبروت السلطة المطلقة.

تحكي المسرحية، التي جاءت بالعربية الفصحى، قصة مملكة تعاني من الجوع والعطش وبدأت الصحراء تزحف على أراضيها، بينما ملكها هائم في أحلام الثروة، رافض للحلول الواقعية لصلاح رعيّته، معتمدا على مجموعة من السحرة المتحيّلين الذين يتحكمون به، ويذكون أوهامه بأنهم سيستقدمون ملك الجان الذي سيحقق رغبة الملك في امتلاك الذهب الذي يريده.

يحلم الملك بالذهب، ولا يبالي بتحذيرات أمه من هؤلاء السحرة الذين بات لهم أمر القصر يرتعون فيه مدبرين المكائد لكل من يقف عقبة أمام استحواذهم على السلطة. بينما الملك غارق في أوهامه وشعوذة سحرته، كان هناك مهندس أقنع الأهالي بضرورة بناء سد، يربط بين جبلين، لإنقاذ البلاد من التصحر، وفعلا يبدأ العمل إلى أن يكيد “نحوم” كبير سحرة القصر له، ويقنع الملك باعتقاله، لأنه يمثل خطرا في إقناعه للناس وتأليبهم ضده.

لا يوجد تحديد لزمن أو مكان بعينه في المسرحية
لا يوجد تحديد لزمن أو مكان بعينه في المسرحية

وفي النهاية ينجح كبير السحرة “نحوم” في إقناع الملك بأن كل شيء يلمسه يتحول إلى ذهب، ثم يموت مسموما، لكن ثورة تحدث في البلاد، فيقتحم الناس القصر ويتغير كل شيء.

لا يوجد تحديد لزمن أو مكان بعينه في المسرحية، التي يمكن أن تنطبق على أي زمن وأي مكان، فما هدف إليه صناع العرض هو نقد فكرة السلطة، والحكام الذين لا يلتجئون إلى حلول واقعية للإصلاح وصلاح حال شعوبهم، وإنما همهم الوحيد هو مراكمة الثروة والتحكم برقاب الناس، والبطش بمن يخالفهم، كما رأينا في مشهد قتل الفارس وأبيه، حلم الملوك الذهب بدل الصلاح والنجاح في تسيير أمور الناس.

فكرة العرض نبيلة، وتفاعل معها الجمهور الحاضر بالتصفيق كلما مر مشهد تنكشف فيه فكرة العرض بشكل مباشر. كما أن السينوغرافيا كانت جيدة خاصة فيما يتعلق بالسد الذي يتفكك ليصبح قلعة تشبه الكرسي، ويعود ليلتئم كسد.  وقد تخللت العرض كذلك لوحات راقصة كانت بمثابة الوصلات الدرامية بين المشاهد، وقد اجتهد فيها الشباب الممثلون بشكل كبير، وكانت فعلا نقلات واضحة، لكن قد نتساءل عن مدى إتقانها من عدمه، حيث جاءت بعض اللوحات بحركات اعتباطية، لا سلاسة فيها.

كما لعبت الموسيقى التي رافقت الوصلات الراقصة دورها في تأطير مسار الخيط الدرامي، لكن يبقى أن الجسد والتعبير الكوريغرافي الذي أراده صناع العرض جسرا بين المشاهد، كان متذبذبا، ويحتاج إلى الحبك أكثر لتتناغم الحركة، ويقول الجسد والموسيقى ما لا يقوله اللسان.

الملاحظة التي ربما تكون هامة رغم أن الكثيرين يغفلونها هي اللغة، فاللغة كعنصر درامي لها أهمية بالغة، وقد اختار صناع العرض اللسان العربي، لكن شابت الخطاب الذي قدمه الممثلون أخطاء لغوية فادحة، أي نعم لسنا في موقع سيبويه ولا قضاة نحويين، لكن كان يمكن تلافي ذلك، فالفكرة تحتاج إلى اللغة السليمة لتصل مقصدها.

من ناحية أخرى كانت لغة العرض في مواطن كثيرة ضعيفة جدا، وبلا جمالية أو تمكن، مثل المقطع الذي ورد على لسان خطيبة الفارس عندما علمت بمقتله، فقد جاء ركيكا للغاية، بعربية سيئة الإجراء.

من ناحية أخرى يبقى لدى بعض الممثلين التونسيين بعض المشاكل في اللكنة، فيختلقون إعرابهم الخاص بالوقوف على السكون، والإشكال ليس في ذلك، وإنما في مخارج الحروف والنطق، الذي يحول الخطاب، مهما كانت أهميته، إلى وجهات أخرى، وهذا ما دأب عليه للأسف الشديد الكثير من الممثلين الذين تعودوا تأدية عروض بالعربية للأطفال، وهذا خطأ آخر أشد خطرا نعود إليه في مقالات مفردة أخرى.

من ناحية أخرى لم تحقق المسرحية الحبكة الدرامية القوية القادرة على خلق الإثارة، بل كانت في نسقية نمطية خطية، الحدث فبعده الحدث بنفس الوتيرة، ولو أن المشاهد الراقصة والتي تخللتها حركة حاولت تركيز حبكة للعرض. كما أن العمل ككل رغم أهمية فكرته فإنه جاء سطحيا في مواطن كثيرة، يحتاج إلى اشتغال أعمق، على عناصره، التي يمكنها أن تكون أكثر تكثيفا وتركيزا.

يبقى أن المسرحي التونسي حسين المحنوش قد قدم عرضا معقولا في المجمل، ويشكر له خاصة مع الظروف الصحية التي يمر بها، وهو ما يحسب للمسرحي الذي يرابط في مسرحه ويحاول دائما فيه ومن خلاله.

ونلاحظ أن العربية عادت بقوة إلى المسرح التونسي، وإن كان ذلك صحيا، فإنه أيضا يثير التساؤل، خاصة إذا عرفنا بأن أغلب العروض التي تقدم بالعربية هي عروض كلاسيكية. فهل الكلاسيكية رهان المسرح التونسي الذي بلغ الذروة في وقت ما؟

14