منال السيد: لا يمكن للكاتب أن يعوّل على كثرة القراء

الكاتبة المصرية ترى أن الكتابة النسوية لم تصل بعد إلى القضايا الأساسية للمرأة.
الجمعة 2019/12/06
المرأة لا يزال أمامها الكثير من التحديات (لوحة للفنانة والكاتبة منال السيد)

من منمنمات القصة القصيرة وشريط السينما المضيء وأبجديات الفنون البصرية المتطورة، تنسج منال السيد خيوط روايتها المختلفة، معتبرة أن هذه الرواية عملية حيوية طبيعية، ودفق موجود بذاته، وفعل ذائب في مناخه وعصره. التقت “العرب” الكاتبة المصرية في حوار حول تجربتها الإبداعية وملامح الكتابة النسوية الجديدة.

تتمتع الكاتبة منال السيد بخصوصية في عالم السرد بين مبدعات جيل التسعينات، منبعها ولوجها فضاء الكلمة من بوابة الفنون التشكيلية وسحر الصورة؛ مجال تخصصها، إلى جانب شغفها بالسينما ومشاهدها المؤثرة، ما حوّل أعمالها الروائية والقصصية إلى كادرات ولقطات منتزعة من نبض البشر وحركة الحياة وجنون الفانتازيا.

تتأنى السيد كثيرا قبل إقدامها على إصدار مجموعة قصصية أو رواية جديدة، لإيمانها بأن الكيف الأهم والأبقى، فمعيار صلاحية الإبداع هو الأثر الذي يتركه، والإضافة على الركام السابق.

وتنتظر منال إصدار روايتها “بنات الملح” خلال فترة وشيكة، لتواصل بها رحلة إبداعها التي شهدت من قبل رواية “غنا المجاذيب” والمجموعات القصصية “الذي فوق”، “أحلى البنات تقريبا” و“دوقة البلاد”، وهي وإن كان إنتاجها قليلا، إلا أنها أحدثت صدى في حركة الكتابة النسائية بمصر، لما فيها من توتر وزخم ومصداقية وقدرة على التعاطي اللاذع مع أوجاع الواقع وأزمات المجتمع، من خلال تصوير تفصيلي تشريحي لنماذج وشخصيات منتقاة بعناية.

ديكور خاص

منال السيد: ثورات الربيع العربي لها انعكاسات داخل العمل الإبداعي ذاته، من حيث قدرته على كسر القوالب والتجديد.
منال السيد: ثورات الربيع العربي لها انعكاسات داخل العمل الإبداعي ذاته، من حيث قدرته على كسر القوالب والتجديد.

تقول في حديثها لـ“العرب” إنها “تخيلت أن لكل ذات ديكورها الخاص، فلا وجود للخرائط، بل هي مزحة مكشوفة، وأننا إذا تمكنا من العودة في رمشة عين إلى الشارع ذاته الذي مررنا منه، فلن نجد البنايات، فقط يعتمد ذلك على سرعة البديهة لكشف خدعة الوجود”.

من منصة الحرية انطلقت مع رفيقات جيلها، وكانت ثورة 25 يناير 2011 منعطفا لتثوير هذه الكتابة النسوية، ودفعها إلى مزيد من التمرد على الأطر وخلخلة المفاهيم المستقرة وزعزعة القوانين والثوابت والفكاك من القيود البالية، السياسية والاجتماعية والجمالية.

وترى أن ثورات الربيع العربي لها انعكاسات داخل العمل الإبداعي ذاته، من حيث قدرته على كسر القوالب والتجديد. وهذه الثورات، شأنها شأن الجراحات المهمة الدقيقة، لا يمكن عمل أي شيء حيالها سوى المشاركة فيها، فلا يمكن مقاربتها إبداعيّا لا في أثناء الجراحة ولا خلال فترة نقاهتها، لكن بعد مرور الوقت الكافي تصير الأمور أوضح، ويتم التخلص من وجع لا تصلح معه العقاقير.

وتستطرد الكاتبة “نحن الآن في فترة النقاهة، وربما استكمال الجراحة ذاتها، وقد تجاوزتنا الثورات بعنف. تجاوزت أقلامنا وأفكارنا، وهزت ما تبقى فينا من سكون، ويجب علينا أن نحترم مرور قطار سريع أمامنا، فلندعه يمر بالكامل، ثم يعبر دخانه، ومن بعدها نمشي ونتقدم”.

تفخر منال السيد بأنها جزء من تجربة الرواية العربية الحديثة، بغض النظر عن المسميات والتصنيفات، وترى أن ملامح كتابة المرأة الحديثة ليست بمعزل موضوعي عن كتابة الرجل، وإن كانت كتابة التفاصيل حكرا مميزا لدى المرأة المبدعة، وعلى الرغم من ذلك فإن الكتابة النسوية لم تصل بعد إلى قضايا المرأة الأساسية “ربما لاقتصار الكثير من الكتابات على الوجع الخاص، وربما لاضطراب المشهد الحياتي في السنوات الأخيرة، مما جعل الإبداع يقترب من التوتر أيضا”، وتبقى محاولات الاقتراب من طبقات المرأة العميقة “مجرد تجارب متشخصنة ومرتبطة بحياة ومحيط الكاتبة فقط”.

منذ سن صغيرة بدأتْ منال السيد محاولات الكتابة، وكلما كبرت زاد التصاقها بـ”بطلة العرض”، بما تراه بوعيها وألمها، وفي رسمها الشخوص كانت دائما تعتقد أن هناك شيئا ناقصا، قد يكون خطّا أو تفصيلة “في كل مرة، منذ بدأت وحتى الآن، لم يكن يعنيني مَن الذي يتلقى، ليس لاستهانة به، بل لوجود مندوب عنه بداخلي يقتصّ مني كلما صنعتُ فنّا رديئا”.

وتقول في البداية كانت القصة “تلك الرجفة التي تمر على الروح كشبح معذب، ينخل الروح، ولا يرتاح حتى أدون أطياف الشبح”، اللقطة، الصورة، الألم العابر مثل ضوء. وتحكي السيد “في دراسة الفنون التشكيلية نعرف جيدا قيمة متابعة الوهج، وأن لكل دقيقة وهجها، كنا نلاحق الشمس وتدربنا سنوات على الإمساك بذروة الجمال، وهو يمر، ويكون علينا أن نسجله وأحيانا نضعه في براد الروح، كي لا يفسد، ونعيد تدوينه”.

بعد تجاهل فكرة كتابة عمل روائي لفترة تجاوزت عشر سنوات، والهروب منها بوصفها جبّا، انتقلت منال السيد إلى الرواية من بوابة السينما “كنت أتصور أن العمل الروائي هو كون جديد، يوجده المبدع من نسيج روحه، ويجب أن يكون شيئا فريدا وغنيّا، كما السينما. كلما كانت السينما التي نراها غنية وأصيلة وحقيقية وأيضا خيالية، كلما كانت دنيا متكاملة، وتستحق لقب سينما، هكذا دخلتُ بروحي عالم الرواية، متذكرة في ‘غنا المجاذيب‘ شاشة الأبيض والأسود، ذلك السحر الذي كان يحلق بي فأنسى العالم”.

مجموعات قصصية أحدثت صدى في حركة الكتابة النسائية بمصر
مجموعات قصصية أحدثت صدى في حركة الكتابة النسائية بمصر

منمنمات القصة

ضمت في روايتها الواقع والخيال السينمائي في آن، مستعيدة شخصيات ومشاهد أفلام تتضمن ابتسامة شادية، ورقة فاتن حمامة، وتحليق سامية جمال، تقول السيد “أخذتني السينما، التي ذبت في محبتها، من يدي، وأدخلتني عالم الرواية.

حاولت عمل تركيبة لا اسم لها من منمنمات القصة القصيرة، التي كنت ومازلت ممسوسة بها، ولقطات السينما، وعيون الأبطال القدامى، بالإضافة إلى حالة شجن حقيقية وخاصة ومرتبطة بمكان حرمت العيش فيه لبضع سنوات، كنت أذوب من فرط الحنين إلى العودة إليه، فترة الحنين هذه أنتجت غنا المجاذيب، في محبة حدائق القبة”.

في “غنا المجاذيب”، تماهت الكاتبة مع راوية الأحداث، ومع شخصيات المنطقة التي تزيد على عشرين، فجاء العمل مزيجا بين السيرة الذاتية والتخييل، وتقول منال السيد في حديثها إلى “العرب”: “لم أتحد مع شخوص الرواية، فقد ذابت جميعا، ولم يعد للرواية وجود حقيقي، فقط صارت قطعة من القماش تلتقف الألوان من حولها وتلتقف الألم، لم تكن لها حكاية ولا قلب ولا حيز، فقط صارت هي الآخرين”.

وتنخرط في ما يمكن تسميته الهامش المجتمعي، وعالم البسطاء والعاديين، باحثة طيلة الوقت عن تدليل ذاتها، ومحاولة ترميمها “لا علاقة لي بما يسمى بإغواءات الأضواء، ليس لأي شيء، سوى أنها لا تشعرني بالسعادة. أنتقي كل ما يجعلني سعيدة، حتى لو كان غارقا في الزهد أو الاعتياد”.

هذه الرؤية، تتسق مع نظرتها إلى فن الرواية، كعملية حيوية طبيعية، ودفق موجود بذاته، وترى أن منجزات العصر الحديث من شأنها بدورها الانصهار في مكونات الرواية، وتقول موضحة “الرواية فعل ذائب في مناخه وعصره، ودخول وسائل الاتصال الحديثة مثلا وأبجديات العصر شيء طبيعي لا يمكن تجاهله.

لا تعول منال السيد على معدلات القراءة ولا مؤشرات البيع “البيست سليرز” كمعيار لتقييم تفوق العمل الروائي ونضجه، حيث إن الأعمال الراسخة والمؤثرة إنسانيّا مثل أعمال شكسبير ودانتي وجوركي وديستوفيسكي ونجيب محفوظ وعلاء الديب وأصلان وعبدالحكيم قاسم وغيرهم لا يوجد ما يشير إلى أنها قد قلبت الدنيا حين ظهرت أو تقاتل الناس لشرائها، لكنها جذبت قارئها عبر العصور.

وتضيف “لا يمكن التعويل على كثرة القرّاء لعمل ما قد يكون فقيرا، ولا الاطمئنان لأي ضجيج خارج العمل الإبداعي، وليس من داخله”.

15