مناطق عازلة وحظر طيران: أمل سوري ولو كان وهما

السبت 2014/11/08

منذ سنتين ونصف بدأ النظام السوري باستخدام الأسلحة الثقيلة والطيران الحربي لقمع الثورة التي طالبت بإسقاطه، وطال القصف والتدمير كل منطقة أو بلدة مؤيدة للثورة أو يمكن أن تكون حاضنة الثوار، وهذا ما أدى إلى أن تكون النسبة الكبرى من الضحايا في سوريا (نحو 300 ألف قتيل) هم من المدنيين، وطالبت المعارضة السورية المجتمع الدولي بمساعدتها في إقامة منطقة عازلة أو منطقة حظر طيران يحتمي فيها المدنيون الهاربون من النظام، إلا أن محاولاتها بائت بالفشل.

لم يوفّر النظام السوري وسيلة لتكبيد الحاضنة الشعبية للثورة خسائر إلا ومارسها، فحاصر القرى والبلدات ثم قصفها بالمدفعية بعيدة المدى، وأطلق صواريخه البالستية القديمة ذات الدقة المنخفضة والقوة التدميرية الكبيرة على المدن من بعد مئات الكيلومترات، واستخدم سلاح الطيران لتدمير أحياء مأهولة بحجة تواجد بعض الكتائب الثورية فيها، وأسقط مئات البراميل المتفجرة من المروحيات بشكل عشوائي.

اعتقدت المعارضة السياسية السورية أن إقامة منطقة آمنة على الحدود بين تركيا وسوريا، أو بين الأردن وسوريا أمر ممكن يمكن أن يحتمي بها المدنيون الهاربون من الحرب وطالبت المجتمع الدولي بإقامتها، وأكّدت أن حظرا للطيران فوق أجزاء من سوريا سيؤمن البيئة والمكان لبناء جيش محترف قادر على إسقاط النظام، لكن أحدا لم يحوّل هذه الفكرة إلى شيء ملموس من الدول أصدقاء المعارضة السورية. لا شك أن المنطقة الآمنة مع حظر طيران توفّر فرصة لحماية المدنيين الهاربين من جحيم الحرب، وتُعتبر أرضا صالحة لتدريب عناصر المعارضة المسلحة، ونقطة بداية لخطوات عملية دولية أخرى، سياسية واقتصادية وعسكرية، باتجاه إنهاء الأزمة السورية، وعاملا مساعدا في محاربة الإرهاب بشقيه، النظام وتنظيم الدولة الإسلامية الذي بات خطرا يهدد المدنيين في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام.

ليس خافيا أن الجيش السوري لا يستطيع الوقوف في وجه أي حظر طيران أو خرق أي منطقة آمنة يعلن عنها الأميركيون، وهذا يدفع إلى الاعتقاد بأن ما يمنع قيام المنطقة الآمنة هو فقط عدم الرغبة الأميركية أو الرفض الروسي. لكن المعارضة السورية تقلل من أهمية موقف روسيا، وتقول إن الرفض الروسي لإقامة منطقة آمنة لا معنى له إن كانت الولايات المتحدة جادة في إقامتها، وتُحمّل الولايات المتحدة المسؤولية عن عدم إقامة مثل هذه المنطقة، ويقولون إن أقوى دولة في العالم لا تدعم هذه الفكرة لأنها لا تريد زعزعة عرش الرئيس السوري، وتريد استنزاف كل القوى السورية والإقليمية.

جزء من هذا الكلام قد يكون صحيحا، لكن الولايات المتحدة ليست العائق الوحيد أمام إقامة مثل هذه المناطق في سوريا، فهناك جملة من الشروط ينبغي توفرها قبل القيام بهذه الخطوة، وهي ليست سهلة أبدا.

المنطقة الآمنة المطلوبة في سوريا يجب أن تكون خالية من قوات النظام ومقترنة بمنطقة حظر جوي، وهي إما أن تكون قريبة من الحدود الشمالية لسوريا مع تركيا أو الحدود الجنوبية مع الأردن، ويجب أن تصل إلى عمق حده الأدنى 20 كم على طول الحدود، وهي مساحات شاسعة تحتاج إلى حماية هائلة، وتتفاقم المشكلة عند النظر إلى الحدود السورية مع تركيا والتي تبلغ 850 كم، أو الحدود السورية مع الأردن والتي تبلغ 375 كم، ممّا يجعل إقامة منطقة عازلة على طول هذه الحدود مهمة مستحيلة تقريبا دون جيش هائل وتمويل من المجتمع الدولي.

لضمان نجاح هذه المنطقة العازلة يجب صدور قرار بحظر الطيران فوقها، وتنظيم دوريات لطائرات رادار ومقاتلات، كما تتطلب التثبت من أن سوريا لن تلجأ إلى استخدام دفاعاتها الجوية أو سلاح الطيران، وعليه من المفترض تدميرها أو شل قدراتها، أو الحصول على شرعية دولية عبر قرار أممي تحت الفصل السابع يجيز اللجوء إلى القوة في حال خرق النظام السوري لها، وهو ما سيصطدم بفيتو روسي وصيني مؤكد.

وعلى الأرض، ولمنع دخول قوات النظام ومقاتلي التنظيمات الإرهابية، لا يكفي نشر دبابات على طول هذه المنطقة، بل يجب نشر قوات، إقليمية ودولية، وهو ما ترفضه الدول الغربية التي أشارت إلى أنها لن تُورط جنودها في حرب أخرى في الشرق الأوسط.

ترى بعض قوى المعارضة السورية أن كل هذه العقبات ثانوية، وأن أميركل وحلفاءها قادرون على التحرك من خارج مجلس الأمن لإقامة منطقة عازلة وحمايتها بحظر جوي، وسيقوم الجيش الحر بحمايتها برا.

لاشك أن إقامة مناطق عازلة وحظر طيران سيحميان الكثير من المدنيين، ويساعدان الجيش الحر على التدريب، والحكومة المؤقتة على الاستقرار بالداخل، وسيقلبان موازين القوى مع النظام، كما سيمنعان تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا، لكن الغرب لم يتجاوب ولم يهتم بكل هذه “المغريات”، وعدم الاكتراث الدولي هذا لم ولن يوقف السوريين عن التعلّق بهذه الفكرة حتى ولو كانت وهما.


إعلامي سوري

9