منابر شيعية عراقية تكشف حالة تمرد متصاعدة على العملية السياسية

إيران تنظر بريبة شديدة لأي محاولة للتحرّر من هيمنتها على القرار السياسي العراقي وتتصدّى له عبر قادة أحزاب وميليشيات شيعية.
السبت 2018/03/31
يحز في أنفسهم أنهم خدعوا طوال 15 سنة

بغداد - تنجلي بشكل متزايد في العراق مع اقتراب موعد الانتخابات العامّة المقرّرة لشهر مايو القادم، حالة من الفتور إزاء العملية السياسية الجارية في البلد منذ خمسة عشر عاما، وذلك بفعل نتائجها السيئة التي يلمسها العراقيون بشكل واضح في مختلف نواحي حياتهم وأوضاع بلدهم الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.

ويترجم قادة رأي وساسة ورجال دين امتعاض العراقيين من تلك العملية ذات الآثار الكارثية عليهم وعلى بلدهم.

وتأخذ الانتقادات الموجّهة للعملية السياسية التي تعاونت الولايات المتّحدة وإيران على إرسائها في العراق صدى خاصّا عندما تصدر عن رجال دين شيعة، نظرا إلى أنّ الإسلام الشيعي مثّل رافعة أساسية لتلك العملية التي تقودها أحزاب شيعية.

ووصف المرجع الديني العراقي الشيخ جواد الخالصي الانتخابات التشريعية المرتقبة بـ”المزيفة والخديعة”، مشيرا إلى أن هذه الممارسة من “صنيعة الاحتلال”، ومعتبرا أن الشعب العراقي يرفض أن يساق إليها مرة أخرى.

النتائج الكارثية التي جناها العراق من العملية السياسية التي تعاونت الولايات المتحدة مع إيران لإرسائها في البلد، باتت أمرا مسلّما به. وانتقاد تلك العملية أصبح أمرا مألوفا ومتداولا، غير أن صدوره بين الحين والآخر عن مراجع شيعية يظلّ له وقع خاص لما ينطوي عليه من بوادر تمرّد داخل النواة الصلبة التي يقيم عليها النظام الإيراني مشروعه للتوسّع في المنطقة

وصنّف الشيخ الخالصي خلال خطبة الجمعة في مدينة الكاظمية بالعاصمة، العملية الانتخابية كجزء من “مخططات الفساد السياسي والإداري المفروضين على الشعب العراقي بواسطة الاحتلال وإفرازاته الخبيثة”، مبيّنا أن “العدوان والاحتلال هما أقسى أشكال الإرهاب وهو الذي أفرز الممارسات الإجرامية الأخرى”.

وقال إنّ “ما أوجده الاحتلال من مشروع سياسي، وانتخابات مزيفة، وطبقة فاسدة، هي التي أوصلت العراق إلى هذا الحال”، داعيا العراقيين إلى “التصدي لهذا المشروع الخطير”.

وشدّد المرجع المعروف بمناهضته للاحتلال الأميركي وما ترتّب عنه على أنّ “الشعب العراقي بعد أن رأى ممارسات وثمار الاحتلال، يرفض أن يساق مرة أخرى إلى خدعة الانتخابات المزيفة وسياسة أناس مارسوا الطائفية واختنقوا بالحزبية حتى حوصروا بالفردية والأنانية”.

وقال إنّ “الذهاب إلى صناديق الزيف والخديعة” (الانتخابات)، بمثابة مشاركة في المنكر.

وعلّق مراقب سياسي عراقي على كلام الشيخ الخالصي بالقول إنّ “رأيه في الانتخابات الحالية لا يخرج عن موقفه المبدئي من مسألة الاحتلال الأميركي، فالرجل اتخذ منذ البدء موقفا منددا بكل ما يمكن أن ينتج عن ذلك الاحتلال على أساس بطلان كل ما تجعل منه سلطة الاحتلال أمرا واقعا. وهو موقف يعتمد على رؤية دينية وقانونية مزدوجة. ما دفع الشيخ الخالصي إلى أن يعتبر كل الانتخابات السابقة غير شرعية وفي الوقت نفسه غير قانونية”.

وليست دعوة المرجع العراقي إلى مقاطعة الانتخابات شعبيا، يضيف المراقب ذاته، بالجديدة، “غير أنها تستند هذه المرة إلى رفع شعار محاربة الفساد بقطع الطريق أمام الفاسدين. وهو شعار بالإمكان توظيفه في هذه المرحلة بالذات، حيث صار الشعب يائسا من إمكانية الإصلاح أو التغيير في ظل تمسك الأحزاب الدينية التي صنعت آليات الفساد بالسلطة. الأمر الذي قد يؤدي إلى أن تفعل دعوة الشيخ الخالصي هذه المرة ما لم تفعله في المرات السابقة. فهي تستمد قوّتها من حالة غليان شعبي لا تكفي الوعود الانتخابية للحد من تحولها إلى انفجار، سيكون الشارع الشيعي هذه المرة مصدره”.

ويشدّد المراقب العراقي على أنّ “إشارة الخالصي إلى زيف الانتخابات ستكون محلّ قبول شعبي بعد تجارب انتخابية سابقة كرّست من خلالها التكتلات الحزبية وجودها في السلطة من أجل إعادة توزيع الغنائم بينها. وهو ما يعني أن الانتخابات تستعمل كوسيلة لإضفاء شرعية جديدة على نظام كان قد فقد شرعيته بسبب فساد طاقمه”.

ولا يتردّد متابعون للشأن العراقي في تصنيف الانتقادات الحادّة للعملية السياسية من داخل الدوائر الدينية الشيعية، باعتبارها جزءا من حالة تمرّد على النفوذ الإيراني الذي عملت طهران عبر سنوات على إقامته على أساس طائفي.

لكنّ ما فشل فيه النظام الإيراني أنّه لم يستطع أن يمنع الضّرر الذي طال العراقيين جميعا عن المكوّن الشيعي الذي حاول ذلك النظام الاعتماد عليه بشكل خاصّ، ما جعل حالة الغضب من السياسات الإيرانية تطال ذلك المكوّن نفسه. ودأب سكان العاصمة بغداد وعدد من محافظات جنوب البلاد حيث أهم معاقل شيعة العراق، على الخروج في مظاهرات تكاد تكون منتظمة احتجاجا على تردّي أوضاعهم المعيشية.

الشارع الشيعي العراقي الذي اتخذ رافعة لتجربة الحكم الجديدة مرشح لأن يحتضن انتفاضة متوقعة ضدها

وكثيرا ما تحوّلت المظاهرات إلى حالة من الغضب العارم من الطبقة السياسية، بل من إيران ذاتها التي تقف وراءها عبر شعارات تنادي بالحدّ من النفوذ الإيراني في البلد على غرار “بغداد حرة وإيران على برّة”.

وتنظر إيران بريبة شديدة لأي محاولة للتحرّر من هيمنتها على القرار السياسي العراقي وتتصدّى له عبر أذرع قوية لها من قادة أحزاب وميليشيات شيعية.

وتكون تلك الأذرع فاعلة في كبح جماح السياسيين وفرملة أي توجّهات تحرّرية لديهم، غير أنّها تكون محدودة التأثير حين يتعلّق الأمر بتمرّد مراجع شيعية.

ويطلق اسم التيار الخالصي على المرجعية المنسوبة إلى الشيخ مهدي الخالصي (الجدّ) أحد قادة ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني للعراق. وللتيار منهج فقهي متفرّد يميل إلى التسامح بين المذاهب وعدم الغلوّ، كما اشتهر هذا التيار بمعارضته السياسية لتجارب الحكم التي توالت على العراق. وعلى هذه الخلفية عارض التيار الاحتلال الأميركي للبلد ودعا إلى مقاومته.

3