مملكة صغيرة على الريفييرا الإيطالية تأمل في الاستقلال

معركة على التاج الملكي لقرية بشارع واحد وجندي يسكنها متقاعدون.
الجمعة 2020/07/10
جندي ووزير للداخلية

على الحدود الإيطالية الفرنسية تبحث قرية صغيرة خالية من السكان تقريبا إلا من بعض المتقاعدين عن الاستقلال كمملكة مجهرية بشارع رئيسي واحد وجندي واحد ينظم شؤون الأمن واستقبال السياح و يترأس وزارة الداخلية، في مملكة سيبورغا حيث تشتد المنافسة على التاج الملكي.

سيبورغا (إيطاليا) - تسعى “المملكة” المعلنة أحاديا في قرية سيبورغا المطلة على الريفييرا الإيطالية إلى انتزاع اعتراف دولي بها كإحدى أصغر الدول في العالم، في معركة متعددة الأوجه تفتح الباب أمام رهانات سياسية واقتصادية كبيرة.

وتصف نينا مينيغاتو انتخابها أول “أميرة” في تاريخ هذه القرية بأنه “أشبه بقصص الأحلام”.

وتزور سيدة الأعمال الألمانية هذه البالغة من العمر 41 عاما “رعاياها” وتجوب أزقة “المملكة” الصغيرة الممتدة على بضعة كيلومترات مربعة والتي يقطنها 300 شخص.

وتوضح مينيغاتو التي تدير شركة عقارية في موناكو “لم أكن أتصور يوما أني سأصبح أميرة”، بعدما تولى زوجها السابق مارتشيلو منصب “أمير” سيبورغا على مدى تسع سنوات.

نينا مينيغاتو: لم أكن أتصور يوما أني سأصبح أميرة، إنه شيء من قصص الأحلام
نينا مينيغاتو: لم أكن أتصور يوما أني سأصبح أميرة، إنه شيء من قصص الأحلام

ويعرض تاجها للسكان والمارة في مكتب هيئة السياحة المحلية المستخدم أيضا كمتجر للتذكارات “الملكية”.

ينادي “حكام” هذه القرية الصغيرة في منطقة ليغوريا الإيطالية قرب الحدود الفرنسية بمنح سيبورغا صفة الدولة المجهرية، مستندين إلى وثائق من القرن الثامن عشر يقولون إنها تؤكد أن القرية لم تنضم قانونيًّا إلى إيطاليا.

وتكتسي هذه المعركة بعدا اقتصاديا يتمثل في تحفيز السياحة وتفادي النزوح السكاني الذي أفرغ الوسط التاريخي لعدة مناطق إيطالية من سكانها.

وترغب “الأميرة” نينا في إعادة استخدام عملة محلية تحمل اسم “لويجينو” وإقامة فندق فاخر على تلة مجاورة تطل على أربعة “بلدان” هي فرنسا وموناكو وإيطاليا… و”إمارة سيبورغا”. كذلك تسعى إلى إنشاء خط لعربات التلفريك بهدف ربط القرية بالساحل.

وليست سيبورغا الدولة المجهرية الوحيدة غير المعترف بها في العالم، غير أن سكان سيبورغا يؤكدون أن الطابع الخاص الذي تتمتع به “إمارتهم” يستند إلى وقائع مثبتة ويبدون تصميما على انتزاع اعتراف بذلك من السلطات الإيطالية.

في عام 954 انتقلت ملكية القرية إلى الرهبنة البندكتية، ويروي السكان أن كاهن سيبورغا أصبح في 1079 أمير الإمبراطورية الرومانية المقدسة.

بعدها اشترت السلالة الملكية في منطقة سافوا هذه القرية سنة 1697 دون أن تُسجل العملية رسميا.

ويؤكد سكان سيبورغا أن هذا الخطأ أبطل مفاعيل العملية، ويؤشر حتى على أنها لم تحصل في الأساس، فيما يشير المؤرخون إلى عدم العثور يوما على الوثيقة الأصلية لعملية البيع. وقد أجريت مفاوضات لسنوات مع فيكتور أميديه الثاني دوق سافوا وملك ساردينيا المستقبلي للتوقيع على عملية البيع رسميا دون بلوغ أي نتيجة.

قرية الميموزا
قرية الميموزا

ويقول السكان إن هذا الأمر يعني أن “الإمارة” استثنيت من إعلان توحيد إيطاليا سنة 1861 وتشكيل الجمهورية الإيطالية سنة 1946.

هل يمكن بذلك اعتبار هذه القرية الزراعية الصغيرة التي يقطنها متقاعدون ولا تضم سوى شارع رئيسي واحد، دولة مستقلة؟

يجيب أستاذ التاريخ في جامعة فيرجينيا الغربية الأميركية ماثيو فيستر عن هذا التساؤل بالنفي، بالاستناد إلى “وثائق تظهر أن وكلاء تابعين لملك ساردينيا استحوذوا فعلا على سيبورغا سنة 1729 بموافقة سكان محليين ودعمهم”.

وتصف الحكومة الإيطالية هذه الادعاءات بأنها خرافات. ورفضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان طلبا سابقا من سكان القرية يتعلّق بهذه الغاية، غير أن نينا مينيغاتو لا تزال مصممة على مواصلة الكفاح من أجل استقلال “المملكة” بالاستعانة بفريق جديد من المحامين.

ويقول أستاذ التاريخ المساعد في جامعة جنوى الإيطالية باولو كالكانيو، إن الفكرة تعتمد على خرافة متوارثة لأن الكهنة الذين كانوا يقودون سيبورغا “لم يكونوا أمراء، إذ أن هذا اللقب لم يظهر يوما في الوثائق العائدة إلى القرون الوسطى”.

هذا الأمر لم يمنع مزارعا لنبات الميموزا يدعى جورجو كاربونه من إعادة إطلاق فكرة إقامة “إمارة سيبورغا” في ستينات القرن الماضي.

وبعدما أعلن نفسه “أميرا” على القرية، وضع دستورا لها ونشيدا خاصا إضافة إلى راية ملكية وحتى شعار هو “أجلسوا في الظل”، حسب ما يَرْويه غوستافو أوتولينغي وهو متقاعد في سن الـ88 من سكان سيبورغا.

سكان سيبورغا يؤكدون أن الطابع الخاص الذي تتمتع به إمارتهم يستند إلى وقائع مثبتة
سكان سيبورغا يؤكدون أن الطابع الخاص الذي تتمتع به إمارتهم يستند إلى وقائع مثبتة

كذلك أقام “الأمير” جورجو “جيشا” لا يضم حاليا سوى رجل واحد هو سيكوندو ميسالي (64 عاما) شغل أيضا منصب “وزير” الداخلية ووزير المال ثم “رئيس الوزراء”.

غير أن أداء كاربونه خيب آمال كثيرين بعدما أثبت عجزا عن “إصلاح طريق أو مجرد عمود إنارة في الشوارع” بحسب أوتولينغي.

في الشتاء تفرغ شوارع القرية، إلا من حفنة من المتنزهين الفرنسيين، فيما يرتفع عدد السكان صيفا إلى ألفي شخص مع توافد السياح بالحافلات في رحلات استكشافية يومية.

ويكون في استقبال هؤلاء عادة الجندي الوحيد في “الإمارة” بقبعته الزرقاء وبزته الأنيقة في ساحة القرية المركزية.

ويقول هذا الرجل إنه يشعر بالانتماء إلى “إيطاليا وسيبورغا معا”. وعلى غرار سائر سكان القرية، يدفع ضرائبه إلى السلطات في روما ويدلي بصوته في الانتخابات الإيطالية، لكنه يؤكد أن سيبورغا هي “أرضه بالتبني”.

وبالإضافة إلى مهام الحراسة اليومية، يملك هذا الرجل مفاتيح السجن الصغير في القرية وهو ليس سوى غرفة حجرية صغيرة بأرضية مغطاة بالقش لم تستقبل أي نزيل منذ قرون.

وبحسب الأخبار المتداولة في القرية، فإن فرسان الهيكل أخفوا قبل حوالي ألف سنة “الكأس المقدسة” في سيبورغا.

ولا يتوانى القائمون على الإمارة الصغيرة عن الترويج لهذا الأمر عبر تزيين المنازل الحجرية الصغيرة بصور لفرسان الهيكل أو من خلال توجيه السياح إلى ساحة صغيرة يشكل الحصى المنتشر فيها شكل صليب هذا التنظيم.

غير أن الخبيرة في تاريخ هذا التنظيم في جامعة كارديف إيلينا بيلومو تشكك في هذه النظرية واصفة إياها بأنها من “الخرافات المعاصرة”. وتقول “لا دليل على وجود فرسان الهيكل في منطقة سيبورغا في القرون الوسطى”.

تزدحم بالسياح صيفا
تزدحم بالسياح صيفا

ولإكمال هذا المشهد السريالي في القرية، يطالب فرنسي منذ 2016 بحقه في “التاج الملكي” معلنا نفسه “أمير سيبورغا صاحب السمو الملكي” نيقولا موت.

وقد أحاط الفرنسي نيكولا موت نفسه بـ”مستشارين” وأقام في دارة بالقرية، كذلك أنشأ موقعا إلكترونيا عن هذه “الدولة” الصغيرة مناديا بـ”القيم العالمية الأساسية” و”حماية البيئة”.

ويواجه موت اتهامات قضائية في فرنسا في إطار تحقيق لا يزال مستمرا في شأن قضايا تزوير جوازات سفر وعملات، وهو ما ينفيه.

ويقول غوستافو أوتولينغي، وهو مؤلف كتاب عن تاريخ سيبورغا، إن “أحدا لا يمكنه منع أي كان” من إعلان نفسه ملكا أو دوقا أو أميرا في المنطقة.

وبالفعل، ثمة كثيرون نصبوا أنفسهم في هذا الموقع بينهم تنظيم يصف مسؤولوه أنفسهم بأنهم “مدافعون عن الوسط المسيحي” في سيبورغا.

ووسط كل هذه المعمعة، يبقى رجل مصمما على سيادة القانون في القرية هو رئيس البلدية إنريكو إيلاريوتسي الذي يؤكد أنه على تواصل دائم مع الشرطة الإيطالية.

وهو يقول “لا مكان للأمراء المزيفين أو المحتالين في سيبورغا أيّا كانوا”.

20