مناطق "خفض التصعيد": تكتيك عسكري للتصعيد

أصبح الخطر الأكبر على النظام السوري وروسيا هو التواجد الأميركي في شمال البلاد، ويتطلب التصدي لهذا الخطر القضاء على ما تبقى من جيوب للمعارضة السورية.
السبت 2018/02/24
الهدنة في الغوطة الشرقية مجرد تكتيك حربي روسي

في مواجهة الضغوط الدولية لوقف حملة القصف المكثفة التي يقوم بها كل من النظام السوري وروسيا على الغوطة الشرقية في ريف دمشق، اقترحت موسكو على مجلس الأمن هدنة تشمل جميع المناطق باستثناء الغوطة الشرقية.

وبينما انطلق الاقتراح الدولي من القلق الشديد على المدنيين الذين سقط منهم نحو ألف بين قتيل وجريح في غضون ثلاثة أيام فقط، انطلق الاقتراح الروسي من تكتيك الاستفادة من وقف إطلاق النار على كل الجبهات، من أجل تكثيف عمليات الإبادة والتدمير في الغوطة الشرقية.

الهدنة بهذا المعنى هي مجرد تكتيك حربي يجري استخدامه لإدارة المعارك، حيث يختار النظام السوري وروسيا المكان والزمان المناسبين لانتهاك الهدنة وفتح جبهة جديدة يجري فيها حشد الموارد العسكرية والبشرية، وذلك بعد تقييد الجبهات الأخرى باتفاقيات هدنة ترعاها الدول الإقليمية.

وقد بدأ هذا التكتيك قبل نحو عشرة أشهر مع التوصل إلى اتفاق “مناطق خفض التصعيد” برعاية روسية – تركية – إيرانية. وقد جرى بالفعل خفض العمليات القتالية، بل وتوقفها الكامل في بعض المناطق بعد سريان الاتفاق، ولكن الهدف لم يكن “خفض التصعيد” وحماية المدنيين وتكثيف الجهود نحو الحل السياسي كما ادعى الاتفاق، وإنما تركيز التصعيد في منطقة تلو الأخرى، ومساعدة الحكومة السورية على استعادة المزيد من الأراضي.

لم يكن هذا التكتيك الحربي ممكنا في سنوات الثورة الأولى. ففي ظل المشاركة الشعبية الواسعة وتأسيس فصائل عسكرية محلية اشتعلت المئات من الجبهات الصغيرة المتناثرة في طول البلاد وعرضها وهو ما أنهك النظام السوري وحزب الله وإيران الذين استنزفوا وكانوا على وشك خسارة المعركة في العام 2015 قبل أن يأتي التدخل الروسي ليجنبهم الانهيار. في تلك المرحلة، كانت المعارضة السورية في موقع الهجوم فيما قبعت قوات النظام السوري وحلفاؤها في موقع الدفاع.

في ظل موازين القوى الحالية، تبدو مناطق المعارضة الحلقة الأضعف، ومن المتوقع أن تكون عرضة للهجوم المستمر منطقة بعد أخرى

وبالاستفادة من التطورات الإقليمية والدولية في الملف السوري، نقلت القوة الروسية حلفاءها من مرحلة الدفاع إلى الهجوم. وتمثلت تلك التطورات بتراجع الاهتمام العربي بصورة عامة بالوضع السوري، وتراجع الدعم العسكري للمعارضة السورية المسلحة مع اهتمام الدول الداعمة بمسائل تمسها بصورة مباشرة. كما أوقفت الولايات المتحدة الأميركية، مع وصول الرئيس دونالد ترامب للبيت الأبيض، دعم المعارضة السورية المسلحة.

وفي المقابل، وصلت مساعي تركيا في لعب دور مهيمن في الحرب السورية إلى طريق مسدود وسلمت بالهزيمة طالبة من روسيا مساعدتها في معالجة هاجسها الأمني الأول، وهو خطر نشوء كيان سياسي كردي ذي حكم ذاتي على امتداد حدودها الشمالية.

ومقابل دعم موسكو، تراجع الدعم التركي للمعارضة المسلحة وأصبح منوطا بتحقيق الأهداف السياسية التركية التي يجري رسمها في غرفة عمليات مشتركة مع إيران وروسيا. وكانت أولى نتائج قطع الدعم عن المعارضة هو سقوط مدينة حلب بيد النظام وحلفائه في نهاية العام 2016.

بعد تلك الضربة الموجعة للمعارضة السورية بنحو ستة أشهر، وقّعت الأخيرة اتفاق مناطق “خفض التصعيد” الذي ساعد النظام السوري وروسيا وإيران على تكثيف عملياتها العسكرية في مناطق تقوم باختيارها بما يتناسب مع الأولويات العسكرية والسياسية وتحركات اللاعبين الآخرين.

كان الهدف الرئيسي للاتفاق هو السباق مع الولايات المتحدة الأميركية على غنيمة تنظيم داعش في شمال وشرق سوريا. فحتى مع التدخل العسكري الروسي والقوة النارية الهائلة التي أدخلتها موسكو للحرب، لم يكن بإمكان النظام السوري وحلفائه إرسال أعداد كافية من المقاتلين لانتزاع مناطق تنظيم داعش الذي كان يتهاوى بسرعة أمام الضربات الأميركية. كان لا بد من اتباع تكتيك حربي جديد يعمل على وقف القتال في كل مكان والتركيز على الحرب على تنظيم داعش.

رضخت المعارضة السورية رغم شكوكها العميقة بما يتعلق باتفاق وقف التصعيد، إذ لم تكن لديها خيارات كثيرة بسبب ارتهانها للدعم الخارجي. إذ شحت مصادر دعمها العسكري، فيما واصلت تركيا تقديم دعم محدود مرتبط بأجندتها السياسية.

ومع هزيمة تنظيم داعش وسيطرة النظام السوري وحلفائه على المساحات التي تركها التنظيم في ريف حلب وفي دير الزور، عاد النظام السوري، بدعم إيراني وروسي، لفتح جبهات جديدة بدأها في ريف حماه وريف إدلب، وها هو ينتقل اليوم إلى الغوطة الشرقية.

في ظل موازين القوى الحالية، تبدو مناطق المعارضة الحلقة الأضعف، ومن المتوقع أن تكون عرضة للهجوم المستمر منطقة بعد أخرى خلال العام الحالي.

لقد أصبح الخطر الأكبر على النظام السوري وروسيا هو التواجد الأميركي في شمال البلاد، ويتطلب التصدي لهذا الخطر القضاء على ما تبقى من جيوب للمعارضة السورية حيث أمكن ذلك، مستفيدين من آلية “وقف التصعيد” كأداة لإدارة الحرب والتصعيد.

8