"مناعة القطيع" السويدية تسود العالم قريبا

تجربة السويد في مواجهة كورونا تستقطب أنظار العالم بعدما حافظت على مظاهر الحياة مقارنة بدول أوروبية أخرى.
الأربعاء 2020/05/20
السويد نجحت في تعزيز مستوى المناعة بين الشباب والأصحاء

لندن - مثّل تعاطي السويد في مواجهة وباء كورونا استثناء مقارنة ببقية دول العالم وخاصة الدول الغربية التي اختارت اللجوء إلى إجراءات متشددة عبر اتخاذ قرار الحجر الصحي التام في مرحلة أولى وهو ما عطّل حركة الناس وشل الاقتصاد الدولي.

وبدلا من الإعلان عن الحظر الصحي الشامل أو فرض حالة الطوارئ، طلبت السويد من مواطنيها الالتزام بالتباعد الاجتماعي بصفة طوعية. كما فرضت السلطات حظر التجمعات العامة لأكثر من 50 شخصا، وألغت عمل قطاعات عدة كالمحاماة، وفرضت سياسة التعلم عن بُعد في المدارس الثانوية والجامعات، وما إلى ذلك، لكنها تجنبت الضوابط المتشددة وفرض الغرامات والشرطة.

وتطرقت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية لهذا الاستثناء السويدي مرجحة أن تسود الإجراءات التي اتخذتها هذه الدولة الأوروبية مختلف دول العالم بعدما حافظت طيلة أشهر على نسق الحياة بشكل نسبي.

لقد غير السويديون سلوكهم، ولكن ليس بشكل عميق مثل مواطني الديمقراطيات الغربية الأخرى. حيث لا تزال العديد من المطاعم مفتوحة، رغم  أنها لا تحظى بعدد كبير من الزوار. كما لا يزال الأطفال الصغار يذهبون إلى المدرسة. وعلى النقيض من النرويج المجاورة، لم تطرح السويد أمام مواطنيها تقنيات أو تطبيقات تتبع للمرضى المشتبه بهم، وبالتالي تجنبت التهديدات للخصوصية والاستقلالية الشخصية.

ولم تعلن السلطات السويدية رسميا عن هدف الوصول إلى مناعة القطيع، التي يعتقد معظم العلماء أنها تتحقق عندما يُصاب أكثر من 60 في المئة من الشعب بالفايروس.

لكن زيادة المناعة هي بلا شك جزء من الإستراتيجية الأوسع للحكومة، أو على الأقل نتيجة محتملة لإبقاء المدارس والمطاعم ومعظم الشركات مفتوحة.

وتوقع أندرس تيغنيل، كبير علماء الأوبئة في وكالة الصحة العامة السويدية، أن تتمكن مدينة ستوكهولم من الوصول إلى مناعة القطيع في وقت مبكر من هذا الشهر.

وبحسب تصريحات عالم الرياضيات بجامعة ستوكهولم توم بريتون، فإن 40 في المئة من المناعة في العاصمة قد تكون كافية لوقف انتشار الفايروس هناك وأن هذا يمكن أن يحدث بحلول منتصف يونيو.

وحازت السويد على الثناء في بعض الأوساط للحفاظ على بعض مظاهر الحياة الاقتصادية على الأقل والحفاظ على معدل وفيات الفرد فيها أقل من بلجيكا وفرنسا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا والمملكة المتحدة، لكنها تعرضت لانتقادات في أوساط أخرى لتجاوزها معدلات الوفيات للفرد في دول الشمال الأوروبي الأخرى وخاصة، لفشلها في حماية مواطنيها من كبار السن والمهاجرين.

ووفقا لتيغنيل، يمثل الأشخاص الذين يتلقون خدمات التمريض ورعاية المسنين في السويد ما يصل إلى 50 في المئة من وفيات فايروس كورونا، ويرجع ذلك بشكل جزئي إلى أن العديد من المرافق تباطأت بشكل كبير في تنفيذ تدابير الحماية الأساسية مثل ارتداء القناع.

وعانى المهاجرون من أزمة كورونا في السويد، ويرجع ذلك إلى كونهم أكثر فقرا ويميلون إلى العمل في قطاع الخدمات، حيث عادة ما يكون العمل عن بعد مستحيلا. لكن السلطات السويدية جادلت بأن ارتفاع معدل الوفيات في البلاد سيبدو أقل نسبيا في ما بعد.

لم تكن استجابة السويد مثالية، لكنها نجحت في تعزيز مستوى المناعة بين الشباب والأصحاء  أولئك المعرضين لخطر الإصابة بمضاعفات خطيرة من فايروس كورونا. ولم تتجاوز أعداد المصابين طاقة استيعاب وحدات العناية المركزة في البلاد، ولم يضطر موظفو المستشفيات، على الرغم من الضغط عليهم، على الأقل إلى القيام بمسؤوليات رعاية الأطفال الإضافية لأن دور الحضانة والمدارس لا تزال تعمل.

وسواء اعتنقت بشكل علني النهج السويدي أم لا، فإن العديد من الدول الأخرى تحاول الآن محاكاة جوانب منه. مثال على ذلك، أعادت كل من الدنمارك وفنلندا فتح المدارس للأطفال الصغار. كما تسمح ألمانيا بإعادة فتح المحلات التجارية الصغيرة.

نهج السويد تجاه فايروس كورونا يعكس الثقافة المميزة للدولة
نهج السويد تجاه فايروس كورونا يعكس الثقافة المميزة للدولة

وستعيد إيطاليا قريبا فتح المتنزهات، وتمتلك فرنسا خطة للسماح بإعادة فتح بعض الأنشطة التجارية غير الضرورية، بما في ذلك أسواق المزارعين والمتاحف الصغيرة، وكذلك المدارس ومراكز الرعاية النهارية.

وفي الولايات المتحدة، التي لديها حتى الآن أكبر عدد مطلق من حالات الوفيات المبلغ عنها، تعمل العديد من الولايات على تخفيف القيود بناء على حث الرئيس دونالد ترامب، الذي رغم انتقاده للنموذج السويدي، إلا أنه يدفع البلاد نحو نهج مشابه له.

وتوجد أسباب وجيهة كي تبدأ الدول في تخفيف قيودها. حيث سوف يستغرق الأمر عدة سنوات لإحصاء العدد الإجمالي للوفيات وحالات الإفلاس وحالات التسريح من العمل والانتحار ومشاكل الصحة العقلية والخسائر في الناتج المحلي الإجمالي والاستثمارات والتكاليف الأخرى التي لا تعزى فقط إلى الفايروس ولكن إلى التدابير المستخدمة لمكافحته.

ومع ذلك، يجب أن يتضح أن التكاليف الاقتصادية والاجتماعية لعمليات الإغلاق باهظة: حيث تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن كل شهر من فرض القيود المتعلقة بالوباء سيقلص اقتصادات الدول المتقدمة بنسبة اثنين في المئة.

 ووفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة ستشهد اقتصاداتها تقلصا بأكثر من 25 في المئة في غضون عام. وترتفع البطالة إلى مستويات لم يسمع بها منذ الثلاثينات من القرن الماضي، مما أدى إلى تأجيج ردود الفعل السياسية وتعميق الانقسامات الاجتماعية.

ولن تدوم عمليات الإغلاق ببساطة على مدى الوقت الذي سيستغرقه على الأرجح لتطوير اللقاح. لكن استعادة الحياة شيئا فشيئا ستقلل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وقد يسمح ذلك أيضا للشعوب ببناء مناعة ستكون في النهاية هي الخيار الأقل سوءا لمحاربة فايروس كورونا على المدى الطويل.

ولا تزال الكثير من المعلومات حول المرض غير مفهومة بشكل جيد، ولكن الدول التي تطبق الآن قوانين الإغلاق يمكن أن تواجه حالات تفش جديدة وأكثر شدة في المستقبل القريب. ولكن إذا اتبعت هذه الدول النهج السويدي “مناعة القطيع”، فإن التكلفة الإجمالية للوباء ستنخفض، ومن المرجح أن تنتهي في وقت أقرب.

ويعكس نهج السويد تجاه فايروس كورونا الثقافة المميزة للدولة، وقد لا يكون من السهل تكرار جوانب منها في مكان آخر. وعلى وجه الخصوص، قد لا يتجاوز الاعتماد على التوصيات الرسمية والمسؤولية الفردية الدول الاسكندنافية. فالسويد دولة خاصة تتميز بالوصول إلى مستويات عالية من الثقة، ليس فقط بين الناس ولكن بين الناس والمؤسسات الحكومية. وتم إعداد السويديين لأخذ التوصيات الطوعية على محمل الجد بطريقة قد لا ينفذها مواطنو الدول الأخرى.

7