مملكة بوتان سويسرا القارة الآسيوية

الأحد 2014/09/28
المشهد الجغرافي في بوتان لوحة شكّلتها الطبيعة

تيمفو- تقع مملكة بوتان أسفل قمم جبال الهمالايا الشامخة، دولة مغلقة طولها في عرضها حوالي 47 ألف كيلومتر مربع، نفس مساحة سويسرا تقريبا وربما هذا هو سبب تسميتها بسويسرا الآسيوية، عند حدودها الشمالية والشرقية تمتد هضبة التبت ومن الجنوب والغرب والشرق تطل الهند على بوتان، وجغرافيا بوتان هي باختصار جغرافيا الهمالايا، فالبلاد بأكملها تأخذ من الطبيعة الجغرافية لجبال الهمالايا سماتها وخصائصها من حيث شكل الأرض ومناخها فتجد في الشمال قمم الهمالايا التي كادت تلمس عنان السماء، ويوجد في بوتان قمة “جنكار بنسوم” واحدة من أعلى قمم الجبال في العالم، وفي الوسط تنبسط الأودية الخضراء التي تدين بوجودها لنهر براهما بوترا، ثم في الجنوب تفاجئك الغابات بأشجارها وحياتها النباتية الغنية الكثيفة.

وسحر بوتان لا تلمسه في طبيعتها بجبالها ووديانها أو في اللون الأخضر بأشجاره السامقة وعشبه المترامي على الأودية، أو في اللون الأبيض اللامع من قمم الجبال بتيجانها الثلجية، سحرها في شعبها، في ثقافتها البدائية العنيدة لأنها تصر على الاحتفاظ بكل عفويتها وفطريّتها من أدران المدنية الحديثة.

فالمشهد الجغرافي في بوتان ما هو إلا لوحة شكلتها الطبيعة من الأنهار والأشجار والأودية المنبسطة والثلوج النائمة على قمم الجبال والأمطار الهادرة طول الوقت.

في بوتان ستجد أعلاما غريبة الشكل والمعنى في أرجاء مختلفة من منحدرات الهمالايا التي ترقد البلاد في أحضانها، ستجد أناسا يتحركون في لباسهم الصوفي غير عابئين بكل مستحدثات العصر من ملابس أو أدوات معيشة، فأهل بوتان يعيشون في كنف الطبيعة ولذا ليس بمستغرب أن يعيشوا على خيرات الطبيعة! يلف الغموض بدايات هذا البلد الذي تمتد جذوره في الماضي السحيق، فلا توجد وثائق أو أوراق أو أي مخلفات تدل على بدايات التكوين، والسبب الزلازل التي كانت تضرب البلاد بلا هوادة من وقت إلى آخر، فضلا عن الحرائق التي كانت تشبّ في الغابات ومنها في الدور والمنازل فتأتي على الأخضر واليابس.

يوجد في بوتان قمة 'جنكار بنسوم' واحدة من أعلى قمم الجبال في العالم

أضف إلى هذا كله قلة عمليات التنقيب الأثرية التي تعد الأداة الأساسية للتعريف بالشعوب والممالك العتيقة، ومع كل هذا هناك دلائل تشير إلى أن أول أشكال الحضارة في تلك المنطقة ظهرت في القرن الثاني قبل الميلاد، وثمة أسطورة تقول إن الملك جيرو رينبوك سافر على صهوة نمر طائر من التبت إلى بوتان وحارب أهلها وأنزل بهم شر هزيمة ثم أعطاهم أول ميثاق أنشأوا به مملكة بوتان.

وبعيدا عن جو الأساطير فمن الثابت تاريخيا أن أهل البلد الأصليين قد ارتحلوا من التبت، واستقروا في تلك المنطقة وكان الاسم التقليدي الذي أطلق عليها وصار متداولا حتى القرن السابع عشر هو دروكيول أو أرض دروكبا (أرض التنين). وشعبها “شعب التنين”.

في العصر الحديث وتحديدا في عام 1865 غزت بريطانيا بوتان ثم دخلت في تفاوض مع الأسرة الحاكمة في ذلك الحين وتوصلت معها إلى اتفاق تدفع بمقتضاه بريطانيا منحة سنوية لقاء التعايش السلمي مع أهل البلد وفي عام 1949 عقدت اتفاقية بين البوتانيين والهند انتقلت بمقتضاه الشؤون الخارجية كلها لبوتان إلى السلطة الهندية. وفي عقد الستينات فرضت بوتان على نفسها ستارا حديديا عزلها عن العالم الخارجي فألزمت نفسها بالعادات والتقاليد الموروثة وعاشت حياتها وهي تقتات مما تنتجه من أنشطة الرعي والزراعة وبعد غزو الصين للتبت لجأت بوتان إلى تقوية صلاتها مع الهند حتى تتجنب الوقوع في نفس المصير المأساوي الذي وقع فيه التبتيون.

الثقافة البوتانية تُعد من أقدم الثقافات في القارة الآسيوية، وهي ثقافة تمتعت بالهدوء والاستقرار والجمود بسبب الطبيعة الجغرافية للبلاد

ورغم حركة التحديث والتمدين التي شهدتها بوتان منذ عقد الخمسينات والمحاولات المستمرة لنشر تلك الحركة في أرجاء البلاد مازالت الغالبية العظمى من البوتانيين يعيشون في مجتمعات قروية صغيرة حيث الاقتصاد الزراعي هو السائد والأنشطة الرعوية والحقلية هي الغالبة ومن طبيعة النشاط الاقتصادي الزراعي البدائي، جاءت طبيعة الحياة بكل تقاليدها وعاداتها في مملكة بوتان بسيطة وفطرية.

والثقافة البوتانية تُعد من أقدم الثقافات في القارة الآسيوية، وهي ثقافة تمتعت بالهدوء والاستقرار والجمود بسبب الطبيعة الجغرافية للبلاد، والتي كان لها الفضل الأول في تحجيم لعبة التأثير والتأثر مع العالم الخارجي.

ويقال إن الآسيويين شعوب محبة لعاداتها وتقاليدها القديمة ودائما ما تقابل ثقافات المدنية الحديثة بنوع من اللامبالاة وعدم الاكتراث وبوتان ليست استثناء من هذه الفرضية والدليل على ذلك أن الحكومة البوتانية مازالت تفرض على أبنائها الالتزام بالزي الوطني للبلاد.

17