من الأفلام الوثائقية ما كان شعرا

الفيلم السينمائي يظل فيلما يقاوم الزمن، وثيقة يعاد اكتشافها في وقت لاحق، ويبقى التناوش بين مصطلحي "التسجيلي" و"الوثائقي".
السبت 2018/04/21
"الأوديسا العراقية" فيلم عن هجرة العراقيين القسرية

كما عني المصورون، قبل اختراع الفوتوغرافيا، بالساسة والنبلاء، فاصطفوهم أبطالا للوحاتهم، اهتمت السينما أيضا بتوثيق جوانب من حياة ساسة ونبلاء، وأحداث كبرى قبل عصر التلفزيون، وإلى حدّ ما ورث التلفزيون المصري منذ بدايته عام 1960 ذلك النهج الفوقي، فسعى إلى الرموز، واحتفظ بتسجيل يتيم لطه حسين وآخر لعباس محمود العقاد، وأضاع إلى الأبد فرص معرفة كثيرين.

     وللأسف، ليس ليحيى الطاهر عبدالله مشهد واحد متحرك وإنما مقطع صوتي قصير، ولسيد قطب تسجيل صوتي وحيد يعد بأن “الطريق مفروشة بالأشلاء والجماجم، مزينة بالدماء”، وقد شاهدت فيلما وثائقيا مدته 90 دقيقة، أخرجته ماجي مرجان عن عالم الأزهر المستنير محمد عبدالله دراز دون مشهد فيلمي للرجل.

 

في كل فن هناك بحث ضمني عن الشعر، التمثيل الأقدم والأسمى للقدرة على إبداع نسغ من استعارات وتوثيق صان للبشرية ذاكرتها، صاغ الشعر تاريخا واصطنع ملاحم بصدق أكثر واقعية من التاريخ “الحقيقي”، وحين يخطف أرواحنا عمل فني، تمثال أو لوحة أو رواية أو فيلم، نقول إنه قصيدة، وفي بعض الأفلام الوثائقية شيء من الشعر

وكان أمل دنقل محظوظا بالمخرجة عطيات الأبنودي التي أنقذته بفيلم “حديث الغرفة رقم 8”، وبعد ثورة 25 يناير 2011 أخرجت أسماء إبراهيم فيلم “الكعكة الحجرية.. ميدان التحرير”، وعنوان الفيلم هو عنوان قصيدة شهيرة للشاعر.

ليس لأغلب الأعلام العرب في النصف الأول من القرن العشرين مشاهد فيلمية، جبران خليل جبران، الشيخ محمد رفعت، أبوالقاسم الشابي، محمود مختار، سلامة موسى، محمد الخضر حسين، حتى الذين أدركوا بدايات عصر التلفزيون مثل سليم حسن وأحمد لطفي السيد وجواد سليم وبدر شاكر السياب، لم أشاهد لهم مقطع فيديو.

وكان للرائد الأول للسينما المصرية محمد بيومي نصيب من طيبة قلبه؛ فالمصادفة السعيدة قادت الدكتور محمد كامل القليوبي إلى ثروة من الوثائق والأفلام صنع منها فيلمه “محمد بيومي ووقائع الزمن الضائع”، عن هذا المغامر الطموح العائد من برلين إلى مصر عام 1923، لتأسيس “آمون فيلم” وهو أول أستوديو في مصر، وقد أنتج بيومي “جريدة آمون” السينمائية في ذلك الوقت المبكر، وصنع أفلاما وثقت بعض مظاهر الأحوال الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ومنها عودة الزعيم سعد زغلول من المنفى.

وفي السنوات الأخيرة، تحققت ديمقراطية غير مسبوقة في تصوير أفلام ومشاهد وأحداث عامة وشخصية وتسجيل مفارقات وتوثيق جرائم، بكاميرات صغيرة متطورة وهواتف ذكية.

وعلى الرغم من إتاحة هذه الأعمال في المواقع الإلكترونية، أو بثها الفوري في مواقع التواصل الاجتماعي، فإن للفيلم التسجيلي سحرا خاصا يمنحه عمرا أطول، يتجاوز فرح الهواة باصطياد مشهد نادر، أو مطاردة واقعة طريفة.

ويظل الفيلم السينمائي فيلما يقاوم الزمن، وثيقة يعاد اكتشافها في وقت لاحق، ويبقى التناوش بين مصطلحي “التسجيلي” و”الوثائقي”، ففي مصر نعتمد الأول، وفي العالم العربي ينحازون إلى الثاني.

ويمكن حل التناقض بشيء من التبسيط غير المخلّ، إذا اعتبرنا الفيلم التسجيلي يصوّر الواقع، أما الفيلم الوثائقي فيستفيد بمشاهد تسجيلية من الواقع، ويعيد استخدامها، ويستعين أيضا بلقطات من الأرشيف ويوظفها في نسيج العمل الوثائقي.

سمير الاستثنائي

في افتتاح الدورة العشرين لمهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة، الذي امتد من 11 وحتى 17 أبريل الجاري، عرض الفيلم الروائي القصير “الراكب الأسود” للمخرج الألماني بيبي دانكارت رئيس لجنة التحكيم، والفيلم الوثائقي “الإسماعيلية حبي.. جيل ورا جيل” الذي وثّق مخرجه نجدي حافظ حصول فريق الإسماعيلي على كأس أفريقيا، في يناير 1970، بعد فوزه على فريق تي.بي. إنجلبرت من الكونغو 3-1، ليكون أول فريق مصري ينال تلك البطولة.

وخلافا للشاشة التلفزيونية المستأنسة، نقل الفيلم السينمائي جمهور حفل افتتاح المهرجان إلى يناير 1970، فتفاعل مع الفريق وصفّق لنجمه علي أبوجريشة، كأن المباراة تنقل على الهواء مباشرة، وذلك امتياز يخص أفلام السينما دون غيرها.

لم يعد الفيلم الوثائقي ضحية المقارنة بالفيلم الروائي، فالوعي الجماهيري بهذه السينما شجع الكثيرين على التخصّص في صناعة الأعمال الوثائقية، وتوجد مفارقة بطلها المخرج العراقي سمير جمال الدين الذي يحلو له أن يكتب اسمه منفردا “سمير”؛ باعتباره علما لا يحتاج إلى لقب، فالاسم المنفرد لا يدل إلاّ على سمير جمال الدين، أما أي سمير آخر فيحتاج إلى تعريف عائلي.

“سمير” كرّمه مهرجان الإسماعيلية في دورته العشرين، وأصدر عنه كتاب “سمير الذي لا ينسى”، وعرض فيلمه “أنس بغداد”، ضمن برنامج ذهبي خصّصه المهرجان لعرض الأفلام الفائزة بجائزته الكبرى في الدورات السابقة.

المخرج العراقي سمير جمال الدين يحلو له أن يكتب اسمه منفردا {سمير}، باعتباره علما لا يحتاج إلى لقب أو تعريف عائلي
المخرج العراقي سمير جمال الدين يحلو له أن يكتب اسمه منفردا "سمير"، باعتباره علما لا يحتاج إلى لقب أو تعريف عائلي

وكان فيلم “أنس بغداد” البالغ 111 دقيقة قد فاز بجائزة المهرجان الذهبية عام 2003، وقد شاهدته للمرة الثانية في عرضه الأخير وكأنها المشاهدة الأولى؛ فهو يحتفظ بطزاجته، وانتبهت إلى عبارات خاطفة لم تشغلني في المرة الأولى، ولكني وجدتها شديدة الدلالة على فيلم “الأوديسا العراقية” الذي شاهدته في الدورة الثامنة
والأخيرة لمهرجان أبوظبي السينمائي عام 2014.

أبعدني الاستطراد عن مفارقة سمير أو ملاحظته الدالة التي آن وقتها، ففي ندوة تكريمه، وقد أدارها الناقد عصام زكريا رئيس المهرجان، ضحك وقال إنه أخرج أكثر من 40 فيلما، منها ثلاثة أعمال وثائقية، ولكنه اشتهر بأنه مخرج الأفلام الوثائقية لا الروائية، وذلك تقديرا لثلاثيته الوثائقية “بابل 2” 1993، و”أنس بغداد” 2002، و”الأوديسا العراقية” 2014.

عمل محير

يعد فيلم سمير “أنس بغداد”، عملا محيّرا ومربكا للثوابت الإنسانية والوطنية؛ فنحن أمام أربعة يهود أجبروا عام 1951 على التهجير من العراق إلى الكيان الصهيوني، (شمعون بلاص وموسى حوري وسمير نقاش وسامي ميخائيل)، وهم رفاق قدامى لوالد مخرج الفيلم في الحزب الشيوعي العراقي، وقد ظلت أرواحهم معلقة بعراق اعتبر كل يهودي “فرهود” صهيونيا، أما الكيان المغتصب فلا يراهم سوى عرب، “مزراحيم”، ويعاملهم بعنصرية.

هذا الغبن والحيرة والاستعلاء الاشكينازي يرثه الجيل الجديد من يهود العراق في فلسطين المحتلة، وتمثله “إلا حبيبا شوحات” التي تغادر إلى نيويورك، باختيارها وليس خضوعا لإكراه كان الجيل السابق من ضحاياه، في إدانة أخلاقية للعدو الذي يهزم ادعاءاته فيلم مهم كهذا، وسيزول الكيان الصهيوني المضاد لحركة التاريخ، ويبقى فيلم “أنس بغداد” وثيقة فنية على إدانة الفكرة الصهيونية.

و مهرجان الإسماعيلية الدولي للأفلام التسجيلية والقصيرة الذي بدأ عام 1991 برئاسة المخرج هاشم النحاس، أصبح جاذبا لهذه الأعمال النوعية، غواية خاصة لفناني السينما الوثائقية ومشاهديها، وقد كرم هذا العام الناقد علي أبوشادي الذي تولى رئاسته لمدة تسع سنوات بداية من عام 2002.

وأصدر المهرجان كتابي “علي أبوشادي.. في رحاب السينما والثقافة” لمحمود عبدالشكور، و”سمير فريد وتأسيس النقد السينمائي” لمجموعة من الباحثين، أما المفاجأة السارة فهي إعادة الدكتور خالد عبدالجليل رئيس المركز القومي للسينما، منظم المهرجان، نشر أعداد مجلة “السينما والتاريخ” في مجلدين (1690 صفحة).

وكان سمير فريد قد أصدر المجلة على نفقته، ثم توقفت عن الصدور بعد 35 عددا، ونشرت المجلة بداية من عددها الأول عام 1992 وثائق وكتابات مجهولة ودراسات فريدة لنقاد السينما وفنانيها، وكذلك لمفكرين منهم فؤاد زكريا وأحمد صدقي الدجاني وعبدالوهاب المسيري الذي كتب دراسة عنوانها “الهوية اليهودية في أفلام وودي آلان”.

13