مناضلون بلا عنوان

مسألة القيمة وما يتصل بها من معايير ورمزيات، فلا تهم في موازين “المناضلين الثقافيين”، هي محصلة غير ثابتة، ولا مؤكدة، ولا يمكن الحسم فيها.
الأربعاء 2018/06/20
تفشي ظاهرة "المناضلين الثقافيين" لوحة: نور بهجت

“مناضلون بلا عنوان، مناضلون في أي مكان…”، يختصر مطلع هذا النشيد، الذائع الصيت، في ذهني دوما معنى أن يتحول النضال إلى حرفة وهواية وإدمان على حد سواء، على النحو الذي يكف فيه عن الوجود بوصفه ضرورة وفعلا شجاعا، إلى الحضور بما هو ادعاء وابتزاز، حيث نكون دوما جاهزين للاحتجاج ورفع عقيرتنا بالصراخ، والتلويح بالقبضات، والانخراط في موجة الهيجان العصابي، المرافق لأحاسيس المظلومية.

ولعله مما يلفت الانتباه في السياق الثقافي العربي الراهن، بعد انتكاسات ما سمي بالربيع العربي، تفشي ظاهرة “المناضلين الثقافيين” ممن يفتقرون إلى المواهب، وممن يقيمون أي تحقق فكري أو فني أو إبداعي بوصفه نتيجة لفساد كامن بمكان ما، في الأرجاء والحنايا، قد يتصل بأنظمة الحكم وقد يمتد لدور النشر والصحافة والجامعة والرابطة الأدبية والمقهى الأدبي، أي إلى منظومة مجتمع الأدب وسياقات تداوله، تقييم لا ينظر إلى الأدب إلا عبر ما يتصل به من منافع، مهما كانت ضئيلة، إذ لا يجب أن تنفرد به أسماء محظوظة، دون سائر الناس، فهي يا سادة مكاسب ممولة من المال العام، وريع يجب أن يوزع بالعدل والقسطاس بين أهل القلم والقرطاس.

أما مسألة القيمة وما يتصل بها من معايير ورمزيات، فلا تهم في موازين “المناضلين الثقافيين”، هي محصلة غير ثابتة، ولا مؤكدة، ولا يمكن الحسم فيها، فالأساس في كل تجربة إبداعية هو الرصيد الكمي، وما يفرزه من أرقام، من لديه خمس روايات يجب أن تكون له قيمة توازي، على نحو ثابت، مكانة كل من له خمس روايات بالمطلق، ومن له كتاب نقدي واحد فهو ناقد مبتدئ يتساوى في ذلك الجميع، ومن يضع أمام اسمه حرف دال فهو زميل لكل من سبقه إلى ذلك اللقب، منذ طه حسين، وأي تمييز بين المقامات هو فساد ثقافي، وهذا الفساد تحديدا ليس فسادا بالذات وإنما بالصفات، حيث يتخذ له مظاهر شديدة التعقيد، قد تبدأ بغرفة الفندق ولا تنتهي بالجائزة، وقد تتدرج من الحظوة إلى العمالة التامة.

بناء على كل ذلك، عزيزي القارئ، يندر في أنظمة التسلط الشمولي (التي تتأسس على مزاعم الجماهيرية) أن يزدهر الإبداع الروائي أو الشعري أو المسرحي، فمن حق الجميع أن يكتب، ومن واجب الدولة أن تطبع وتنشر، كما لا يمكن أن يتطور البحث الجامعي وما يتصل به من فكر  نقدي، فمن حق الجميع أن يرتقي أعلى الدرجات الأكاديمية، ليس بالإنتاج وإنما بالديمقراطية وبالمساواة.

15