منال ميخائيل عالم جديد يتأسس في مصر

موقف المجتمع المصري من تعيين ميخائيل دليل على حدوث تغير كبير في بنيته، بعد أن بدأ يتقبل هذه التطورات المجتمعيةـ الحداثية، وعلى أن التنظيمات المتطرفة أخفقت في نشر أفكارها على نطاق واسع.
السبت 2018/09/15
أول قبطية في منصب "محافظ" تكسر عزلة المسيحيين والمرأة

سطر اختيار أول سيدة قبطية كمحافظة لإقليم دمياط، وهي منطقة ساحلية تطل على البحر المتوسط، صفحة جديدة في مصر، لأن الخطوة حملت الكثير من الأبعاد السياسية والمضامين الاجتماعية. فلم يكن تعيين الطبيبة البيطرية منال ميخائيل مجرد امتداد ممنهج لعملية تمكين المرأة والأقباط في المجتمع، لكنه يمثل دلالة حول ما تحمله الإدارة الحاكمة حاليا، من منظور شكل الدولة المصرية في المستقبل.

تقوم الفلسفة الظاهرة للحكومة والتي عبر عنها الرئيس عبدالفتاح السيسي مؤخرا، على أن “بناء الإنسان هو تحدي الإنسانية بأكملها، ولم يهتم به بعد المولى إلا الأنبياء والرسل، لأن صياغة وبناء الإنسان بقيم راقية جدا، هي رسالة الرسالات.. وعلينا التحرك لإعادة صياغة الشخصية المصرية، كي تتطور بما يليق بمتطلبات العصر والإنسانية”.

ترى بعض الدوائر الرسمية أن تمكين بعض الفئات المهمشة، وفي مقدمتها المرأة والأقباط، بداية انطلاق نحو عالم جديد، يُعامل فيه الإنسان المصري دون تمييز طائفي أو عرقي. ومن هُنا يُمكن فهم قرار تعيين ميخائيل، والتي تعاملت معه جهات كثيرة على أنه نقلة نوعية، تحتاج ما يعززها عمليا في مجالات كثيرة.

حفاوة مجتمعية نادرة

ميخائيل تبدو نموذجا مغايرا للمسؤول العصري وغير التقليدي، الذي يفكر في المشكلات بأسلوب مختلف وفريد، ويتعامل مع الشكاوى بسرعة وجدية حقيقية، وهي واحدة من الخصال التي جذبت لها الأضواء، قبل أن تصبح محافظة لإقليم دمياط
ميخائيل تبدو نموذجا مغايرا للمسؤول العصري وغير التقليدي، الذي يفكر في المشكلات بأسلوب مختلف وفريد، ويتعامل مع الشكاوى بسرعة وجدية حقيقية

لكن لم يتم تمرير التعيين بسهولة، بل حصل على حفاوة مجتمعية نادرة، فهو دليل على حدوث تغير كبير في بنية المجتمع المصري، الذي بدأ يتقبل هذه التطورات المجتمعية ـ الحداثية، وأن التنظيمات المتطرفة أخفقت في نشر أفكارها على نطاق واسع، خاصة أن ردود الفعل كانت مرحبة بميخائيل، لكونها سيدة أولا وقبطية ثانيا.

وقد كشفت الأحداث المتلاحقة في مصر وصعود تيار الإسلام السياسي ثم خفوته بعد عام 2013، عن أزمة هوية كان يواجهها المجتمع المصري، وبات التحدي الذي يصاحب الإصلاح السياسي والإداري يكمن في إعادة تفسير بعض جوانب الهوية ومحاولة ضبطها وفقا لإيقاع عصري، يتواءم مع التغيرات الحاصلة في العالم، في مجالات الحريات والمساواة وقبول الآخر، فضلا عن تجاوز الافكار التي تمثل جمودا، وبينها طريقة التعامل بين المرأة والأقباط في مصر، وكانت تتخذ غالبا طابعا يتسم بالدونية.

تبدو ميخائيل نموذجا مغايرا للمسؤول العصري وغير التقليدي، الذي يفكر في المشكلات بأسلوب مختلف وفريد، ويتعامل مع الشكاوى بسرعة وجدية حقيقية، وهي واحدة من الخصال التي جذبت لها الأضواء، قبل أن تصبح محافظة لإقليم دمياط.

أوضح توليها من قبل منصب كنائب محافظ في إقليم الجيزة، الملاصق للقاهرة، العام الماضي، عن شخصية ميخائيل الدؤوبة والمجتهدة، وفتحت كفاءتها الطريق أمامها لتكون محافظة بعد ذلك، ما يؤكد أن كفاءتها النسوية كانت مقدمة على قبطيتها. وهي معروفة بقدرتها العالية في التواصل مع عموم الناس.

كل من عرفوها، يؤكدون أنها شخصية مرنة وتملك قدرات علمية جيدة، ولديها خبرات اجتماعية لافتة، ما جعل اختيارها تحديدا في مهمة صعبة ومعقدة، مقصودا لكسب تقدير واحترام والتزام الموظفين وأهل دمياط في تجربتهم الأولى مع تولي سيدة قبطية شؤونهم الإدارية كمحافظة للإقليم.

خبرات في عالم العشوائيات

المنتقدون ينظرون إلى تعيين ميخائيل باعتباره محاولة تجميل نظام يتعرض كل يوم لانتقادات شتى بسبب تضاؤل الحريات، وتدهور الأوضاع الاقتصادية
المنتقدون ينظرون إلى تعيين ميخائيل باعتباره محاولة تجميل نظام يتعرض كل يوم لانتقادات شتى بسبب تضاؤل الحريات، وتدهور الأوضاع الاقتصادية

جاء تميزها من حرصها على متابعة كل ما هو جديد في مجال تخصصها، وحصولها على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الدراسية عام 2007، عن أبحاث تأثير العدوى والتحصين بفيروس ولقاح جدري الأغنام، مهارتها البحثية والعلمية الهامة لمتابعة مشكلات المحافظة الصناعية والتجارية، وتخفيف حدة الأزمات بحلول عملية على أساس علمي.

اكتسبت ميخائيل منذ عملها كنائبة لمحافظ الجيزة وقبلها كوكيلة في وزارة الزراعة، خبرات نادرة في التعامل مع العشوائيات وتدني خدمات المجتمع، ونجحت من خلال الانفتاح على العالم الخارجي في تنفيذ مشروعات خدمية عديدة من خارج موازنة محافظة الجيزة، اعتمادا على منح وتمويلات دولية وصلت قيمتها إلى نحو 400 مليون جنيه “ما يعادل 22 مليون دولار”.

كونت تلك الخبرات شخصية متعددة الرؤى، وكان من أول تصريحاتها بعد توليها المنصب الجديد على رأس محافظة دمياط، حول ضرورة عدم الارتكان على قلة المخصصات المالية للمحافظات كسبب مباشر لتجاهل المشكلات والشكاوى، وإنما مهمة المحافظ-المحافظة التواصل مع مختلف الجهات الدولية للحصول على التمويل المنتظر.

استغلت ميخائيل، الحاصلة على بكالوريوس العلوم البيطرية من جامعة بنها شرق القاهرة سنة 1989 ثم ماجستير والدكتوراه في العلوم الطبية من جامعة الإسكندرية، التكنولوجيا الحديثة في التواصل المباشر مع المواطنين للتعرف على مشكلات محافظة دمياط منذ اليوم الأول عبر إعلان رقم هاتفها، وطلبت من المواطنين إرسال شكاواهم عن طريق تطبيق “واتساب”.

ودعت في أول لقاءاتها مع المسؤولين بالإقليم إلى الاستفادة من “فيسبوك” للتعرف على مشكلات الناس. وسعت إلى تأكيد مفهوم مفاده “المسؤول مهما علا شأنه مجرد موظف يعمل في خدمة المواطنين، وبدأت ذلك بإعلانها إلغاء موكب المحافظ”، وهي عادة درج عليها المسؤولون الكبار في مصر، حيث تتقدم فيها عدة سيارات العربة التي يستقلها محافظ الإقليم، ما يوحي بالهيبة، وتوصيل رسالة للناس بعدم الاقتراب من باب هذا المسؤول.

ربما يتلاءم اختيارها مع طبيعة المجتمع “الدمياطي”، أي سكان محافظة دمياط، الذي يوصف باعتباره من المجتمعات “الكوزموبوليتانية”، أي متعددة الثقافات، نظرا لوقوعها على ساحل البحر المتوسط، وتقبل الاختلاف، إلى جانب التفكير بطريقة عملية. ويتميز أهالي هذا الإقليم بأنهم من أكثر المجتمعات العاملة والمنتجة في صناعة الأخشاب و”الموبليا”، وتعد المحافظة من أقل المناطق في معدلات البطالة.

تجميل أم تمكين

ويأتي تعيين سيدة قبطية على رأس المحافظة، ليقين الحكومة أن أهالي المحافظة يستطيعون تقبلها بسهولة، ما يفسر ابتعاد اختيار محافظين أقباط أو سيدات عن محافظات تقع في جنوب مصر، المعروفة بـ”الصعيد”، المعروفة بالتمسك بالعادات والتقاليد القبلية، والتي تنشط فيها أيضا عناصر إسلامية متشددة.

وينطوي ذلك الاختيار على جملة من المفاهيم، أبرزها يخرج من رحم فكرة رد الجميل لفريقين، كانا من أكبر الداعمين لعملية إقصاء الرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين من منصبه عام 2013.

بينما ينظر آخرون للأمر باعتباره محاولة تجميل نظام يتعرض كل يوم لانتقادات شتى بسبب تضاؤل الحريات، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، ما جعل أحاديث كثيرة تتردد حول تراجع شعبيته بين عموم المصريين.

يبني أصحاب الطرح الأول تصورهم على أساس أن مصر الحديثة لم تعرف محافظين أقباطا سوى مرات معدودة في تاريخها، كان أبرزها قيام الرئيس الراحل أنور السادات عام 1980 بتعيين الفريق فؤاد غالي، أحد قادة حرب أكتوبر 1973 محافظا لـجنوب سيناء، وقيام المجلس العسكري الحاكم في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011 بتعيين اللواء مجدي أيوب محافظاً في إقليم قنا، جنوب مصر.

 ولم يكتب لهذه التجربة النجاح بسبب احتجاجات إخوان وسلفيين ومحاصرتهم أنصارهما لديوان المحافظة ومنعوا دخول المحافظ لفترة، إلى أن تم تغييره بآخر مسلم وهدأت العاصفة آنذاك.

يقول أصحاب ذلك الطرح إن حركة المحافظين الأخيرة، شهدت تعيين محافظين قبطيين “سيدة ورجل” من بين 27 محافظة، وهما منال ميخائيل لدمياط، وكمال شاروبيم للدقهلية، ولم تعرف البلاد محافظة- سيدة في تاريخها الحديث، إلا العام الماضي عندما قام السيسي بتعيين المهندسة نادية عبده محافظة لإقليم البحيرة.

طبقا لذلك التصور فإن نظام السيسي يقدم نفسه باعتباره السلطة الأعلى القادرة على ضبط كافة الأمور، ويشجع المرأة ويحافظ على حقوق الأقباط في المشاركة السياسية، ويحرص على تمكينهم ومنحهم أعلى المناصب الإدارية.

وصلت شخصيات قبطية، رجالا ونساء، لمنصب الوزير طوال السنوات الماضية، وكانت عملية التعيين تتم وفقا لمحاصصة خفية، تزداد أو تقل نسبتها وفقا للأجواء السياسية، لكن في كل حكومة كان هناك وزير أو أكثر، لكن بالنسبة لمنصب المحافظ- المحافظة بدا الأمر مختلفا، لأن طبيعة هذا المنصب تقتضي الاقتراب من المواطنين، لذلك جرى إبعاد الأقباط عن هذا المنصب فترة طويلة، خاصة أن السنوات الماضية شهدت تصاعدا لافتا في الفتن الطائفية، التي حدثت بين مواطنين مسلمين وأقباط.

أما أصحاب الطرح الثاني فيؤكدون أن اختيار ميخائيل، المولودة عام 1967، جاء بمثابة رمانة الميزان في حركة المحافظين الأخيرة، بعد أن كانت هناك ضرورة لتجميلها، لأنها شهدت تعيين 18 لواء كمحافظين ضمن 27 محافظة تم تغيير رئيسها.

احتفاء الأقباط

معظم الانتقادات الموجهة للنظام الحاكم، تستند على التحذير من فكرة عسكرة الدولة، وهو ما كان لا بد من تخفيف درجة وضوحه بإضافة عنصر نسائي ينتمي إلى فئة يعدها البعض في حكم مهمشة، ولفت أنظار الخارج بعيدا عن استحواذ المؤسستين العسكرية والشرطية على ثلثي حركة المحافظين تقريبا.

الدفع بميخائيل نحو مقعد منصب مهم يبدو بمثابة مكافأة ظاهرة لعدة فئات، أهمها الأقباط، وهو ما دلل عليه احتفاء هؤلاء عبر قنواتهم، بعد ما اعتبروا الخطوة بداية مرحلة جديدة لتمكينهم سياسيا، وطي صفحة قديمة عانوا فيها كثيرا على الصعيد الإداري.

كتب منير بشاي، باحث متخصص في الشأن القبطي، عبر موقع “أقباط متحدون” بعد ساعات من تعيين ميخائيل محافظة لدمياط، مقالا احتفاليا، قال فيه “إن هذا التعيين في منصب المحافظة يعتبر حدثا مهما فى تاريخ الأقباط. فمنذ الغزو (الفتح) العربى لمصر كان يجري التعامل مع الأقباط على أنهم أهل ذمة تحت حماية المسلمين نظير دفعهم للجزية، وغير مسموح لهم بشغل المناصب القيادية عملا بمبدأ لا ولاية لغير المسلم على المسلم”.

شعر الأقباط في العقود الماضية التي شهدت صعودا لافتا للتيار الديني في مصر، أنهم الفئة الأكثر تمييزا في المجتمع، وزاد ذلك من مخاوفهم مع سيطرة وهيمنة الإخوان المسلمين والسلفيين على الشارع السياسي حتى ثورة 30 يونيو عام 2013.

وهو ما جعل الأقباط يصطفون بقوة خلف السيسي، عندما كان وزيرا للحربية، للإطاحة بحكم جماعة الإخوان، وإعادة أركان الدولة المدنية حتى وإن جاء ذلك على حساب الحريات والوضع الاقتصادي والاجتماعي.

أما كمال زاخر الباحث القبطي، فيقول لـ”العرب” إن “انكشاف النُخبة السياسية بعد ثورة 25 يناير عام 2011 ساهم في ضعف ثقة الأقباط في جميع الأحزاب القائمة، ودفعها إلى البحث عن ظهير مُغاير، وبالطبع لم يكن ذلك الظهير سوى المؤسسة العسكرية”.

وأضاف “التوسع الجديد في تعيين قبطية وقبطي في مناصب مهمة، يدحض أي افتراءات بشأن حرمانهما من المناصب الرفيعة، والسيسي عرف كيف يعالج هذه المسألة بعيدا عن الطائفية”.

من ضمن الدلالات الاجتماعية المهمة اختيار سيدة مرة أخرى في منصب إداري هام، وقوف المرأة بشكل عام كداعمة للسيسي في مواقفه وقراراته السياسية. وانتظرت السيدات منذ ذلك الموقف أن يكون رد الجميل سريعا بفتح الطريق أمام المرأة للتمكين السياسي والإداري. وهو ما أقدم عليه الرجل عبر توسيع مشاركة السيدات بصورة لم تشهدها مصر من قبل.

ظهرت البوادر الأولى لذلك في دخول 87 امرأة مجلس النواب، وارتفاع تمثيل المرأة في الحكومة لتصل لأول مرة إلى ثماني وزيرات من بين 32 وزيرا، يتولين حقائب، الثقافة والاستثمار والتخطيط والسياحة والصحة والهجرة والتضامن الاجتماعي والبيئة.

تم الدفع بالمرأة إلى مناصب لم تكن ترتادها من قبل مثل نائب محافظ البنك المركزي، ورئيس هيئة النيابة الإدارية، فضلا عن تعيين 6 سيدات نائبات لرئيس هيئة قضايا الدولة ليرتفع عدد القاضيات في مصر إلى 66 قاضية.

هذه التطورات تؤكد أن ميخائيل، يمكن أن تكون عنوانا لمرحلة تتسم بالانفتاح، وإعادة بناء الإنسان المصري على أسس حضارية، تستمد روحها من التاريخ العريق، الذي لم يعرف كثيرا التفرقة بين رجل وامرأة، أو بين مسلم وقبطي.

12