ممنوع اصطحاب الأطفال!

السبت 2014/01/04

حمل بريدي الأسبوع الماضي بطاقة دعوة موجهة إلى شخصي المتواضع بوساطة إحدى صديقات الدرجة الثالثة، لحضور حفل عقد قران قريبة لها من الدرجة الخامسة!. لا بأس، ربما يسمح وقت الفراغ بتلبية الدعوة، إلا أن الرجاء المذيل للدعوة أثار حفيظتي: “يرجى عدم اصطحاب الأطفال”.

قلت لنفسي.. ربما يحتوي برنامج الحفل على فعاليات غنائية ورقصات بوهيمية غير صالحة للأطفال، لذلك قررت رفض الدعوة تجنبا للمفاجآت واصطحبت الطفلين غير الصالحين لحفلات الزواج إلى السينما، ليختارا فيلم رسوم متحركة يصلح للكبار والصغار معا.

قبل ذلك، ألحت جارة تسكن في الشارع المقابل اقتصرت معرفتي بها على ثلاث مرات حدثت عن طريق الصدفة، على اصطحابي لاجتماع نسوي لتناول وجبة فطور اعتادت على حضورها أيام الآحاد في منزل إحدى الصديقات أو الجارات بصورة دورية، نسوة لا يجمعهن في الغالب غير جلسات نميمة مملة برعاية كوب ساخن من القهوة. فقلت لنفسي: ربما في المرة المقبلة، واعتذرت.

وعندما التقيتها بعد أسبوع، في مصادفة رابعة، هنأتني بقراري الحكيم في عدم قبول الدعوة، حيث كان منزل المضيفة مكتظا بالأطفال، “الأشرار” الذين حضروا برفقة أمهاتهم بسبب عطلة نهاية الأسبوع، بحسب تعبيرها لأنهم تسببوا في فوضى وأفسدوا عليهم مذاق القهوة.

قبل أيام، وفي خضم محاولات الناس المستميتة للاحتفال بالليلة الأخيرة من العام الذي غادرنا، تعددت الدعوات العامة والخاصة. وقلت بأن الأطفال هذه المرة سيكونون بالتأكيد محورا للمناسبة، لذلك قررت الخوض في وحل الخيارات الصعبة من أجلهم وضحيت بطقوس الاكتئاب التي أودع فيها عادة اليوم الأخير من كل عام.

وفي سجل الدعوات فوجئت بالشروط المجحفة مرة أخرى؛ “ممنوع اصطحاب الأطفال.. ولأن الطقس كان باردا جدا؛ وجدت الفرصة مناسبة لأتنصل من إلحاح الصغار للانطلاق خارج حدود المنزل وتقديم التعازي لكائن مجهول وتوديع العام الراحل في الهواء الطلق. وبدلا عن ذلك وعدتهم بوجبة عشاء فاخرة وحلويات غير فاخرة، اعتدت أن أصنعها لهم بين الحين والآخر كإحدى وسائل العقاب. وهكذا، كادت الليلة تمر على خير لو لا مكالمة هاتفية مستعجلة أصرت صاحبتها على دعوتي وأسرتي “من دون استثناءات عنصرية” إلى منزل العائلة للاحتفال بالمناسبة.

اضطررت لتلبية الدعوة، وفوجئت بعدد كبير من الأطفال الذين رافقوا المدعوين وقلت في نفسي بأنني كنت على حق فالمناسبة فعلا هي على مقاس الصغار وكنت موفقة في اختياري هذه المرة، ولكني فوجئت بأن المضيفة كانت اتخذت تدابير احترازية مسبقة للاحتفاظ بأثاث منزلها المتخم بالتحف القابلة للكسر، حيث تم حشر الصغار طوال الوقت في زاوية ضيقة من المنزل، بينما سمح لبقية الضيوف من الكبار باختيار مكان جلوسهم كما يرغبون حتى أن تحركاتهم وتنقلاتهم في أرجاء المنزل لم يتم فرض حظر للتجوال عليها، ذلك الحظر الذي فرض على الصغار المساكين. وبعد مرور ساعات، تم تشديد العقوبات؛ فخضع الأطفال مرة أخرى للأوامر وذلك بترويض ضحكاتهم وتشذيب أصواتهم كي لا يزعجوا الجيران، حتى انتهت الدعوة إلى جلسة اكتئاب صامتة.

التقليد الأعمى لقيم وعادات غريبة قد لا تصلح لكل مكان وزمان، سمة شرقية بامتياز، تبنتها بعض التجمعات البرجوازية في المجتمعات العربية في دول المهجر.

وفي الوقت الذي يدعو فيه أهل العلم والدراية إلى أهمية أن يعامل الطفل باحترام، باعتباره كائنا بشريا مكونا من أحاسيس ومشاعر مرهفة جدا وسريعة العطب أيضا.. نجد هؤلاء أو الكثير منهم، يعتبرونه رقما زائفا في تعداد النفوس وكأنه سقط سهوا من حافلة مستعجلة، فيفرضون عليه أفكارهم الغريبة ويصرون على عزله عن المجتمع ويضيقون عليه الخناق ويحرمونه من الاستمتاع بصحبة أبويه، إلى حين بلوغه السن القانونية ليعامل كآدمي يستحق أن يدخل عالمهم الخطير المحاط بالأسرار.

كان هذا جزاء كل من لم يستمع إلى النصيحة وفي المرة المقبلة، ربما سيكتفي الصغار بالحلويات غير الفاخرة، على أن يلبوا دعوة فاخرة ويقضوا المساء داخل سجن بلا قضبان.

21