منازل المبدعين

الأحد 2016/02/14

تتفاوت مقامات منازل الأدباء والفنانين تبعا لاهتمام الدول وأحيانا تبعا لطبقة أصحابها وأهمية بعضهم لسياحة الدولة، فمنزل فيكتور هيغو الفخم المطل على ساحة ذات حدائق تحمل اسمه بأثاثه الكلاسيكي المبهر ولوحاته الثمينة وستائره المخملية الثقيلة وسجاده الموسوم برموز النبالة يبدو مناقضا تماما لمنزل روائي الواقعية الفرنسية أونوريه دي بلزاك ذلك المبنى المتواضع بطوابقه الثلاثة وسلالمه الخشبية العتيقة ذات الصرير ويكسو أرضية البيت سجاد رث حتى ليبدو أشبه بكوخ فلاح فقير تموّهُ تواضعه الداخلي أشجار حديـقته المهجورة التي يختـفي بيـنها تـمثال نصـفي عابـس الملامح لبـلزاك وأمـامه مصـطبة هـرمة ونـافورة عـاطلة اكتـسحت حوضها الحـشائش.

يقول الفرنسيون إن العـطلات لا تكتمل بهجتها دون قراءة إحدى روايات بلزاك، وأن الإقـامة في باريس لا طـعم لها إن لم يـطّلع المرء على تـراثها الفني والأدبـي وما خلـفه فنانوها وأدبـاؤها العـظام من مـــــنازل تحولت إلى متاحف تحفـظ مأثوراتهم وظـلالهم المـترنحة وأصوات أبطالهم وانعكاسات أهوائـهم. فلتدخل بيت بلزاك من باب جانبي ليقودك السلم إلى الطابق الثالث فيخيّل إليك أنك تسمع مناجيات “الأب غوريو” أو تتسلل إليك تنهدات “امرأة في الثلاثين” وفي كل ركن ترى مشاهد من”الكوميديا الإنسانية” سلسلته الروائية الكبيرة التي ضمنها عناوين فرعية عن طبائع البشر وقصصا عن الحياة الباريسية وتلمح أشباحا لأبطال مروا بين يدي العبقري البدين الذي بدد سنوات عمره في الكتابة على نحو مجنون حتى أنه أنجز نحوا من 90 رواية ليحقق شيئا من الثراء بعد أن كان الدائنون يلاحقونه وهو يتهرب منهم متورطا في استثمارات خائبة.

بيت بلزاك يكاد يبدو خاويا إلا من بعض أثاث رث ورسومات تخطيطية بالحبر أنجزها الكاتب ولوحة زيتية تمثل السيد المسيح على الصليب في غرفة عمل بلزاك حيث المنضدة العارية والكرسي الوحيد المنجد بقماش الكانفاس والستائر الحمراء المتجانسة مع ورق الجدران الأحمر، ويلفت نظرك في الغرفة شيء وحيد ينبئ عن عادات بلزاك اليومية فترى على رفّ إلى يمين المكتب إبريق الشاي ووعاء تحضير القهوة اللذين رافقاه وهو يكتب سلسلته الكوميديا الإنسانية في مكتبه الذي يطل اليوم على استاد رياضي يحاذي نهر السين، يقع بيت بلزاك في منطقة باسيه قرب غابة بولونيا وقد استأجره أولا من مالكه ثم اشترى البيت بكامله حين جمع ثروة طيبة من العمل المجنون في الكتابة ليصبح جديرا بالزواج من معشوقته البولندية “الكونتيسة هانسكا” التي بادلته الحب طوال خمسة عشر عاما عبر الرسائل حتى توفي زوجها الكونت فتزوجها بلزاك سنة 1850 ولم تدم سعادته طويلا إذ توفي في 18 أغسطس من السنة ذاتها بمرض القلب بعد حياة حافلة بالكفاح والإنجاز.

حين أنهينا تجوالنا في الطوابق العلوية هبطنا السلالم الخشبية المترنحة فخيّل إليّ أنني أرى وجه بلزاك مغمورا بسعادات الحب الأخيرة يبتسم مزهوا برومانسيته ومحاطا بهالة عبقريته ورائحة المجلدات العتيقة في مكتبته التي تضم بعض رسوماته ومسودّاته التي ترك عليها تشطيبات بقلمه وثمة مخطوطة لرواية “بداية في الحياة” وعنوانها الثانوي “دراسة طبائع” والتي يتحدث فيها عن تطور وسائل النقل وتغير الحياة الباريسية تبعا لسرعة التواصل بين الريف والمدينة، ومهما يكن من أمر فإن بيت بلزاك على تواضعه لهو أفضل ألف مرة من مصائر بيوت مبدعينا الراحلين المهملة التي لم تأبه بها سلطات الثقافة في بلداننا وتاجر بها الورثة الجاحدون وتخلصوا من مكتباتها ثم باعوها لتغدو أسواقا ومطاعم.

كاتبة من العراق

11