منافسو خدمة نيتفليكس يستهدفون نجاحها

قادت شركة نيتفليكس ثورة في مجال البث التقليدي، سواء ما يتعلق بالدراما التلفزيونية أو الأعمال السينمائية. ونجحت شركة الترفيه الأميركية التي أسسها ريد هاستنغز ومارك راندولف في 1997 في أن تكون رائدة في مجال البث عبر الإنترنت مقابل الاشتراك. لكن، تواجه الشركة اليوم تحديات عديدة للحفاظ على ريادتها ومكانتها وأيضا مكاسبها، فمن جهة دخلت شركات ترفيه أخرى على خط المنافسة على غرار شركة ديزني، ومن جهة أخرى تشكل تكاليف إنتاج الأعمال ضغطا ماديا، هذا بالإضافة إلى الانتقادات التي باتت تواجهها الشركة خصوصا بعد أن اقتحمت عالم الإنتاج السينمائي وأعلنت إنتاج أفلام لكبار نجوم هوليوود وسيتمكن المشاهد من متابعتها دون الذهاب للسينما.
الثلاثاء 2017/08/29
الحفاظ على النجاح أصعب من النجاح نفسه

لندن – يبدو أن المقطع الإعلاني لفيلم ويل سميث الأخير سيضع الفيلم على قائمة الانتظار للفوز بجائزة هوليوود. يصف الفيلم مدينة لوس أنجلوس في المستقبل حيث تعيش الكائنات الفضائية جنبا إلى جنب مع البشر.

يحتوي فيلم “برايت” على مشاهد مطاردة بالسيارات وانفجارات ومقولات ساخرة تؤديها شخصية الشرطي سميث. وقدّرت ميزانية الفيلم، الذي سيعرض لأول مرة في شهر ديسمبر المقبل، بحوالي 90 مليون دولار أميركي.

لكن على غير العادة، لن يتم عرض فيلم “برايت” في قاعات السينما، ولكن من خلال خدمة “نيتفليكس” فقط، وهي خدمة البث الرقمي التي أحدثت ضجة كبيرة في هوليوود وفي عالم الشبكات التلفزيونية من خلال تقديم البرامج الترفيهية بناء على طلب المشتركين في جميع أنحاء العالم.

وعلى الرغم من كون شركة نيتفليكس جديدة بالنسبة إلى شراء النسخ الأصلية، ولكنها تنفق أكثر من 6 مليار دولار سنويا على محتوى الخدمة، لتحتل بذلك مكان الصدارة في عرضها أكثر المحتويات المرغوبة عن أنظمة استوديوهات هوليوود التقليدية وشبكات التلفزيون. حيث فازت عروض الخدمة هذا العام بـ91 ترشيحا للفوز بجائزة حفل توزيع جوائز “إيمي برايم تايم” السنوي التاسع والستين، لتأتي في المرتبة الثانية بعد خدمة إتش بي أو أو هوم بوكس أوفيس، وهي شبكة تلفزيونية أميركية تقدم خدمتي تلفزيون متواصلتين مدفوعتي الثمن لأكثر من 40 مليون مشترك أميركي والتي تحوز منذ فترة طويلة على المراكز الأولى في جوائز التلفزيون.

وأعلنت خدمة نيتفليكس مؤخرا عن إطلاق أول عمل تلفزيوني يُخرجه الأخوين كوين، وهو عبارة عن مسلسل تلفزيوني من ستة أجزاء. واحتلت الشركة مكانها لتصبح واحدة من روّاد صناعة الترفيه في فترة قصيرة جدا. عملت شركة نيتفلكيس في البداية بتقديم خدمة بيع وتأجير الأقراص المدمجة، وانتقلت تدريجيا إلى خدمة البث عبر الإنترنت.

نيتفليكس لا تعرض أفلامها على شاشات السينما بل تحتفظ بها لتعرض بشكل حصري من خلال التسجيل في خدمة البث الخاصة بها

هل يستمر النجاح

بحلول عام 2012، وهو العام الذي بثت فيه أول نسخة أصلية لمسلسل تلفزيوني، من بطولة كيفن سباسي وهو “هاوس أوف كاردز”، وصل عدد المشتركين في الخدمة إلى 30 مليون مشترك. ومنذ ذلك الحين توسّع نشاط الشركة في جميع أنحاء العالم، ومع عرض مسلسلات أخرى مثل “أورانج إذ ذي نيو بلاك” و”ناركوس” و”سترينجر ثينغز”وصل عدد المشتركين في الخدمة إلى 104 مليون مشترك في أكثر من 190 دولة حول العالم.

ووصفت الشركة عدد المشتركين بأنه “بداية جيدة”، وصرّحت مؤخرا “نأمل أن نصل للجميع في يوم ما”. رفع هذا النمو قيمة الشركة في السوق لتصل إلى 74 مليار دولار، أي أكثر من الشركات الإعلامية الكبيرة مثل روبرت مردوخ توينتي فرست سينشري فوكس أو سومنر ريدستون فياكوم. كما احتلت نيتفليكس مكانا مرموقا بجانب فيسبوك وأمازون وغوغل، عمالقة التكنولوجيا في السوق. ولكن بحدوث هذا التطور السريع، يظهر التساؤل “هل يمكن أن يستمر هذا النجاح؟”. حيث تحاول الآن البعض من الشركات التي هيمنت على إنتاج وتوزيع وسائل الترفيه في السوق محاربة نيتفليكس التي تعتمد بشكل كبير على نفوذها من أجل دعم عملية توسّعها.

وأعلنت والت ديزني، أكبر شركة إعلامية في العالم أنها سوف تسحب تراخيص الأفلام التي منحتها لنيتفليكس للعرض في العام 2019، لتعلن أنه سيتم بثها من خلال خدمة جديدة تابعة لشركة والت ديزني، وستتضمن عناوين أفلام من إنتاج شركة بيكسار وقسم الرسوم المتحركة الخاص بشركة ديزني، مثل تلك التي تحقق أعلى إيرادات شباك التذاكر فروزن وتوي ستوري.

تتنافس أيضا شركة أمازون مع نيتفليكس منافسة شرسة على ملكية أفضل السيناريوهات والنجوم والبرامج، ما أدى إلى رفع تكلفة شراء وتصميم المحتويات. فقد تحملت نيتفليكس بديون لتمويل إنتاج واقتناء الأفلام والمسلسلات مثل المسلسل الذي حقق نجاحا “ذي كراون”، الذي كلّف ما يقرب من 100 مليون جنيه إسترليني. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه الإيرادات السنوية إلى حوالي 9 مليار دولار، مع إمكانية تحقيق الأرباح، إلا أن الشركة تقترض بسبب المنافسات المحتدمة، ما أثار قلق بعض المحللين من أن التهديد الذي سيصيب الشركة يأتي بسبب ارتفاع تكلفة التوسع والحاجة إلى دفع أعلى الرسوم للحصول على أفضل محتوى.

يقول مايكل ناثانسون، المحلل لدى شركة موفيت ناثانسون، في مذكرته البحثية “يشبه الوضع الحالي لشركة نيتفليكس مطعما جديدا يبيع أفضل قطعة ستيك مقابل 10 دولارات للقطعة، ويراقب الزبائن وهم سعداء يملأون مقاعد المطعم بشكل يومي. ولكن في وقت ما، سيبدأ مالكو المطعم والجهات المُقرضة في طلب عائد على هذا الاستثمار”.

مشاهدة بلا إعلانات مزعجة

بغضّ النظر عن خطط نيتفليكس المستقبلية، ليس هناك شك في أن الشركة قد لعبت دورا رائدا في ثورة التلفزيون التي انتقلت الآن إلى حقبة جديدة من ترفيه الفيديو. وقدّمت للمشاهدين خاصية المشاهدة المُجمعة، بمعنى أنه يمكن مشاهدة حلقات المسلسل كاملة في وقت واحد بدلا من الاضطرار إلى انتظار عرض الحلقات في الوقت المُخصص لها يوميا. ويقول ريتش غرينفيلد، محلل في شركة “بي تي آي جي ريسيرش”، “لقد غيّرت نيتفليكس رغبة المشاهدين في مشاهدة الإعلانات بشكل دائم”، مشيرا إلى أنه بخلاف معظم خدمات التلفزيون التجاري، فإن خدمة نيتفليكس لا تتخللها الإعلانات.

وتزامن ارتفاع شعبية خدمة نيتفليكس في الولايات المتحدة مع نموّ ظاهرة “قطع الأسلاك”، أو إلغاء الاشتراكات في خدمات الكابلات والأقمار الصناعية بعد عقود من الزمن احتلت فيها هذه الخدمات الأسواق. ويقول غرينفيلد إن المستهلكين يقولون إنهم يبتعدون تدريجيا عن تلك الأعداد الكبيرة من القنوات التي نادرا ما يشاهدونها لصالح البث الرقمي بناء على طلباتهم.

وأضاف “لقد غيّرت نيتفليكس رغبة الناس في مشاهدة التلفزيون التقليدي”، مشيرا إلى البث التقليدي أو التلفزيون الذي يعمل بالكابل حيث يستمع إليه المشاهدون الآن في أوقات معينة فقط. وقال “لقد ألغى المشاهدون هذا المفهوم المرتبط بالعلامات التجارية للقنوات. لم يعد أيّ منهم يعرف أو يهتم عن طريق أي قناة تُعرض برامجهم بعد عقود من الزمن ظلت شبكات البث والكابلات والقنوات تحاول بناء العلامات التجارية”.

وأُعجب النجوم بفكرة البث، ذلك لأن نيتفليكس كانت على استعداد لأن تدفع أكثر من شركات البث التقليدية أو استوديوهات الأفلام الأخرى. وتلقى الممثل الكوميدي، ديف تشابيل، مبلغ 60 مليون دولار لتسجيل عرضين كوميديين لخدمة البث، بينما سيتقاضى الممثل آدم ساندلر 80 مليون دولار لإنتاجه أربعة أفلام كوميدية قام ببطولتها لنيتفليكس، على الرغم من أن ثلاثة منها تلقت انتقادا لاذعا إلا أن هذه الأفلام تعدّ من بين العناوين الأكثر شعبية على خدمة نيتفليكس.

قامت الشركة أيضا بشراء شركة ميلارورلد، دار نشر الكتب الهزلية الاسكتلندية التي أصدرت كتبا مثل كينغز مان وكيك آس ووانتد، والتي تحوّلت إلى أفلام تم إنتاجها بميزانية كبيرة.

ولم يتضح بعدُ كم سيتقاضى ويل سميث نظير فيلمه “برايت”، لكنه هو ومخرج الفيلم، ديفيد آير الذي أخرج أفلام مثل “سويسايد سكواد” من إنتاج شركة وارنر براذرز، أشادا بالطريقة التي تتبعها خدمة نيتفليكس والتي أكد سميث على أنها مختلفة تماما عن الطرق التي تتبعها الأستوديوهات الأخرى. وقال أمام جمهور في مؤتمر سان دييغو للكومك-كون الشهر الماضي “أنا متأكد من أن هذا سينتهي قريبا. إنهم يعطونك المال ويقولون “فقط إذهب وصوّر الفيلم”.

تتميز نيتفليكس بطريقتها الفريدة التي تختلف بها عن باقي هوليوود في إنتاج وتوزيع الأفلام. فعلى عكس شركة أمازون، التي ترشح فيلمها “مانشستر باي ذا سي” للفوز بجائزة الأوسكار لهذا العام، لا تعرض نيتفليكس أفلامها على شاشات السينما، بل تحتفظ بها لتُعرض بشكل حصري من خلال التسجيل في خدمة البث الخاصة بها. وهذا أمر غير مقبول بالنسبة إلى البعض من الممثلين والمخرجين. قال كريستوفر نولان، مخرج فيلم منكيرك، “إذا قمت بتصوير فيلم مسرحي، فلا بد من عرضه في المسارح”.

ومع ذلك، وبمقارنة ترشيحات الأوسكار التي حصلت عليها الأفلام الوثائقية مثل فيلم “آفا دوفيرنايز ثيرتينز”، والجولة الأخيرة من ترشيحات جائزة حفل توزيع جوائز الإيمي، استطاعت نيتفليكس أن تثبت نفسها كقوة موجودة بين تلك الأوساط. يقول غرينفيلد “لقد أثبتت نيتفليكس موهبتها في أنه ليس عليك أن تلجأ لجهاز تلفزيون قديم لإنشاء محتوى رائع”.

مايكل ناثانسون: الوضع الحالي لنيتفليكس يشبه مطعما جديدا يراقب الزبائن وهم سعداء يملأون مقاعد المطعم بشكل يومي. لكن في وقت ما، سيبدأ مالكو المطعم والجهات المقرضة في طلب عائد على هذا الاستثمار

مخاوف ولكن..

لكن المخاوف لا تزال قائمة من تفاقم مشكلة الديون التي تتحملها شركة نيتفليكس على عاتقها، وخاصة إذا ما تباطأ نموّ عدد المشتركين بشكل غير متوقع أو إذا ارتفعت تكاليف الاقتراض بشكل كبير.

وأفادت الشركة بأنها من الممكن أن تُخفض من تكاليف الإنفاق على المحتوى إذا ما اضطرت لذلك، وأنها بالفعل قد خففت من مقدار ما يُنفق لدرجة أن ريد هاستينغز، الرئيس التنفيذي للشركة، صرّح مؤخرا بأن مستويات الاقتراض تمشي في اتجاه إيجابي ينمّ عن أداء مستقبلي رائع.

وبحديثه عن أرباح الشركة الأخيرة، أضاف هاستينغز “المضحك هو أنه كلما كبرنا بسرعة وزادت سرعة طرح المنتج الأصلي، صرنا متمسكين أكثر بزيادة المكاسب النقدية. لذلك أرى أن العمل عكس هذا المبدأ، أي عدم الاهتمام بزيادة المكاسب النقدية، هو مؤشر جيد على النجاح في بعض الأحيان”. لكن هذه الطريقة في التفكير غير مقنعة للكثيرين.

والآن تضع شركة ديزني شركة نيتفليكس نصب عينيها. حيث حاول مالك شركة ديزني سابقا أن يتعاقد مع شركة نيتفليكس بهدف توصيل أفلامه وبرامجه التلفزيونية إلى الشبكة الرقمية للشركة. ولكن بسبب التكلفة العالية التي تفرضها نيتفليكس للتعاقد قرّر مالك ديزني الانسحاب.

ومن ثم خططت ديزني لإنشاء خدمات البث الخاصة بها، بعد أن تركت تأثيرا سلبيا طفيفا على شركة نيتفليكس؛ حيث انخفضت أسهمها هذا الأسبوع ولكنها ارتفعت بعد تصريحات ديزني الأخيرة. وتعود أسباب النجاة من الخسارة الحتمية في المحتويات الحصرية التي أنتجتها نيتفليكس، وأنها نأت بنفسها عن ترخيص الأفلام والبرامج التلفزيونية وأنتجت أعمالها الخاصة بها.

يقول غرينفيلد “لقد قاموا بإنشاء جزء كبير من المحتوى الخاص بهم من أجل التخفيف من المخاطر المحتملة”. أما بالنسبة للمكاسب النقدية، يقول غرينفيلد إنه إذا رغبت نيتفليكس في التوسع على الصعيد الدولي، “فسوف تحقق المزيد من المكاسب المالية”.

وأضاف غرينفيلد “بحلول نهاية عام 2019، نتوقع أن يصل عدد المشتركين في خدمة نيتفليكس إلى 158 مليون مشترك، بينما ستبدأ ديزني من الصفر. وعلى الرغم من أن ديزني اضطرت إلى إطلاق خدمة البث الخاصة بها، إلا أن منافسة نيتفليكس باتت من الصعوبات”. ومع ذلك، هناك الكثير من التحديات التي تهدد بقاء نيتفليكس ولا سيما بعد ازدحام السوق بشركات البث. حيث ظهر عدد قليل من الشركات التي تتمتع بموارد أكثر من تلك التي تمتلكها شركة أمازون التي تنافس نيتفليكس بشكل مباشر. وفي الوقت نفسه، قامت شبكة القنوات الأميركية “سي بي إس” بإطلاق خدمة البث الخاصة بها والتي وصل عدد مشتركيها إلى 4 ملايين مشترك قبل ثلاث سنوات من الجدول الزمني المحدد. وتتوسع أيضا خدمة إتش بي أو الرقمية، وإذا وافق الجهاز المنظم على بيع شركته الأم تايم وارنر إلى مجموعة الاتصالات آيه تي آند تي هذا العام، فمن المرجّح أن تحظى خدمة إتش بي أو بنفوذ مالي ضخم. وعلى الرغم من التحديات، تستمر الشركة التي أحدثت ثورة في عالم التلفزيون والبث في النمو والتطور. ولكن ثمة هدف تحمله على عاتقها، وهو التوسع.

13