مناهضة الاستفتاء الكردي تنزلق نحو شيطنة أكراد العراق

دوائر عراقية ذات نفوذ تتصدّى لمعضلات البلد وقضاياه الكبرى على غرار حرب داعش والاستفتاء على استقلال الأكراد بخطاب طائفي وعنصري منفّر يساهم في إيقاظ النوازع الطائفية والقومية ويزيد من إضعاف الوحدة الاجتماعية للبلد بدل دعمها وصيانتها.
الاثنين 2017/10/16
لكل مرحلة عدو

بغداد - تنشط بالتوازي مع الحراك السياسي المتسارع في العراق لتطويق نتائج الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق، آلة دعائية متعدّدة القنوات والمنصّات تحاول إسناد ذلك الجهد وتبريره، لكنّها لا تسلم في الكثير من الأحيان من الانزلاق نحو مطبّات العنصرية والطائفية، وشيطنة الآخر الذي ليس سوى أكراد البلد الذين يراد في نفس الوقت الإبقاء عليهم ضمن مكونات العراق وجزءا من مواطنيه.

ويقارن متابعون للشأن العراقي ردود أفعال بعض الجهات العراقية على الاستفتاء الكردي، بتعاطي الجهات ذاتها مع احتلال داعش للمناطق العراقية، حيث لم تتردّد في اتهام سكان تلك المناطق من أبناء الطائفة السنية (مثل مدينة الفلّوجة) بالتواطؤ مع التنظيم واحتضانه ملقية عليهم تبعة المآسي التي كانوا يتعرّضون لها تحت “حكم” التنظيم المتشدّد.

ويساهم مثل هذا الخطاب المنفّر في إضعاف الوحدة الاجتماعية للعراق وفي إيقاظ النعرات الطائفية والقومية القابلة للتحول إلى نزعات انفصالية.

وتتصدّر المشهد الدعائي ضد الاستفتاء المذكور الأحزاب والميليشيات الشيعية بمختلف منابرها السياسية والإعلامية والبرلمانية.

وتنسب تلك المنابر لرئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني وحزبه “الحزب الديمقراطي الكردستاني” الذي يمثّل شريحة هامّة من أكراد العراق العديد من المساوئ تتراوح بين الانتهازية والتواطؤ مع إسرائيل والتآمر لإدخال تنظيم داعش إلى المناطق العراقية ومواصلة احتضان التنظيم بعد هزيمته وطرده من أغلب المناطق التي كان قد احتلّها بدءا من سنة 2014.

ووجد رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الذي يقود حزب الدعوة الإسلامية الحاكم، في الاستفتاء فرصة سانحة لتجديد الهجوم على خصمه البارزاني، ولاتهامه بالمسؤولية عن غزو داعش للموصل وما بعدها، جاعلا من الرّجل شماعة لتعليق تلك الكارثة التي حلّت بالعراق في نهاية الولاية الثانية للمالكي، في استغلال واضح لمشاعر قسم من العراقيين الغاضبين على البارزاني.

ميليشيات الحشد الشعبي تنتظر أوامر جديدة بعد انقضاء مهلة كانت أعطتها للبيشمركة للانسحاب من مواقع قرب كركوك

وعمل زعيم حزب الدعوة على ترسيخ فكرة تواطؤ أربيل مع تل أبيب وإقامة علاقات سرية معها قائلا إنّ بغداد لن تسمح بإقامة “إسرائيل ثانية في شمال العراق”.

كما جدّد في حوار مع قناة فرنسا 24 اتهام القيادة الكردية بالتآمر لـ”تسليم” المناطق العراقية لتنظيم داعش وسحبها القوات الكردية من تلك المناطق لدى غزو التنظيم لها.

وما تزال دوائر شيعية عراقية تحاول ترسيخ تلك التهمة وتحويلها إلى “حقيقة”.

وقال جبار المعموري القيادي في الحشد الشعبي المكوّن في غالبيته من ميليشيات شيعية مسلّحة إنّ نحو 800 عنصر من داعش بينهم 30 قياديا في التنظيم سلّموا أنفسهم لقوات البيشمركة في محافظة كركوك بعد هروبهم من الحويجة، مشيرا إلى أنّ مصير هؤلاء ما زال غامضا والبيشمركة لم تعطِ أي إجابات عن الأماكن التي نقلوا إليها، ولماذا لم يجرِ تسليمهم للقوات الأمنية المشتركة والحشد الشعبي.

ومن جهتهم يواصل نواب بالبرلمان العراقي السعي لمعاقبة زملاءهم الأكراد في البرلمان ذاته.

ودعا هلال السهلاني النائب عن التحالف الشيعي الأحد إلى تعديل القوانين لمحاسبة النواب الأكراد “على حنثهم باليمين”، وفق ما ورد على لسانه، محاولا إدراج مساندة هؤلاء النواب لاستفتاء الاستقلال في خانة “الخيانة العظمى”.

ولا تقف مواجهة الدوائر الشيعية العراقية للاستفتاء الكردي عند حدود التصريحات، إنما تتّخذ طابعا عمليا أكثر خطورة على أيدي الميليشيات الموالية لإيران، والمترجمة لفزع طهران -على غرار أنقرة- من أي خطوات استقلالية لأكراد المنطقة.

ويبدو من المناسب لطهران استخدام تلك الميليشيات التي ساهمت بشكل رئيسي في إنشائها وتدريبها وتسليحها، أذرعا لإحباط المحاولة الاستقلالية لكردستان العراق.

وقال مسؤول أمني كردي، الأحد، إن مقاتلي البيشمركة رفضوا إنذارا من جماعات مسلحة عراقية للانسحاب من تقاطع استراتيجي جنوب كركوك يتحكم في الوصول إلى بعض حقول النفط الرئيسية في المنطقة.

وذكر المسؤول بمجلس الأمن التابع لحكومة إقليم كردستان العراق لوكالة رويترز أن قوات الحشد الشعبي أعطت مهلة زمنية لمقاتلي البيشمركة للانسحاب من موقع شمالي تقاطع مكتب خالد. وشرح أنّ الموقع يصل بين قاعدة جوية مهمة وحقل باي حسن النفطي أحد الحقول الرئيسية.

وقال علي الحسيني المتحدث باسم قوات الحشد الشعبي من جانبه إن المهلة انقضت، مضيفا “نحن ننتظر أوامر جديدة، وليس من المتوقع حصول تمديد”.

ويحمل الصدام المحتمل بين الميليشيات الشيعية العراقية وقوات البيشمركة الكردية محاذير حرب أهلية جديدة في العراق الذي يقترب من طي صفحة الحرب المرهقة ضدّ تنظيم داعش.

غير أنّ تلك الحرب قد تصبح حاجة ومطلبا لإيران المهتمّة مثل تركيا بضرب أي محاولة لاستقلال الأكراد، بغض النظر عن الضريبة التي ستترتّب عليها وسيدفعها العراقيون وحدهم.

3