منافسة حامية بين مرشحي الشارع ومرشحي السيستام لرئاسة تونس

تبادل الفضائح على مواقع التواصل الاجتماعي يجلب اهتمام التونسيين أكثر من البرامج الانتخابية.
الجمعة 2019/09/06
لاشيء يشد الانتباه في البرامج الانتخابية

ثماني سنوات صعبة من المخاض الانتقالي كانت كلفتها عالية وقاسية على التونسيين، تجعل من وعود المرشحين للانتخابات الرئاسية غير كافية لإقناع الناخب الذي ملّ الوعود، ويتطلع بأمل ضعيف، من تجارب السنوات السابقة، إلى تونس جديدة.

تونس – ببرامج متشابهة لكن بعناوين متعددة انطلقت الحملة الانتخابية في تونس وسط تساؤلات حول قدرة مرشحي الرئاسة البالغ عددهم 26، والذين يقسمهم التونسيون إلى «مرشحي الشارع» و"مرشحي السيستام" (المنظومة الحاكمة)، على إقناع الناخب التونسي على اختيار أحدهم رئيسا جديدا، وسيكون في نظرهم قادرا على قيادة البلاد والعبور بها إلى بر الأمان والاستقرار بعد سنوات عسيرة من الانتقال الديمقراطي.

أطلق مرشحو الرئاسة حملات الدعاية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لحشد الناخبين للتصويت لهم في الانتخابات المقررة في 15 سبتمبر والتي تمثل اختبارا جديدا للديمقراطية الناشئة في البلاد أعقاب انتفاضة يناير 2011.

لكن إقناع التونسيين بالمشاركة في الاقتراع واختيار رئيسهم مهمة ليست بالسهلة بل تضيف التحديات إلى مرشحي الرئاسية، كما تشكل تحديا لطريق إنجاح وتثمين العملية الديمقراطية في تونس، وسط توقعات بعزوف عقابي شبيه بالانتخابات المحلية في مايو 2018، حيث لم تعد الوعود تغري الشارع وبصفة خاصة الفئة الشابة منه.

تنظر أحلام بن نصر، وصديقتها، ريم السعيدي إلى القوائم الملصقة على الحائط وهما تتبدلان الضحكات على صور المرشحين وشعاراتهم الملصقة على الحائط المخصص في أحد الشوارع الرئيسية بالعاصمة.

أوس اللبان: يجب تحسين ورقمنة المعاملات اليومية للتونسيين بالخارج
أوس اللبان: يجب تحسين ورقمنة المعاملات اليومية للتونسيين بالخارج

تعكس لامبالاة أحلام وريم، وهما في العشرينات من العمر، موقف الكثير من الشباب في تونس، الذين يعتبرون أنفسهم خارج اهتمام هذا الصراع المحموم على كرسي قرطاج، كما يتوقع نفس الشي بالنسبة للانتخابات التشريعية القادمة.

تقول أحلام لـ»العرب» إنها لا تتوقع الكثير على مستوى التغيير لكن أقصى ما تطمح إليه هو رئيس «لا يقلب «الدنيا، ويدخلنا في متاهات جديدة». وتؤيدها صديقتها ريم بقولها «لن تحدث معجزة، ولا ننتظر ذلك لكن على الأقل يحكم البلاد رئيس يحافظ على ما حققه بورقيبة والسبسي».

استياء الشباب مرده عدم وفاء نخب ما بعد ثورة يناير في توفير فرص عمل وتنمية عادلة ، كما وقع تهميشهم في الشأن العام وظل حضورهم ضعيفا.

في المقابل، يتحدث الحاج حمادي بن نصيب، بحكمة السنين، قائلا لـ»العرب»، «الوضع صعب لا شك في ذلك، لكن علينا أن نتأقلم ونجتهد، لا بد من التصويت وأن نختار الأفضل، حتى لم يكن مستوى التطلعات كبيرا».

ويضيف «حماية البلاد من كل من يضمر لها السوء، يكون بقطع الطريق على هؤلاء وذلك من خلال التصويت».

الأكثر كفاءة

كان سقف آمال الشارع التونسي مرتفعا أعقاب الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، غير أنه تهاوى مع زيادة معدلات البطالة وغلاء المعيشة والدخول في أزمة اقتصادية خانقة، فيما انشغل السياسيون بمعارك الاستحواذ على السلطة والنفوذ متجاهلين مشاغل المواطن الحقيقية.

منذر ثابت: التصويت سيكون وفق معطيات التشكل الهيكلي للرأي العام
منذر ثابت: التصويت سيكون وفق معطيات التشكل الهيكلي للرأي العام

ولا يخفي الكثير من التونسيين شعورهم بالضيق من معدلات التضخم العالية التي بلغت في يونيو الماضي 7.8 بالمئة. وظلت معدلات البطالة في
حدود 15.2 بالمئة مقارنة بنحو 12 بالمئة في 2010. كما يشكو التونسيون أيضا من تراجع مستوى الخدمات العامة في العديد من القطاعات مثل الصحة والتعليم والنقل.

وقد عبر التونسيون في احتجاجات متفرقة عن الإجراءات المتقشفة التي باشرتها الحكومة بهدف إنعاش الاقتصاد، تستجيب فيها لشروط المانحين الدوليين، غير أن كلفتها عالية على المواطن. ولا شك أن هذه الاصطلاحات القاسية وسعت الهوة بين الشارع والنخب السياسية.

ويشعر الكثير من التونسيين بوقع الإجراءات غير الشعبية على حياتهم حيث زادت كلفة القروض بشكل كبير وأصبح الحصول عليها غير متاح للجميع. كما يشتكي سكان المناطق الداخلية من التهميش ونقص التنمية واستشراء الفساد والمحسوبية وهي نفس الأسباب التي تسببت في احتجاجات حاشدة أطاحت ببن علي في 2011.

ويقول لسعد ناجي، وهو موظف تونسي من طبرقة بالشمال الغربي، لـ”العرب”، “لا أنتظر من الرئيس أي شيء لأني على يقين من أن ساكن قرطاج الجديد ليس في إمكانه تغيير الوضع بمفرده”. ويعتقد ناجي أن “مشكلة تونس أكبر من انتخاب رئيس.. ومن هي الشخصية التي ستفوز بهذا المنصب؟”. ويشرح قائلا “مشكلة تونس في سياسييها وفي إعلامها وفي أغلبية شعبها الذي يرفض المشاركة في الانتخابات”.

وعلى عكس ناجي تبدي هبة البرينصي في حديثها لـ”العرب” تفاؤلا بمستقبل أفضل في المرحلة السياسة الجديدة التي ستدشنها تونس. وترى أن منصب الرئيس الجديد يجب أن يتوج به المرشح الأكثر كفاءة. وتقول “لو المترشح للرئاسة له من الكفاءة ما تخول له الفوز بالرئاسية، أعتقد أنه بوسعه أن يقدم رؤية جديدة للتونسيين”. وتتابع “أنا أميل لأن أمنح صوتي للمرشح الأكثر كفاءة فهو سيكون قادرا على مواجهة الصعوبات التي تنتظره”.

البرامج الانتخابية محدودة وغير قادرة على إقناع الناخب
البرامج الانتخابية محدودة وغير قادرة على إقناع الناخب

وبالنسبة لانتظارات التونسيين في الخارج من الرئيس الجديد فهي لا تقل أهمية على انتظارات الداخل. وللإشارة انطلقت الحملة الدعائية للأحزاب السبت في خارج البلاد وفي دول أوروبية على غرار فرنسا وإيطاليا، بالنسبة إلى بعض المرشحين للرئاسة من الـ26 الذين يخوضون السباق نحو قصر قرطاج.

ويدعو أوس اللبان، رئيس جمعية أتوج بالمملكة المتحدة في حديثه لـ”العرب”، مرشحي الرئاسية إلى “ضرورة تحسين ورقمنة المعاملات اليومية للتونسي مع قنصلياته في العديد من البلدان”. مشيرا إلى نقائص في الترويج لصورة تونس في الخارج حيث وقع التركيز على الجانب السياسي ومحاسن الموسم الصيفي فيما وقع التغافل على الترويج لثقافة وتاريخ تونس.

ويضيف اللبان “تونس لها عمل جمعياتي متطور وهام بالخارج، ومن المهم تدعيم العلاقات بين هذه الجمعيات والمؤسسات الجديدة”. وتعد الجالية التونسية بالخارج بمثابة جسر يربط تونس بالعالم. ويلفت اللبان إلى أنه بوسع هذه الجالية أن تكون شريكا هاما وان تدعم النمو بالبلد غير أن هناك صعوبات تحول دون ذلك. على الصعيد الاقتصادي مثلا: البيروقراطية، عدم تسهيل المعاملات المصرفية”.

رموز جديدة

ناجي لسعد: ساكن قرطاج الجديد ليس في إمكانه تغيير الوضع بمفرده
ناجي لسعد: ساكن قرطاج الجديد ليس في إمكانه تغيير الوضع بمفرده

يرى خبراء أن البرامج الانتخابية غير كافية لاستقطاب الناخب التونسي في توجهات رأي جديدة كشفت عنها نتائج سبر الآراء المحلية التي تكشف استمالة لمرشحين من خارج “السيستام” مثل نبيل القروي أو جمعية عيش تونس، حيث تتراجع حظوظ الأحزاب التقليدية.

لكن لا يعتقد المحلل السياسي منذر ثابت أن المشهد السياسي في تونس إزاء سردية صراع البرامج بل في سردية صراع الرموز اعتبارا لأزمة الثقة المستفحلة بين الطبقة السياسية والشارع، وبالتالي التصويت سيكون وفق معطيات التشكل الهيكلي للرأي العام، ومن المرجح آن يكون التصويت عقابيا أو لصالح مرشحين من خارج دائرة الحكم.

ويتابع ثابت في تصريح لـ”العرب”، “مختلف دراسات الرأي تؤكد صعود أو تصاعد شعبية ورموز الحراك الشعبي مقابل تراجع إشعاع مرشحي السيستام”.

وبالنظر إلى ما تم عرضه إلى حد الآن من رؤى وبرامج انتخابية. لا يلاحظ ثابت تجديدا حقيقيا في الرؤى والتصورات بما أن العلاقات الخارجية، حسب أغلب المرشحين، لا تزال ضمن حيز الحياد السلبي تجاه التطورات الإقليمية والدولية، كما أن جل أطروحات ملف الأمن القومي بقيت إجابات نمطية.

ولا يستبعد المراقبون أن تكون نتيجة الانتخابات “مليئة بالمفاجآت”. ويرى ثابت أن الصراع حول كرسي الرئاسة سينحصر بين مرشحي السيستام ومرشح الشارع “نبيل القروي”.

ويستند في ذلك إلى استطلاعات الرأي التي تضع القروي في المراتب الأولى لنوايا التصويت. غير أنه اشترط الحفاظ على المناخ الانتخابي والحملات الدعائية وعلى الشفافية وتكافؤ الفرص بين المرشحين.

ويرى الناشط الحقوقي مصطفى عبدالكبير أن البرامج الانتخابية محدودة وغير قادرة على إقناع الناخب. ويقول لـ”العرب” أن “الانتظارات تراجعت من مطالب التنمية والشغل إلى مطلب توفير المياه الصالحة للشرب والكهرباء…”.

اقرأ أيضا:

الناجي جلول: قطع العلاقات مع سوريا غباء

لطفي المرايحي: الحياد أساس العلاقات الخارجية

6