ممنوع الوقوف

الأربعاء 2015/08/12

أرنو إلى مدينة بأكملها ويوم بكامل دقائقه وليل بطوله وأنا بأمسّ الحاجة الى إلغاء كل ذلك لأبدأ من جديد.. فكيف لي أن أخرج من ذاتي وأستلّها من كل ما حولي لأكون أنا؟

أسئلة تسكن حواسي وقد حاصرها خوف وقلق وانسحاب.. تحكم عليها قبضة من ذاكرة خبيثة ومجيء من ترقـّب موقوت وانفعالات بتّ أعرفها فأخاف التقرب مما قد يوقظها.. خفافيش سود تطير تحت سقف رأسي.. أهشّ عليها بذراعيّ الاثنتين أنْ ارحلي عني.. أصرخ بها كُفـّي.. لكنها لا تلبث تتربص حتى بنومي وتلكز إغفاءة جفنيّ بأجنحتها السود لتربك ليلي.. وأنا لا أعلم من أين تأتي وإلامَ ستمكث فيّ..

أعترف أمام مشاعري وأنا بكامل ضعفي: أنني لست بخير.. فيرد صوت صارخ تطلقه حنجرة شجاعتي وعزيمتي وهي تصر: بل سأكون بألف خير.. مدينة أشباحي التي أراها كذلك الآن وقد زخرت بي قبل ذلك وتزخر اليوم بملايين البشر سواي.. أجدها في سويعات صفـْوي وهي تفتح لي ذراعيها وتحتضن روحي المتعبة وجسدي المتهاوي.. تعدني بأن أكون أنا.. وتوشوشني بأنني أمسكت بأول الدرب..

طريق وعرة تكتنفها الصخور الناتئة والأسلاك الشائكة التي تحدّ من سير الخطى وتتربص بالمضيّ.. ولكن لا غنى للنفس عنها لأصل.. كلمة إنسان في داخلي تحدثني أنني ما دمت كذلك لابد لي من أن أسلكها.. وبأنني قطعت أكثر من نصفها ولم يبقَ إلا القليل.. أبقى أرنو إلى ذلك القليل رغم أصوات الاحتجاج في أعضائي وهي تطالبني بالتوقف والعودة وإلقاء أسلحة المقاومة.

أقع على الأرض أستمع لما تقول.. أصغي قليلاً وقد بلّل الدمع هدأة روحي.. ثم أستفيق لأشيح بقلبي وأومئ لنفسي العالية أن انهضي إن هي إلا أضغاث أصوات تكره الصعود.. أقرر أنها غير مرئية أو مسموعة.. وأن أمامي ما لابد لي أن أنجزه، فأواصل سيري وأصرّ على صعودي.. وأحدث نفسي بأنني سأصل..

أدري بأنه لا يصح لي إلا أن أسير.. لا يجدر بي أن أقف.. أو أن أنصب خيمة عزائي لأتقهقر وأبكي على أطلال حياتي.. وإن فعلت ونصبت خيمتي فلي أن أخرج منها في ليل ظلمتي لأتأمل نجومه التي ستمطر مهرجاناتها وألوانها وفرحها..

أغمض عينيّ فأجدني اُراقص أملا مفعماً بالعطاء والحب.. وحين أفتحها أصدّق هذياني فأفيض عنفواناً رغم خيباتي وأعلل النفس أنني لولا كل تلك الخيبات ما كنت أقوى وأبهى..

أواصل صعودي.. أتسلق حافية فتدمى قدماي وقد تنهار قافلة صبري.. لكنني أصعد وأصعد.. وأحسم أمري: لن أتوقف أكثر.. فثمة عبارة ممنوع الوقوف!.. ولترجمني من تشاء من بنات أفكاري المتعبة.

الجبال التي أعرف تناديني وستكون قمتي هذه المرة أعلى وأولى.. قد أتعثر لكنني أصر أنني لم أتعثر بسوى وردة.. فألتقطها عامدة لأشمّ عبيرها وأقبّل أوراقها وألوانها وأشكر لها رحيقها الذي يمنحني إكسير الصعود.

وأصعد.. أتسلق داخلي وخارجي لأنهض بما فيّ فأعلو.. القمم التي ترنو إلى صعودي تنادي.. والسماء التي آوت فرحي تنادي.. والحب الذي يغمر قلبي يصر بأنني بألف ألف خير.. فأتنفس ضوئي ملء مسامي وملء افتخاري وبهجتي.. وأبقى أواصل صعودي.

21