مناورات الكتابة.. من وظيفة إمتاع البشر إلى صناعة الكوابيس

الاثنين 2014/02/10
سلافوي تشيتجاك: الكتابة تُناور أكثر مما تُحاور

مع تنامي حضور الفئات المهمَّشة على مسرح أحداث الربيع العربي، ظهر جدل ثقافي صورتُه الشكّ في فاعلية الكاتب العربي في أحداث واقعه، حيث وُصف بكونه ظلّ واقفا على الربوة وقوفا ممزوجًا بالتخلّي عن دوره الحضاري في ترشيد اتجاهات مجموعته البشريّة. وهو جدل نراه منصبًّا في كثير منه على مساءلة وظيفة الكتابة من جهة كونها لم تغادر خانة التصوّر الاجتماعي الذي تتجلّى فيه شبيهةً بالترف الفكريّ المتعالي عن حاجات العامّة.

الظاهر أنّ هذا الجدل أعاد من جديد اختبار وظيفتيْ الكاتب والكتابة ضمن دائرة أسئلة الواقع العديدة وهي بالتأليف: لماذا نكتب؟ وهو سؤال قد يكون مبعثه ما تجلّى للكاتب في المتخيّل الثقافي من أحوال هو فيها لا يزيد عن كونه فردا ينتمي إلى مجتمع الذين يأكلون الخبز من فعل الكتابة، أو هكذا يذهب الظنّ بالبعض منا على الأقل، وقد يكون الأمر نتيجَ طبيعةِ ما يُلاحظ من أنّ مُتونَ الكتابة الفكرية والإبداعية الراهنة إنما هي تدّعي الكتابة عن الواقع في الوقت الذي لا تمثّل فيه طموح الذين يعيشون في هذا الواقع.

ومهما يكن من أمر علاقة الكتابة بواقعها، سواء أكانت تأريخا له أم استشرافًا لأحوال كائناته، فإنّه، وعلى مدار هذيْن الرأيَيْن، قد ظهرت كتابة عربية يمكن وصفها بالتطهيريّة، حيث يسلك فيها أصحابُها الكلامَ عن آلام الناس وتردّي أحلامهم سبيلا إلى تطهير كيانات بشرية أو منظومات أيديولوجية أو أنظمة مهترئة ومنحها قداسات لا تستحقّها.


بيضة الكتابة


نميلُ إلى القول إنّ وظيفة الكتابة تنهض على الرغبة في جَرح الحقيقة، مهما كانت طبيعتها، وتعديل ما يُروى عنها من صُوَرٍ محمولة في اللغة، وذلك حفزًا لها لإسالة دماء المستَتِر فيها، والإنباء بالمسكوت عنه داخلها، وتعرية الغامض والرمزيّ والمتعالي ضمنها. ومن ثمة، تكون الكتابة وسيلة يقول بها الكاتب ما يخالف هدأةَ القناعات. وهذا يعني أنها لا تنكبّ على وظيفة إقناع القرّاء، بفضل ترسانة أقنعتها التشبيهية وآلاتها الاستعارية، وإنّما تتكفّل بمهمّة زرع الشكّ الممزوج بالحيرة الممزوجة بعدم الاقتناع بالموجود، في نُشدان دائم لكلّ ما يعركُ سكينة الواقع ويخلق فيه مواجهاتٍ فكريّة محمولةً في أسئلة جديدة هي من النهوض الحضاري والثقافي جوهرُه ونورُ هدايته، لأنه لا شيء محايِدًا على هذه الأرض، ولا شيء موضوعيا في الإنسانيات ولا شيء عصيّا عن الحفر أو لا تطيشه سهام الأسئلة.

هل كتابتنا العربية، في جميع تنويعاتها، معنية بإظهار الحقيقة بلا مساحيق؟ سنجيب بالقول إن لعبة تمويه الحقيقة، تلك التي ظل الكاتب فيها على مرّ التاريخ متأرجحا بين مرتبتيْ الفاعل والمفعول به، لا تنهض إلاّ على دعامة نوع الإجابة المقترحة لهذا السؤال. لذلك سنُعيد صوغ سؤالنا من جديد: هل نحن نكتب الحقيقةَ أم نكتب صورتَها المعروضةَ للناس؟

إذا افترضنا أن الحقيقةَ، أيّ حقيقة، هي أطروحة صعبة التكشُّفِ في المعيش اليومي بسبب ما يغشاها من صنوفِ الفوضى القِيمية والأخلاقية التي يمتزج فيها الأيديولوجيّ بالفلسفيّ، والشخصيّ بالعامّ، حقَّ لنا القول إننا مهما اجتهدنا طاقاتنا الفكرية في تأصيل مفهوم لها في الكتابة وبالكتابة معا، فإننا سنغرق في أمواه التمويه، ولا يبقى لنا من متنفّس لغويّ سوى تجميل تلك الحقيقة وفق المطلوب منا، بل وقد تُجبرُنا مصالحنا الشخصية على المشاركة في لعبة مناورة السائد بغرض حمايته وتجميل ملامحه.

وهو تجميل يوقعنا، بلا ريبٍ، تحت سطوة قوانين التسويق الاستهلاكي التي تُجبر الكاتب على تخيّل صورة للحقيقة جميلة ومخبوءة، يضعها في “عُلبة” لغويّة بليغة تجعل القارئ مدفوعا إليها، ليس بسبب حاجته إلى استهلاك “الحق” الذي فيها، وإنما بسبب شوقه إلى كشف ما يختفي في تلك الصورة المُعلَّبة من أوهام عن الحقيقة جميلة وشفيفة على غرار أوهام الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والانفتاح الجدليّ على الآخر، وهو ما كان أطلق عليه الفيلسوف السلوفيني “سلافوي تشيتجاك” اسم “الكنز المخبوء” في مقالة له موسومة بـ”حقوق الإنسان في بيضة الشوكولاتة”، ومثّل لذلك بمقولات إشهار علبة “الكوكاكولا” القائمة على التسويف والخداع، أو بحيلة بيضة “كيندار سربريز″ التي تسلب لُبّ الأطفال وتجعلهم يُقبلون عليها ليس رغبة منهم في أكل ما فيها من شوكولاتة فقط، وإنما لمعرفة ما فيها من مفاجآت.

ولكن هذا الفيلسوف لم يذكر في تحليله الثقافي لهذا المثال أنّ شوق هؤلاء الأطفال إلى اكتشاف حقيقة المفاجأة المنتظرة في بيضة الكيندار شبيه بشوق القرّاء إلى “الكنز المخبوء” في الكتابة الإبداعية. ذلك أنّه كما يتنبّه الطفل إلى أن اللعبة الصغيرة الموجودة بالبيضة إنما هي سريعة التلف، فيمجّها بلا ندم، ومن ثمة تراه يعود يأكل الشوكولاتة التي فيها، فإنّ القارئ سيتنبّه أيضا إلى زيف “كنز القيم” وكذبة “فائض المعنى” اللذيْن تَعِده بهما الكتابة التجميلية وَعْدًا محمولا في صورة عن الحقيقة فاتنة بعضها قد يتحقّق الأرض وبعضها الآخر سينتظره في السماء، فإذا به يمجّها بلا ندم باحثا له في فضاءات كتابية أخرى عن “حقيقته هو” حتى وإن كانت مؤلمة بالنسبة إليه، أو مؤلمة بالنسبة إلى مجموعته البشريّة. وفي خلال هذا البحث، يقع الناس فريسة سهلة للخطاب الاستلابي والتوهُّمي، على غرار ما ظهر من أمر تيارات الإسلام السياسيّ التي يستثمر أصحابها توقَ الناس إلى الحقيقة ليُركّزوا مشاريع تدّعي حيازة الحقيقة وتُضمر الزجّ بهؤلاء في أتّون العنف والإرهاب.


مداراة الحقيقة


افتراضنا الثاني ينهض على دعامة أن وظيفة الكتابة هي مصارحة الناس بأسرار حقيقة واقعهم وكشفها والسعي إلى استنبات حقيقة جديدة مكانها جديرة بوقتهم، غير أنّ الخشية في هذه الحال مأتاها من تهافت شعرية كتاباتنا بسبب وقوعها في فخّ المباشراتية وضمور التخييل والارتهان لشروط الواقع والخضوع لأوامره النثرية، وهو ما نلفي له صورا طاغية على مشهدنا الإبداعي والفكري العربيّ، خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة، حيث قلّ ماءُ الكتابة وقلّت معه رغبة تلقّيها من قبل الجمهور في مناخ تحكمه الصورة المرئية وألوانها الزاهية.

وفي هذه الحال، حال تكفّل الكتابة بقول الحقيقة، لا نعدم وجود بعض المحاذير منها تمكّن الكتابة من قدرة تحريضيّة لفئة ضدّ أخرى، هذا بغضّ النّظر عن انتماءاتهما الدينية والعرقية والاجتماعية والثقافية، وبغضّ النظر أيضا عن وجاهة مطالب كلّ واحدة منهما.

ولعلّ في وقائع الثورات المعاصرة من الثورة الفرنسية عام 1789 إلى الثورة البلشفية عام 1917 وغيرها من ثورات الشعوب وحروبها الحديثة، ما يُنبئ بأنّ الكتابة مثّلت منها حافز الجماهير لتجاوز ضعفها وخوفها أمام تردّي حقيقتها المعيشة، حيث كانت كتابات مونتيسكيو وروسو وماركس ولينين وغيرهم من المفكّرين والمبدعين القادحَ الذي نبّه الناس إلى ضرورة معرفة “حقائقهم” التي حاولت السلط الحاكمة إخفاءَها عنهم.ولكنّ ثمن هذه الثورات كان باهظا على المستوى البشريّ، إذ زاد عدد قتلى الثورة الفرنسية عن30 ألف شخص وبلغ عدد قتلى الثورة البلشفية 20 مليون شخص، دون أن ننسى عدد قتلى الربيع العربي الذي يكاد يبلغ 160 ألف شخص وفق بعض الإحصاءات الحديثة.

ومهما ارتفعت ضريبة كتابة الحقيقة، فالرأي عندنا أنّ ذلك يظلّ السبيلَ الممكنةَ لنفض غبار السائد عن أذهان الناس، لأنّ السائد متى تقدّس، بفضل أعوانه المشتغلين في حقول الرمز والعقيدة والصورة والمال، صار وسيطا بين الناس وبين حقائقهم، فلا يُمرَّر منها إلاّ ما يخدم مصلحته هو ويمنحها الديمومة، بل إن السائد يمتلك بتحقّق قداسته بين الناس قوّتيْن: واحدة عازلة وأخرى إحيائية: فنلفيه من جهة يعزل هؤلاء عن واقعهم وما فيه من إمكانات ثرّة لتصنيع رموز لهم فكرية وثقافية جديدة، سالكا في ذلك سبيل تشجيع كتابة التصوير ومنع كتابة التثوير، لا بل واستهجانها.

ومن جهة أخرى، نلفيه يُجيّش آلاته ليمنع حدوث أيّ تطاول رمزيّ عليه قد يكون محمولا في كتابة جديدة تمتح حقيقتها من أزمات التاريخ وحيرة الحاضر وعتمة الآتي، وتقدر على كشف زيف ذاك السائد وتعرية هجانته وزحزحته عن عرشه نقضا له وانتهاكا.وهو أمر يُجابَه عادة بسعي السائد إلى تحشيد أجهزته وأعوانه المعنويّين والماديّين للتعدّي على حرمة كلّ ما هو جديد، عبر كتابة تبريرية تحتمي، في إجهازها على ضديدتها كتابة الحقيقة، بمغالطات شعار “ليس في الإمكان أفضل ممّا كان”.


آلام التطهر


هل يمكن أن ننتصر لواحد من الافتراضيْن المقترَحيْن عن سؤالنا السابق: هل نحن نكتب الحقيقةَ أم نكتب الصورة الظاهرة منها لدى الناس؟ سنغامر بالإجابة قائلين إنّ كلّ كتابة تناور السائد لتحميه إنما هي كتابة ليست جديرة بوقتها، بل هي كتابة مُغالِطة للمتلقّي من جهة كون أصحابها يزعمون انتهاك السائد وهم في الأصل يدعمون أساساته.

ولئن عرّض الانتصارُ للحقيقة الفعلَ الكتابيَّ إلى مخاطر فنية واجتماعية وجمالية قد قلّلت من حجم إقبال القرّاء عليه، فإن ذلك لا يجب أن يدفعنا إلى القول إنّ حجم خسائر كتابة “الحقيقة” في التاريخ البشري والجهر بها أمام الناس أكبر من حجم إخفائها وتجميل صورتها. فآلام التجميل بليغة أيضا وعالية الكلفة، وقد تُشوّه في الشعوب منظوماتِها الأخلاقيةَ والروحيةَ والذوقيةَ، وتقتل فيها إحساس مواطنيها بكينوناتهم الخاصة والوطنية.

ذلك أنّه متى تكفّلت الكتابة بتكريس السائد سواء أكان أنظمة سياسية أم منظومات أيديولوجية، وتعليبه تعليبا أسلوبيا جميلا، فإنها تبلغ به حالات تطهيرية وتطهُّرية ما كان ليبلغها بمفرده، وتمنحه قوّة رمزية يستحوذ بها على العقليات الاجتماعية ويصير فيها مُقدَّسَها الذي يُجرّم كلّ مَن يتطاول عليه لمسا أو همسا.

15