مناطق في العالم تعيش حياة بدائية في عصر الثورة الرقمية

جهود نشر تكنولوجيا الطاقة المتجددة لتوليد الكهرباء لم تنقذ مناطق نائية من الظلام.
الأربعاء 2019/06/12
الدول الفقيرة متأخرة على صعيد الوصول إلى الكهرباء

استبشر العالم بالتطور التكنولوجي والثورة الرقمية اللذين كانا من المتوقع أن يقع استثمارهما بشكل مكثف لتخليص العالم من مشاكله المتعددة خاصة في المناطق النائية منه، وعلى الرغم مما تقدمه هذه التكنولوجيا من حلول، بقيت دول كثيرة في العالم النامي وأخرى فقيرة محرومة من أبسط الضروريات، إذ يعيش الكثير من سكان أفقر البلدان وأبعد المناطق دون كهرباء. وتقدر أرقام للبنك الدولي بأن نحو مليار شخص يعيشون دون كهرباء، ومئات الملايين يعيشون بإمدادات غير منتظمة أو مكلفة، ولم تخلّص الثورة الرقمية هؤلاء من حياة بدائية بل إنهم مهددون بمواصلة العيش في الظلام مستقبلا إذا لم يقع تزويدهم بالطاقة.

واشنطن - في الوقت الذي تسعى فيه مدن مثل نيويورك ولندن وشنغهاي الصينية التي تزخر بناطحات السحاب، إلى جعل عماراتها الشاهقة أقلّ استهلاكا للطاقة وأكثر مراعاة للبيئة، مازلت مناطق نائية في العالم تعيش دون كهرباء. وفيما تريد الدول المتقدمة التي تملك أنظمة إنارة متطورة ومكيفات هواء وأجهزة تدفئة متقدمة جدا ومصاعد متعددة وغيرها من الأنظمة التي تستهلك قدرا كبيرا من الطاقة وتصدر كمية هائلة من انبعاثات غازات الدفيئة إلى تعزيز مكانتها الرائدة في النضال من أجل المناخ، فإن العديد من الدول مازلت تعيش في الظلام، يضاف إليها ما تعانيه من مشكلات بيئية واقتصادية واجتماعية خانقة.

وحسب خبراء البنك الدولي يشكل تعميم الحصول على الطاقة تحديا بالنسبة للمجتمع الدولي، لأن من يعيشون دون هذه الخدمة حتى اليوم، إما يقيمون في مناطق نائية، وإما أنهم فقراء. وفي المدن، هناك مجتمعات فقيرة لا تزال دون إمدادات كهرباء وينبغي أن يسهل الوصول إليها، على الرغم من أن العشوائيات التي يقيم فيها الكثير من هؤلاء الفقراء قد يتعذر خدمتها ببنية تحتية دائمة، أما بالنسبة للأسر في المناطق النائية، فيمكن أن يكون تمديد الشبكة الرئيسية باهظ التكلفة. وحتى استخدام أنظمة خارج الشبكة لخدمة هذه المجموعات السكانية المنخفضة الكثافة يمكن أن يشكل تحديا ماليا.

ويعد نقص القدرة الكافية لتوليد الكهرباء، وضعف البنية التحتية للنقل والتوزيع، وارتفاع تكاليف الإمداد للمناطق النائية، أو مجرد نقص القدرة على تحمل تكاليف الكهرباء، من أكبر العقبات التي تعترض سبيل توسيع نطاق الكهرباء القائمة على الشبكة. أما بالنسبة للكهربة خارج الشبكة، بما في ذلك الشبكات المصغرة، فإن أكبر التحديات هي السياسات الضعيفة، وعدم كفاية الأنظمة، ونقص التخطيط والدعم المؤسسي، ونقص التمويل لأصحاب المشاريع من خارج الشبكة، وقدرة الأسر الأكثر فقرا على تحمل التكاليف.

وكان من المتوقع في السنوات الأخيرة أن تنجح الثورة الرقمية التي يشهدها العالم في إزالة متاعب السكان وتسهيل عملية توسيع نطاق الوصول إلى الطاقة الحديثة المنتظمة والمستدامة، إلا أن توزيع الطاقة مازال يسير بشكل بطيء في الدول الفقيرة حيت تركز الجهود على الحد من استهلاك الطاقة بدل توفيرها لمن يحتاجها.

وسبق أن أشار تقرير الذكاء الاصطناعي وقطاع الطاقة الصادر عن معرض الشرق الأوسط للكهرباء إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر بشكل كبير على الأدوار الوظيفية في قطاع الطاقة إقليميا، حيث من المتوقع حدوث تغيرات كبيرة في وظائف عمليات معامل توليد الطاقة الكهربائية والصيانة مع تزايد الاعتماد على الحساسات والتحول الرقمي والتعلم الآلي. وشرح كيف يمكن أن يؤدي تبنّي الذكاء الاصطناعي إلى الاستفادة في تعزيز كفاءة الطاقة، وقدّم توليد الكهرباء وإدارة الإنارة الطرقية كأمثلة أساسية على المواضع التي يمكن للذكاء الاصطناعي فيها أن يعزز من إنتاج الأنظمة التي تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع إتاحة إمكانية اتخاذ القرارات في الوقت الحقيقي ليمكّن المشغلين من التعرف السريع على القدرات ومتطلبات الاستثمار.

ومع ذلك يعتقد الخبراء والمراقبون أن هذه الجهود غير كافية لتعميم الطاقة في العالم. ويستنتج هؤلاء أن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بدل أن تقدم حلولا للدول المنكوبة والفقيرة، عمقت الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين دول الشمال والجنوب، ولم تغيّر وجه العالم إلى الأفضل كما وعدت.

دول دون كهرباء

لتوفير الكهرباء للأسر الأشد فقرا والأكثر صعوبة من حيث الوصول إليها، ستكون الحلول خارج الشبكة، بما في ذلك استخدام الطاقة الشمسية للإضاءة وأنظمة الطاقة الشمسية المنزلية والشبكات الصغيرة بشكل متزايد، أمرا بالغ الأهمية
لتوفير الكهرباء للأسر الأشد فقرا والأكثر صعوبة من حيث الوصول إليها، ستكون الحلول خارج الشبكة، بما في ذلك استخدام الطاقة الشمسية للإضاءة وأنظمة الطاقة الشمسية المنزلية والشبكات الصغيرة بشكل متزايد، أمرا بالغ الأهمية

بعد عقد من التقدم المطرد، بلغ المعدل العالمي لتوفير الكهرباء 89 بالمئة وكان 153 مليون شخص يحصلون على الكهرباء كل عام. وعلى الرغم من ذلك يظل التحدي الأكبر في المناطق النائية على مستوى العالم وفي أفريقيا جنوب الصحراء حيث لا يزال 573 مليون شخص يعيشون في الظلام.

ولا يزال ضمان حصول الجميع بتكلفة ميسورة على خدمات الطاقة الحديثة المنتظمة والمستدامة بحلول عام 2030 ممكنا، غير أنه سيتطلب بذل المزيد من الجهود المستمرة، ولاسيما للوصول إلى بعض أفقر سكان العالم وتحسين استدامة الطاقة، وذلك حسبما ورد في تقرير أممي صدر حديثا.

وحذر تقرير أعدته خمس مؤسسات دولية من أن 650 مليون شخص بالإجمال، هو عدد الذين لن يتمكنوا من الحصول على الكهرباء في 2030 في العالم، خصوصا في أفريقيا جنوب الصحراء، إذا لم يُتخذ التزام سياسي قوي.

وأضافت معلومات جمعتها الوكالة الدولية للطاقة والوكالة الدولية للطاقات المتجددة والأمم المتحدة، والبنك الدولي ومنظمة الصحة العالمية أن “الحصول على الطاقة قد أحرز تقدما كبيرا في السنوات الأخيرة، وتراجع عدد الأشخاص الذين ليس لديهم كهرباء من 1.2 مليار في 2010 إلى مليار في 2016 والى حوالي 840 مليونا” في 2017. من جهة أخرى، بلغت نسبة الاستخدام العالمي للكهرباء 89 بالمئة، ويحصل 153 مليون شخص إضافي على الكهرباء كل سنة.

فاتح بيرول: أشعر بقلق بالغ بسبب الافتقار الكبير إلى طاقة حديثة في أجزاء من العالم، لاسيما في أفريقيا جنوب الصحراء
فاتح بيرول: أشعر بقلق بالغ بسبب الافتقار الكبير إلى طاقة حديثة في أجزاء من العالم، لاسيما في أفريقيا جنوب الصحراء

وتُعد الهند وبنغلاديش وكينيا وبورما من بين البلدان التي تسجل أهم تقدم منذ 2010، كما لاحظ ذلك معدو هذا التقرير الذي نشرت نسخته الرابعة في مايو الماضي.

وتقيس هذه الدراسة التقدم على صعيد الطاقة، بالنسبة إلى الهدف الشامل المتمثل بتأمين طاقة بأسعار معقولة وموثوقة ومستدامة وحديثة للجميع حتى 2030.

ويبدو أن جهودا كبيرة قد بذلت لنشر تكنولوجيا الطاقة المتجددة من أجل توليد الكهرباء وتحسين فعاليته في جميع أنحاء العالم. إلا أن أفقر البلدان وأكثر المناطق النائية في أفريقيا جنوب الصحراء، هي التي تحرز تقدما بطيئا.

وأقر فاتح بيرول، المدير التنفيذي للوكالة الدولية للطاقة بالحاجة إلى بذل المزيد من الجهد لوضع العالم على المسار الصحيح لتحقيق جميع مقاصد الطاقة العالمية المحددة في أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030. وأعرب بيرول عن قلقه قائلا “إنني أشعر بقلق بالغ بسبب الافتقار الكبير إلى إمكانية الحصول على طاقة موثوقة وحديثة ومستدامة في أجزاء معينة من العالم، ولاسيما في أفريقيا جنوب الصحراء، وهي منطقة يتعين علينا تركيز جهودنا عليها في حقيقة الأمر”. وأكد أن الوكالة الدولية للطاقة ستواصل تعاونها مع البلدان والمنظمات للتأكد من أن الحلول الناجحة يجري نشرها بكفاءة حتى لا تتخلى ثورة الطاقة المستدامة عن أي شخص. وسلط التقرير الضوء أيضا على التأخير في استخدام الطاقة المتجددة للتدفئة والنقل. وقد شكلت هذه الطاقات 17.5 بالمئة من إجمالي استهلاك الطاقة في 2016 مقارنة بـ16.6 بالمئة في 2010.

وتبدو هناك حاجة إلى زيادة كبيرة أخرى في الطاقة المتجددة من أجل أن تصبح تكلفة أنظمة الطاقة ميسورة ومنتظمة ومستدامة، مع التركيز على الاستخدامات الحديثة. ولأن مصادر الطاقة المتجددة آخذة في التحول إلى اتجاه سائد، يجب أن تشمل السياسات ذات الصلة دمج مصادر الطاقة المتجددة في نظام الطاقة الأوسع نطاقا وأن تأخذ في الاعتبار الآثار الاجتماعية والاقتصادية التي تؤثر على استدامة عملية التحول وسرعتها.

 وقد شهدت كفاءة استخدام الطاقة تحسينات أكثر استدامة في السنوات الأخيرة، وذلك بفضل الجهود المنسقة في مجال السياسات في الاقتصادات الكبيرة. وعلى الرغم من ذلك، لا يزال المعدل العالمي لتحسين كثافة الطاقة الأولية متراجعا، وتشير التقديرات إلى حدوث تباطؤ كبير في عامي 2017 و2018.

 وسيكون تعزيز السياسات الإلزامية لكفاءة استخدام الطاقة، وتوفير الحوافز الضريبية أو المالية الموجهة، والاستفادة من الآليات المستندة إلى السوق، وتوفير معلومات عالية الجودة عن كفاءة استخدام الطاقة أمورا أساسية لتحقيق هذا الهدف.

الأمل في الطاقة الشمسية

حلول بدائية
حلول بدائية

لتوفير الكهرباء للأسر الأشد فقرا والأكثر صعوبة من حيث الوصول إليها، ستكون الحلول خارج الشبكة، بما في ذلك استخدام الطاقة الشمسية للإضاءة وأنظمة الطاقة الشمسية المنزلية والشبكات الصغيرة بشكل متزايد، أمرا بالغ الأهمية.

وقد أعطت الطاقة الشمسية بارقة أمل وغيّرت حياة الكثيرين من عدة دول من ذلك سكان مالاوي، وهو بلد غير ساحلي في جنوب شرقي أفريقيا، ويعاني أزمة كهرباء طاحنة.

ومالاوي بلد فقير، حيث يعيش 53 بالمئة من سكانه (18.62 مليون) تحت خط الفقر، وتتوفر الطاقة الكهربائية لـ10 بالمئة فقط من السكان. وحتى الفئة المحظوظة بالتيار الكهربائي لا تنعم به باستمرار؛ بسبب انقطاعه المتكرر، لتخفيف الأحمال. يوميا، تتوفر الكهرباء لما بين 6 و10 ساعات، وأحيانا ينقطع التيار لثلاثة أيام.

أمام ذلك المشهد الصعب، ظهر بصيص أمل في قرية تشيموالا، حيث واجهت النساء القرويات الثماني هذا التحدي، وفي النهاية تمت إضاءة الريف. وأصبحن ماهرات في إدارة محطات الطاقة الشمسية الصغيرة، رغم حصولهن على التعليم الابتدائي فقط.

وتحظى مالاوي بإمكانات شمسية غير مستثمرة، بمعدل ثلاثة آلاف ساعة من أشعة الشمس سنويا. لكن رغم ذلك، تعد مالاوي أقل دول العالم وصولا إلى الكهرباء.

وحسب البنك الدولي هناك نماذج إيجابية أخرى، حيث حقق عدد من البلدان تقدما واضحا في توسيع نطاق الوصول إلى الكهرباء في السنوات الأخيرة – وهناك عوامل مشتركة بين هذه المجموعة. ويشمل ذلك الالتزام السياسي المستمر وتوفير التمويل اللازم، وإيجاد السياسات والحوافز، والمؤسسات القوية، والتوازن الصحيح للحلول المعتمدة على الشبكة أو خارج الشبكة. كما قامت البلدان الناجحة بتحقيق التوازن بين هدف الجدوى المالية لموردي الكهرباء والحاجة إلى إبقاء أسعار المستهلكين في المتناول، على سبيل المثال من خلال الاستخدام الاستراتيجي والموجه للتمويل العام. ويمكن أن يتخذ تطبيق هذه الخطوات أشكالا مختلفة، اعتمادا على الظروف المحلية.

ومن بين البلدان الرائدة في مجال الطاقة الشمسية دولة الإمارات العربية المتحدة التي أطلقت العام الجاري عبر شركة أبوظبي لطاقة المستقبل “مصدر”، أنظمة “نور” للطاقة الشمسية المنزلية تعزيزا لجهودها في مجال توفير حلول الطاقة المتجددة التجارية المخصصة للمجتمعات النائية الواقعة خارج نطاق شبكة الكهرباء في جميع أنحاء العالم.

وتمثل أنظمة “نور”، التي تحمل علامة “مصدر” التجارية، حلا متكاملا للطاقة من حيث قابلية “التوصيل والتشغيل” وتتكون من لوحة ضوئية موصولة ببطارية تعمل بالطاقة الشمسية. ويمكن لهذه التقنية أن توفر طاقة كهربائية موثوقة دون أن تترك أي تأثيرات سلبية على البيئة، كما بالإمكان استخدامها لتشغيل أجهزة ومعدات كهربائية من ضمنها المصابيح والمراوح والثلاجات وأجهزة التلفاز.

وقد نجحت وحدة خدمات الطاقة في “مصدر” حتى الآن في تركيب نحو 28 ألف نظام منزلي للطاقة الشمسية في كل من المغرب وأفغانستان ومصر ودول جزر المحيط الهادئ. ويقدم المغرب نموذجا إيجابيا آخر في توفير وترشيد استهلاك الطاقة منذ افتتاحه في عام 2016 محطة “نور 1″ للطاقة الشمسية والتي يطمح من خلالها إلى تغطية 24 بالمئة من احتياجاته من الطاقة بحلول عام 2020.

ويشدد الخبراء على توفير الطاقة عبر حلول مدعومة ببيئة تمكينية تشمل كل ما هو صحيح على صعيد السياسات والمؤسسات والتخطيط الاستراتيجي واللوائح والحوافر، لتحقيق الأهداف المرجوة وهي: وصول شامل للكهرباء. وحذر هؤلاء من أن الفشل في توفير الطاقة سيعيق التنمية الاقتصادية في الدول الناشئة. وعلى الرغم مما تحقق من خطوات، فإن هذا التقدم لا يكفي لتحقيق الأهداف والغايات المتعلقة بالطاقة في أجندة عام 2030.

ينطبق ذلك بصفة خاصة على البلدان النامية والبلدان الأقل نموًا، والبلدان النامية غير الساحلية، والدول النامية الجزرية الصغيرة. حسب ستيفان شوينفيست، مدير شعبة الإحصاءات في إدارة الأمم المتحدة للشؤون الاقتصادية والاجتماعية، الذي أشار إلى وجود ثغرات في الإحصاءات الرسمية بالنسبة لهذه البلدان.

واستنتج أنها بحاجة إلى استثمارات في النظم الإحصائية للطاقة للحصول على بيانات أفضل لتوجيه السياسة بدقة ودفع التنمية المستدامة.

Thumbnail
12