مناف زيتون: كونوا صدى لائقا لأنين إخوتكم أو اصمتوا

الأربعاء 2014/10/22
مناف زيتون: في ظل الحرب يتوقف الموت عن كونه هاجسا ويصبح مجرد احتمال

القاهرة- رغم أن إنتاجه الروائي لم يتجاوز العملين، إلا أن الروائي السوري مناف زيتون استطاع أن يحفر اسمه بقوة في الأوساط الأدبية خلال سنوات قليلة، من خلال كتاباته على موقع “بلوكة دوت كوم”، وروايتيه “قليل من الموت”، و”طائر الصدى” اللتين حققتا انتشارا واسعا، ولاقتا صدى كبيرا لدى جمهور القراء والنقاد، حيث وصلت روايته الأولى “قليل من الموت” إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد فرع الكتاب الشباب (دورة 2013 - 2014).

قامت دار نشر “هاشيت أنطوان” بترشيح رواية مناف زيتون الجديدة “طائر الصدى” لنيل جائزة البوكر لعام 2015، عن أعماله الأدبية ومشاريعه المقبلة، ورؤيته للوضع الثقافي والسياسي في بلده سوريا كان لـ"العرب" معه الحوار التالي.


قليل من الموت


على غلاف روايته “قليل من الموت” يقول مناف: «غرباء نلتقي. ولكن، خلف وجوهنا التي لم تروّضها الألفة، حبل سرّي يربط حيواتنا ويسري بيننا كتيّار غامض. حبل يلتفّ حول أعناقنا بإصراره المرعب. الماضي لا يمضي مهما دفن عميقا. يظلّ صدى يجذبنا نحو الآخَر ويسيّر خطانا دافعا إيّانا نحو مصائر لا فكاك منها».

وعن الرواية يقول: «قليل من الموت كتبت تقريبا في أواخر عام 2009 وحتى 2010، وتمت بعض التعديلات عليها سواء كنت منفردا، أم بمساعدة المحررة التي تسلّمت المخطوطة أثناء الأحداث الدامية في سوريا، ولكن التعديلات كانت ضئيلة بما يكفي كي لا تعكس جزءا يعوّل عليه من الواقع شديد القبح المحيط بنا الآن».

في سوريا العروض المسرحية والأفلام السينمائية والأمسيات الأدبية والشعرية، كثيرة الكم وسيئة النوع

ويستطرد زيتون في الحديث عن روايته قائلا: «في الفترة التي كتبت فيها الرواية، شكل لي الموت هاجسا روتينيا قبل أن أنام أحيانا، كنت أرتعب لفكرة الانتهاء إلى حفرة في التراب، أو داخل غرفة إسمنتية إن دفنت في مدفن العائلة، وكل ما يقال عما بعد الموت لم يبد مقنعا حينها.

اليوم لا أعتقد أنني أملك هذا الهاجس، وأعتقد أنني توقفت عن الاهتمام بهذا الشأن منذ وقت طويل، في ظل الحرب يتوقف الموت عن كونه هاجسا ويصبح مجرّد احتمال، كاحتمال أن تلتقي بصديق قديم، الهاجس الآن هو الحياة، هو كيف يمكن أن تكون كل دقيقة من الحياة ذات قيمة؟ كم من الدقائق في هذه الحياة أمتلك؟».

وعن الأبعاد الفلسفية التي تحملها الرواية يقول: «قليل من الموت لا تحمل أبعادا فلسفية أو ما شابه، هي ببساطة تخبر بقصة بسيطة، وتترك للقارئ أن يكشف بنفسه عن الأبعاد الفلسفية الخاصة به عن الموت، تلك التي كان يؤجل الالتفات إليها على الأغلب، هي مجرّد دفع للتأمّل في موضوع الموت -ومن خلفه الحياة- على جدول أعمال ذهن القارئ».


عصي على الفهم


ورغم كثرة الكتابات الأدبية عن الأحداث في سوريا في الوقت الحالي إلا أن زيتون يرفض طرق ذلك تماما حيث يوضح: «إني أصنع الروايات لا الأفلام الوثائقية، كما أن الوضع الراهن في سوريا عصي على الفهم حتى بالنسبة للسوريين أنفسهم، وإن كانوا في قلب الصراع، فكيف لي أن أكتب عما لا أفهم؟ أو عما لا أفهم أثره في نفسي على الأقل حتى الآن؟».

رواية تدفع القارئ للتأمّل في موضوع الموت

ويستطرد: «لا ألتفت كثيرا إلى ما يكتب عن سوريا في الكتب حتى الآن، قرأت بعضها، معظمها يعود لأفراد لا تاريخ لهم في الكتابة، الأسماء الكبيرة في سوريا اختارت الصمت عما يجري الآن أدبيا، أو التوثيق، كما فعلت السيدة سمر يزبك، فقط الصغار اللاهثون خلف الشهرة والمبيعات، يكتبون ما يسمونه “روايات” عمّا يحصل في سوريا الآن، لا أدري كيف يمكنك أن تكتب تقريرا عن مباراة، مثلا، لم تنتهِ بعد. المستوى الإبداعي سيّئ جدا، ولا أدري كيف يمكن لدور النشر، أو حتى هؤلاء الكتاب بوصفهم سوريين، أن يقبلوا بأعمال بهذا السوء للتعبير عن وضع بهذه المأساوية.. كونوا صدى لائقا لأنات إخوتكم أو اصمتوا».

وعن سبب اهتمامه بالعوالم الخيالية والغرائبية في عمليه يبيّن زيتون: «منذ صغري أتمنى أن أواجه أحداثا غريبة، خارجة عن المعتاد، قصة أحكيها للآخرين ولا يصدقونها! لا أدري ما الفائدة من كتابة رواية عمّا رأيته بعيني أو عشته وتأملته بما فيه الكفاية، الغرابة في الرواية في النهاية تتعلق بالقالب القصصي أو الحبكة التي سيقدّم ضمنها المحتوى الأساسي، ذلك المختبئ بين السطور».

ويضيف: «من الصعب أن أعرف إن كنت سأتابع على هذا المنوال لاحقا، ولكنني أجد الأفكار التي تخطر لي يوميا عن روايات لن أكتب معظمها غريبة، غريبة بشكل مضحك أحيانا».

وعن حجم الاهتمام بالغرائبية في الأدب العربي يقول: «لا يمكنني حسم الإجابة، أنا من هواة الأدب المترجم أكثر من العربي، ولكن الحديث عن الغرابة في الأدب العربي يذكرني تلقائيا بسليم بركات، فأرتعش، لا أريد أن أمدحه أو أن أشرح أيّ شيء بخصوصه، رهبة الاسم تمنعني، ولكن لا بدّ من ذكر “كهوف هايدراهوداهوس”، لم تنتش مخيلتي بقدر ما انتشت أثناء قراءة هذا الكتاب إلا أثناء قراءة “مغامرات أليس في بلاد العجائب”، وأحيانا يتبادل الكتابان المراتب في ذهني، وأبتسم».

وعن رؤيته للوضع الثقافي في سوريا يقول: «لا أدري ما معنى ثقافي، إن كان المقصود العروض المسرحية والحفلات الموسيقية والأفلام السينمائية والأمسيات الأدبية والشعرية، فإنها على ما يرام من حيث الكم، ولكن في أسوإ حالاتها من حيث النوع، والحركة الثقافية السورية في الخارج لا تبدو أفضل بكثير ممّا عليه هنا في الداخل، باستثناء تلك التي لا يكلف أصحابها أنفسهم عناء الحديث عنها بالعربية، لا أدري كيف يمكنني أن أقيّمها. الجانب المطمئن هو أن السوريين -المحيطين بي على الأقل- يقرؤون أكثر من ذي قبل بشكل كبير، وفي معظم الأحيان لم أعد مضطرا لأشرح من هو نيكوس كزنتزاكيس، هذا الأمر مطمئن، مطمئن جدا».

ويؤكد زيتون شعوره بالامتنان لترشيح دار “نوفل” لروايته الصادرة مؤخرا “طائر الصدى” لنيل جائزة البوكر لعام 2015 قائلا: «الترشيح حتى الآن لا يعني شيئا، هي مجرد استمارة، نملؤها، نوقع عليها ونرسلها مع الكتاب إلى من يمنحون الجائزة. “نوفل” رشحت كتابين فقط -أحدهما كتابي- أشعر بإطراء كبير بسبب هذا الأمر، وأعتقد أن محررتي رنا حايك عليها أن تشاركني الإطراء الذي أشعر به. المثير للرغبة في الجوائز بشكل عام، وجائزة البوكر العربية خصوصا، هو الجمهور الواسع الذي سيهتم بقراءتي بسببها، وربما النقود التي قد توفر لي ثمن شراء حاسوب خفيف الوزن يمكنني من الكتابة في مقهاي المفضل».

15