مناخ التطرف وانتشار الإرهاب المسلح ينتعشان في لبنان

الجمعة 2015/01/30
لبنان الهدف المقبل للجماعات المتطرفة

بيروت - التطرف ينتج تطرفا مقابلا وضديدا، تصدق هذه المسلمة على الحالة السياسية اللبنانية المركّبة، حيث أسهمت «عراقة» الإسلام السياسي الشيعي في تسريع نسق إنتاج أو نمو التنظيمات الإسلامية السنية التي ارتفع منسوب نشاطها على خلفية عوامل متضافرة أهمها حزب الله بما يقدمه وجوده ونشاطه من استفزاز طائفي.

بدأ تنظيم القاعدة ينشط علنا في لبنان قبل الأزمة السورية سنة 2011، وذلك منذ العام 2007 مع صعود نشاط تنظيم “فتح الإسلام” و”كتائب عبدالله عزام” و”سرايا زياد الجراح”.

وذكرت بعض التقارير الإعلامية أن تنظيم الدولة الإسلامية قد أصبح له وجود في طرابلس ومدن لبنانية أخرى، بعد أن أعلن عن نفسه في الموصل واستغل الفوضى الأمنية في المنطقة ليتسرب إلى لبنان.

وقد قالت تقارير أممية، إن بعض المدن المحسوبة على السنة في لبنان، قد بدأت تعطي انطباعا أن خطر التطرف الإسلامي قد تسرب إليها، “إذ يوحي مشهد الرايات السوداء الجهادية في بعض المدن اللبنانية بأن التنظيمات الجهادية لا تتردد في الإعلان عن نفسها في لبنان، وأن لديها بيئة حاضنة وثقة بالنفس”، حسب تقرير صادر عن مركز كارنيغي الأميركي للشرق الأوسط.

وقد أكد التقرير أن مناخ ازدهار الإسلام السياسي في الوطن العربي بشكل عام، أدى إلى تغذية الإسلاميين المسلحين بدعم معنوي جعل من انتشارهم أكثر سرعة وخطورة.

في المقابل، فإن الساحة اللبنانية معروفة ومنذ سبعينات القرن الماضي بازدهار حركات الإسلام السياسي المسلحة الشيعية، فكانت البداية سنة 1975 مع رجل الدين الشيعي موسى الصدر الذي أسس حركة أمل، والتي انبثقت عن حركة المحرومين الشيعية.

وبذلك، يؤكد باحثون أن فلسفة الطائفية وتكوين مجموعات سياسية على أرضية دينية ومشروعية فقهية قد كانت مع الشيعة في لبنان، لتتطور تلك العقيدة لتصل إلى بلورة الحركة الإسلامية السياسية المسلحة (شيعية) وهي حزب الله في منتصف ثمانينات القرن الماضي. وتؤكد عدة دراسات، أن وجود قوة عسكرية هامة تحتكرها دوائر حزب الله الشيعية يستفز الطوائف الأخرى برمتها، خاصة السنة، وهذا ما أدى إلى تنامي التطرف المقابل للتطرف الشيعي، وبالتالي تكونت النواتات المسلحة باسم السنة.

ويظهر إعلان الدولة الإسلامية عن تشكيل فرع له في لبنان، الصائفة الماضية، أن هناك تطورا في قدرة التنظيم الذي يقوم عمله على اختراق أجهزة الأمن من خلال العمل الاستخباراتي والرشاوى والفساد، حيث يعتمد التنظيم على الخلايا النائمة أكثر من الجهد العسكري الذي تميّز به تنظيم القاعدة وزعيمه أيمن الظواهري.

شعور السنة بالمرارة تجاه حزب الله أعمق مما يبدو وقد استغلته الجماعات المتطرفة للانتشار وتهديد الأمن

وهذا يعني أن تنظيم داعش بات يستهدف اختراق المؤسسات الأمنية من الداخل، وبشكل مباشر من خلال عمليات الاغتيالات والتهديدات التي يتلقاها ضباط التحقيق والقضاة. وتمتلك أجهزة الأمن اللبنانية، سواء كانت مخابرات الجيش اللبناني أم شعبة المعلومات التابعة لقوى الأمن الداخلي أو الأمن العام، الكثير من البيانات وقاعدة معلومات موسعة عن المجموعات السلفية الجهادية المتطرفة في لبنان، وهو ما مكّنها من إلقاء القبض على ماجد الماجد أواخر العام 2013 وعلى مسؤولين آخرين عن هذه المجموعات كانوا مرتبطين بالتفجيرات الانتحارية منذ صيف العام 2013، كما استطاعت هذه الأجهزة أن تحصر الملاذات والحواضن الجهادية على الرغم من أنها تلتجئ إلى الأحياء السكنية الشعبية السنية في المدن اللبنانية والمخيّمات الفلسطينية. وبالنظر إلى التركيبة الطائفية والدينية التي يزخر بها لبنان، فإن النزوع نحو التطرف أمر مطروح وممكن في سياق التكوين النفسي والاجتماعي لتلك الطوائف، ولعل السنة هم الطائفة الأكثر حساسية بين كل تلك الطوائف بالنظر إلى المعطى الديني والعددي ومراكز النفوذ التي يتقاسمونها مع طوائف أخرى خاصة الشيعة. ولكن ثمة مجموعة من العوامل وراء الارتفاع الأخير في وتيرة التطرّف السنّي في لبنان. وتتمثّل تلك العوامل في تزايد استياء السنّة من حزب الله، الذي يعتبر قوة سياسية وعسكرية مؤثّرة.

بلغ العداء بين السنّة وحزب الله أوجه عام 2013، عندما أعلن الحزب الشيعي تدخّله عسكريا لدعم قوات بشار الأسد في سوريا. بيد أن شعور السنّة بالمرارة تجاه حزب الله أعمق مما يبدو. إذ يتّهمه كثيرون بالوقوف وراء الاغتيالات التي استهدفت قادة من الطائفة السنّية اللبنانية في العقد الماضي، وأضعفت الزعامة السياسية للمعسكر المناهض للأسد في لبنان بصورة كبيرة.

ولا يمكن طبعا إخفاء الدور السياسي الإيراني في تقوية الجبهة الداخلية وامتدادها السياسي للبنان، وهو حزب الله، ولعل تأكيد العديد من المراقبين على أن القوة التي تدفع دائما في اتجاه نزاع طائفي في لبنان، يكون انعكاسا للاقتتال الطائفي في العراق وسوريا ومناطق عربية أخرى كاليمن وهي إيران، رغم الدعوات المتكررة لأصوات من داخل لبنان تنادي إلى نبذ العنف والاحتكام للحوار.

ومن ناحية أخرى، فإن عدد اللاجئين القادمين من سوريا بحثا عن ملاذ آمن من الحرب مع نظام بشار الأسد والجماعات المتشددة، خاصة بعد أن أضعفت التنظيمات الإرهابية الجيش السوري الحر، قد أدى إلى تسرب عناصر جهادية إلى لبنان لدعم حضور التطرف وتأسيس خلايا لداعش أو القاعدة في البلاد، خاصة في المناطق السنية. وقد أعلن وزير الشؤون الاجتماعية في لبنان وجود أكثر من مليون لاجئ سوري في لبنان، وهو “ما من شأنه أن يزيد في تركيز العناصر المتطرفة القادمة من سوريا في نقاط بعينها فتصبح مخيمات اللاجئين معسكرات للمسلحين المتطرفين”. وهو ما عبّر عنه مركز كارنيغي لدراسات الشرق الأوسط، بتحليله لأسباب زيادة انتشار الإسلام الحركي المتطرف في بلد كلبنان.

13