منافسة خفية بين القاهرة وأنقرة لقطف ثمار التدخل في ليبيا

مذكرات تفاهم واتفاقيات تعاون بين مصر وليبيا لا تزعج تركيا سياسيا.
السبت 2021/09/18
السباق يشتدّ نحو التموقع الاقتصادي في ليبيا

اشتدت المنافسة المصرية - التركية على ملفات إعادة الإعمار ومشاريع الاستثمار في ليبيا، بعد أن دخلت القاهرة في سباق قطف الثمار من الاقتصاد الليبي، بإيعاز من حكومة عبدالحميد الدبيبة، وإبرام اتفاقات تعاون لا تزعج أنقرة ومصالحها السياسية.

القاهرة - بدأ الخلاف بين مصر وتركيا يتخذ منحى اقتصاديا في إطار منافسة حول أيهما يستحوذ على جزء كبير من كعكعة الاستثمارات في ليبيا، ووجدت حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة في هذا الأمر خيارا مريحا ربما يساعدها على المواءمة بين البلدين ويمكنها من تبديد شكوك القاهرة في انحيازها إلى جانب أنقرة.

وكشفت اجتماعات اللجنة العليا المصرية – الليبية المشتركة في القاهرة الخميس، عن استعداد الدبيبة لتقديم إغراءات اقتصادية سخية لمصر تجعلها تلعب دورا حيويا في بعض المشروعات الواعدة وتفتح الباب أمام عودة رسمية للعمالة المصرية في ليبيا.

وأسهم التقارب الحاصل بين القاهرة وأنقرة في تراجع حدة الخلافات نسبيا، لكنه يظل محتفظا بدرجة من سخونته في ليبيا بسبب الهيمنة العسكرية التي تفرضها تركيا على غرب ليبيا، وما تمثله رعايتها للمرتزقة والمتطرفين من تهديد للأمن القومي المصري.

وحرصت تركيا على تجنب الصدام مع مصر أمنيا، وألمحت إلى إمكانية التفاهم معها في النواحي الاقتصادية، غير أن القاهرة لم تتجاوب معها ووضعت حلّ الأزمة الليبية في المقدمة، حيث تتحكم تركيا في الكثير من تفاصيلها ما يمنع مصر من تحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية.

وكشفت مصادر سياسية لـ”العرب” أن القاهرة وضعت منذ عام رؤية للعودة الاقتصادية إلى ليبيا ووجدت في رعايتها للمسار الاقتصادي فرصة مكنتها من فهم الكثير من آلياته، وكانت هناك عقبتان، الأولى توتر العلاقة مع حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، والثانية تحكّم تركيا في الكثير من الأمور في طرابلس.

جهاد عودة: الاتفاقيات جاءت ضمن خطة توافقت عليها مصر وليبيا
جهاد عودة: الاتفاقيات جاءت ضمن خطة توافقت عليها مصر وليبيا

وأضافت المصادر ذاتها أن العودة تطلبت تحسين العلاقات مع القوى الفاعلة في غرب ليبيا، الأمر الذي جعل القاهرة تتعامل بإيجابية مع حكومة الدبيبة باعتبارها تمثل عنوانا لمرحلة جديدة، وتطور الانفتاح مع عودة السفارة المصرية للعمل في طرابلس، وزيارة رئيس الحكومة إلى طرابلس في أبريل الماضي بعد أسابيع قليلة من تسلم الدبيبة مهام منصبه، كإشارة إلى طي الصفحة الماضية.

وبقيت العقدة الثانية (تركيا)، وكان السؤال المطروح كيف تتمدد مصر اقتصاديا وسط نفوذ تركيا الأمني الواسع، لذلك واصلت القاهرة المطالبة بتقويضه من خلال العمل على تنفيذ قرار مجلس الأمن الخاص بخروج جميع القوات الأجنبية والمرتزقة وتفسّره مصر على أنه يعني تركيا أولا.

ولم ترهن القاهرة عودتها إلى طرابلس بهذه العقدة ومضت في خطين متوازيين، المطالبة بخروج قوات تركيا والسعي حثيثا نحو التواجد الاقتصادي، بما يحمل فوائد عدة تتمثل في الحضور على الأرض فعليا وما ينطوي عليه ذلك من رسائل جيدة للقوى السياسية في الغرب، ومحاولة جني مكاسب اقتصادية في إطار الفرص الاستثمارية الواعدة في ليبيا.

وألمحت تركيا إلى إمكانية تعايشها مع مصر في ليبيا، على الأقل في النواحي الاقتصادية، لأن ما تطمح أنقرة إلى تحقيقه خاص بمشروعات تتصادم فيها مع قوى كبرى، مثل فرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، وكلها لها نفوذ اقتصادي تاريخي في ليبيا لن تتساهل فيه.

وأشار المحلل السياسي جهاد عودة إلى أن الاتفاقيات الموقعة أخيرا جاءت ضمن خطة توافقت عليها الحكومة المصرية مع الليبية، وهناك مستوى مرتفع من التفاهمات بين الطرفين مصحوب برغبة شعبية ورسمية ليبية لتكرار النموذج المصري في مجال التنمية.

الطموحات المصرية تنحصر في مشروعات البنية التحتية بينما تنظر تركيا إلى المشروعات ذات الفائدة الاستراتيجية

وذكر في تصريح لـ”العرب” أن ضبط الموقف التركي من القضايا الإقليمية لن يكون مجاله الداخل الليبي فقط، لكنه يندرج ضمن مشاورات تجريها القاهرة وأنقرة على مستويات دبلوماسية مختلفة لتحقيق تقارب بينهما.

وتنحصر الطموحات المصرية في مشروعات إعادة الإعمار والبنية التحتية والكهرباء والإسكان وإنشاء الطرق والكباري، وجميعها لا تتعارض كثيرا مع مصالح قوى كبرى وتتناسب مع أهداف القاهرة في هذه المرحلة، بينما تنظر تركيا إلى المشروعات ذات الفائدة الاستراتيجية.

ووقعت مصر وليبيا أربع عشرة مذكرة تعاون اقتصادي في مجالات الصناعة والتجارة والإسكان والتشييد والنفط والغاز والزراعة والطيران والإنقاذ البحري، والاتفاق على تنفيذ ستة عقود مع شركات مصرية تشمل مشروعات مختلفة في شرق وغرب ليبيا.

وأكد الخبير الاقتصادي المصري وليد مدبولي أن الاتفاقيات الاقتصادية تصب في صالح تحقيق المزيد من الاستقرار في ليبيا، ما ينعكس إيجابا على تأمين الحدود ومنع تمدد العناصر الإرهابية إلى مصر، فالاتجاه نحو إعادة الإعمار يشجع الليبيين على ممارسة حياتهم وتستفيد مصر من تشغيل شركاتها في سوق مفتوحة.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن مصر تريد أن تمتلك نفوذا سياسيا واقتصاديا لتقويض مساعي دول أخرى (تركيا) لها مصلحة في التمدد والتوغل في ليبيا، بالتالي فجهودها التنموية تساعد على تحقيق أهدافها المتعلقة بالحفاظ على الأمن القومي.

وليد مدبولي: مصر تريد أن تمتلك نفوذا سياسيا واقتصاديا في ليبيا
وليد مدبولي: مصر تريد أن تمتلك نفوذا سياسيا واقتصاديا في ليبيا

وأوضح أن مصر لها خبرة في السوق الليبية بما تملكه من خبرات متراكمة عبر عقود، وما حققته شركاتها من نتائج مبشرة في الداخل المصري والآليات التي جرى التوافق عليها مع الحكومة الليبية من العوامل التي تسهم في زيادة التعاون الاقتصادي.

ويمثل انتشار الميليشيات في ليبيا خطرا وجوديا على المشروعات التي تنفذها مصر، فإما أن تصطدم بها وإما تخضع لابتزازها، لأن الأوضاع الراهنة مليئة بالتوترات، ومهما بلغ نفوذ الأمن المصري في اختراق بعض الجماعات المسلحة ستظل تصرفاتها غير مأمونة حيال العمالة المصرية المتوقع تزايدها.

وخلال زيارة قام بها الدبيبة لأنقرة في أغسطس الماضي تمت مناقشة عودة الشركات التركية إلى العمل في ليبيا، وبحث سبل معالجة المشكلات القائمة بشأن موضوع خطابات الضمان والديون المتراكمة، والاتفاق على وضع تسهيلات إدارية وفنية تساعد على زيادة التبادل التجاري.

ويعمل الدبيبة على توفيق أوضاعه بين مصر وتركيا ويحافظ على علاقته مع الجانبين من خلال الورقة الاقتصادية التي يبدو أنها ستكون العنصر المهم في يد حلفائه من القوى الإسلامية لكسب ود القاهرة الفترة المقبلة.

ورحب المجلس الأعلى للدولة في ليبيا برئاسة الإخواني خالد المشري بالاتفاقيات التي أبرمتها حكومة الدبيبة مع مصر، قائلا في بيان له إنه يبارك “توقيع مذكرات التفاهم والاتفاقيات المشتركة بين حكومة الوحدة الوطنية وحكومة مصر الشقيقة التي تأتي في إطار التعاون بين البلدين الشقيقين”.

4