مناهج الأزهر بين طي صفحات العنف وكتابة سطور التنوير

الخميس 2014/11/13
المجالس العلمية بأروقة الأزهر لعبت دورا هاما في التصدي للأفكار المتطرفة وتربية الناشئة على سماحة الإسلام

القاهرة - أصبحت المناهج الأزهرية في الآونة الأخيرة موضع اتهام، وربط البعض بينها وبين ما يقوم به طلبة جامعة الأزهر من مظاهرات وأعمال تخريب داخل الحرم الجامعي، مما دفع إلى اتهامها بالتحريض على العنف وإفساد عقول الطلبة، ونادى البعض بضرورة تعديل هذه المناهج في مرحلة التعليم ما قبل الجامعي، وتعديل الاستراتيجية التي بنيت عليها، خاصة أنّ الأزهر لا يزال ينظر إليه كثيرون، باعتباره أحد منارات العلوم الإسلامية على مستوى العالم.

في إطار الجدل الدائر حول المناهج الأزهرية، كان وزير الأوقاف المصرية، محمد مختار جمعة، قد طالب بتعديل هذه المناهج، مؤكدا أن بعضها يحتاج إلى جراحة سريعة في بعض الموضوعات، وأن لجنة إصلاح التعليم بالأزهر أقرت بالفعل ضرورة حذف بعض الأجزاء والمواضيع التي كتبت في ظروف معينة وناسبت عصرها وزمانها وبيئتها، وباتت الآن في حاجة إلى المراجعة والتنقيح والتطوير.

وفي سياق متصل، قال محمد عبدالعاطي رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر في تصريح لـ“العرب”: “إنّ الأزهر قائم على أسس سليمة في محاربة التطرف”، نافيا إصابته بـ“الترهّل” كما يتهمه البعض، رافضا الربط بينه وما تقوم به الجماعات التكفيرية التي ظهرت منذ فترة، مؤكدا أنّه حارب التكفير من خلال المناهج التعليمية والقوافل على حد سواء.

كما أوضح رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، أنّ الفكر التكفيري ظهر بسبب قلة فهم الدين والخطاب الديني السطحي الذي تقدمه بعض القنوات الفضائية”، مؤكدا أنّ هناك لجنة تم تشكيلها لتعديل مناهج الأزهر منذ فترة من أجل مواكبة العصر.

من جهة أخرى، فقد احتدت معركة ليست بعيدة عن هذا السياق أخيرا بين بعض الإعلاميين وأصحاب الفكر الليبرالي من جهة، وأساتذة جامعة الأزهر من جهة أخرى، إذ اتهم الفريق الأول المناهج الأزهرية بأنها ترسخ ثقافة العنف والتطرف والجمود في عقول الطلبة، حيث أعلن الإعلامي المصري يوسف الحسيني عبر برنامجه “السادة المحترمون” الذي يقدمه على محطة “أون تي في” الخاصة أن اللجنة انتهت فعليا من تعديل 50 بالمئة من هذه المناهج لكنّه قال في المقابل “إنّ الأزهر ليست له قداسة دينية، وأن القداسة فقط للأنبياء والرسل، وأنه مؤسسة علمية لا دينية كما يقول الدستور”، مما أثار غضب الأزهريين.
عبدالحي عزب: "المناهج تعرض الرأي والرأي الآخر والهجوم عليها يؤجج التطرف"

وأبدى عباس شومان وكيل الأزهر تعجبه من وسائل الإعلام التي تسعى إلى إنكار صلة الدين بالإرهاب، وتدلل على سماحة الدين الصحيح وقبوله الآخر، كما تتصاعد الأصوات التي تطالب الأزهر بضرورة تصحيح الخطاب الديني وببيان الإسلام الصحيح. حيث أوضح في تصريح لـ“العرب”، “أنّه ليس لزاما على الأزهريين الدفاع عن الإسلام عقب كل حادث إرهابي، لأنّ هذه الأعمال لا تصدر عن مسلم”، مشيرا إلى “أنّ الأزهر يعمل بكامل طاقته على جميع الأصعدة، وقد قام بالفعل بتطوير كامل مناهجه، وبدأ بتطبيق بعضها هذا العام ويكتمل التطبيق العام المقبل”، مضيفا بالقول: “إنه تم تنسيق التعامل مع الأوقاف ودار الإفتاء المصرية والكنائس في ملحمة لاينكرها إلاّ جاحد، على عكس تلك الأبواق التي تسهر ليلها تنخر أساسات الدين وثوابته عبر الفضائيات، حتى أن بعضهم ينسب تهمة العنف إلى مناهج الأزهر وهو محض افتراء”، مشددا على “عدم التسليم بفرضية أن من يقومون بهذه الأعمال هم مسلمون لأنه لا علاقة لهم بمبادئ الإسلام السمحة”.

من جهته، قال محمد عبدالفضيل القوصي وزير الأوقاف الأسبق، في تصريح لـ“العرب”: “لو كانت مناهج الأزهر تدعو إلى التّعصب لأغلقت الدولة أبوابه منذ زمن طويل”، مشيرا إلى “أنّ جوهر تلك المناهج يجعل الطالب الأزهري ينفر بطبعه من الفكر التكفيري والعنف، ويعتبره منافيا لآداب الإسلام، لأنّ علم الأزهر هو علم عقائد ويقوم على منهج ارتضته الأمة أجيالا طويلة وهو المنهج الأشعري الذي يرجع إلى عصر الأمام أبي الحسن الأشعري الذي صاغ تلك العقيدة، أخذا عن الصحابة”.

محمد عبدالفضيل القوصي: "الطالب الأزهري ينفر بطبعه من الفكر التكفيري"

وفي ذات السياق، أوضح القوصي “أنّ هذا المنهج البسيط يؤكّد أنّ باب الإيمان مفتوح لكل من شهد الشهادتين، ومن ثم فإن باب الشرك أصبح محصورا في إنكار ألوهية الله ورسالة الرسول وبهذا الفهم العميق البسيط ابتعد المسلمون عن الاتهام بالشرك أو الكفر، ومن ثم عن استباحة الدماء والأرواح والأنفس، وهو ما راعته وقامت عليه مناهج الأزهر”.

وشبّه وزير الأوقاف الأسبق، ما يحدث من احتجاجات ومظاهرات داخل أسوار جامعة الأزهر بـ“الرياح الخبيثة” التي وردت إلى أفكار هؤلاء الشباب وأصابت أرواحهم بالجفاف والعنف وضيق الأفق.

كما غزتهم وغذّتهم بأفكار تقوم على تعقيد مفهوم الإيمان، موضحا أنّ هناك جهات مختلفة أسهمت في هذا الاتجاه، منها شيوع الفكر المتشدد الوهابي وأفكار ابن تيمية التي اختلطت بأفكار الخوارج القدامى والمعاصرين الذين غفلوا عن سماحة الإسلام وما يدعو إليه من برّ ورحمة وأهملوا هذه المبادئ.

كما أنه لم يستبعد وجود قلّة من بين أساتذة جامعة الأزهر، تسبّبت في ترسيخ هذا الفكر داخل عقول الطلبة، لأنهم نسوا أساليب الدعوة التي جاء بها القرآن الكريم في قوله تعالى في آخر سورة النحل “ادعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن”، مؤكدا أنّ مواقع التواصل الاجتماعي كان لها بالغ الأثر في تسرّب الفكر العنيف تحت اسم الجهاد والتكفير إلى بعض الشباب.

13