مناورات النهضة تفاقم الانسداد السياسي في تونس

حركة النهضة الإسلامية تسعى لإطالة أمد الأزمة السياسية التي تعيشها تونس وهو ما تعكسه مواقفها المتشبثة بالإبقاء على حكومة يوسف الشاهد مقابل اتفاق جميع الموقعين على وثيقة قرطاج على ضرورة رحيلها.
الثلاثاء 2018/06/12
تركيز تام على مرحلة ما قبل الانتخابات

تونس  – لا تتوقف حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي، عن وضع العراقيل كلما لاحت في الأفق بوادر بداية اختراق للانسداد السياسي الذي تعيشه البلاد بسبب الخلافات حول النقطة 64 من وثيقة قرطاج2 التي تنص على رحيل الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد.

وتتالت خلال الأسبوع الماضي، المناورات السياسية التي تهدف إلى خلط الأوراق، والتأثير على الحسابات السياسية، كانت آخرها التصريحات الصادرة عن رئيس مجلس شورى حركة النهضة، عبدالكريم الهاروني، والتي اعتبر فيها أن تغيير الحكومة “لا يعدّ من الأولويات في هذه الفترة”.

واسترعى انتباه المتابعين لتطورات الأزمة في تونس، إصرار حركة النهضة الإسلامية على زيادة منسوب القلق الذي يتداخل مع واقع الانسداد السياسي، وذلك من خلال الاستمرار في المناورات السياسية المكشوفة التي من شأنها تعقيد الأمور.

وشدّت اهتمام المراقبين التحذيرات التي أطلقها عبدالكريم الهاروني، من مخاطر تأجيل أو إلغاء الانتخابات التشريعية والرئاسية المُقررة في أكتوبر 2019.

وقال الهاروني في تلك التصريحات التي جاءت على هامش ندوة تكوينية حول “الحكم المحلي وآلياته” عقدتها الحركة بمدينة الحمامات، إن “الحديث عن تأجيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية القادمة، هو بمثابة أزمة إضافية”. واعتبر أن “هذا التأجيل من شأنه أن يمسّ من استقرار تونس، ومن مسار الانتقال الديمقراطي”، الأمر الذي أثار نوعا من الريبة حول الأهداف الكامنة وراء مثل هذه التحذيرات، بالنظر إلى توقيتها الذي يأتي في وقت تترقب فيه الأوساط السياسية كلمة للرئيس الباجي قائد السبسي خلال الأسبوع الجاري.

محسن النابتي: النهضة تجر تونس إلى مربع جديد من الجدل عنوانه الاستحقاقات القادمة
محسن النابتي: النهضة تجر تونس إلى مربع جديد من الجدل عنوانه الاستحقاقات القادمة

وتقول دوائر مُقربة من الرئاسة التونسية، إن الرئيس قائد السبسي انتهى من وضع الخطوط العريضة لهذه الكلمة التي سيُحدد فيها الاتجاهات العامة لمعالجة الأزمة الراهنة.

وامتنعت القوى السياسية عن إرسال أي إشارات ضمنية أو علنية يُستشف منها أي اصطفاف باستثناء حركة النهضة الإسلامية، التي فرضت تحذيراتها المذكورة، إعادة قراءة للحسابات السياسية المُرتبطة بهذه الأزمة، خاصة وأنها بدت مُسقطة، وليس لها ما يُبررها على أرض الواقع في هذا التوقيت بالذات.

وأثارت تلك التحذيرات انتباه المراقبين، وقلق السياسيين على حدّ السواء، حيث ذهب البعض منهم إلى إبداء خشية من أن تكون حركة النهضة الإسلامية تسعى من وراء ذلك، إلى المزيد من إرباك المشهد السياسي عبر إثارة الجدل حول الاستحقاقات القادمة، بما يُبعد الأضواء عن جوهر الأزمة الراهنة.

وقال القيادي في التيار الشعبي، محسن النابتي، لـ”العرب”، إنه لا يمكن فهم مثل هذه التحذيرات بعيدا عن سياق المناورات السياسية التي تستهدف إرباك الوضع العام في البلاد، والمزيد من تعميق المأزق الراهن.

واعتبر أن حركة النهضة التي يُنظر إليها على أنها السبب الرئيسي في وصول الأزمة إلى هذا النفق الخطير نتيجة دعمها المُريب لرئيس الحكومة، تريد من وراء تلك التحذيرات جرّ بقية القوى السياسية إلى مربع جديد من الجدل الصاخب تحت عنوان الاستحقاقات القادمة، علها بذلك تُغطي على دورها المُعرقل لأي تسوية تُنهي الأزمة الحالية.

ودعا النابتي إلى عدم تجاهل الرسائل السياسية الواضحة الكامنة وراء هذه المناورة التي وصفها بالمكشوفة.

ولفت إلى أن الجميع يُدرك أن حركة النهضة دخلت في مساومات ومقايضات مع الرئيس قائد السبسي، منها التوافق حول حزمة من القضايا الجوهرية على صلة بالاستحقاقين الانتخابيين القادمين، قبل سحب دعمها المعنوي والسياسي لرئيس الحكومة، وبالتالي تجاوز عقدة النقطة 64 من وثيقة قرطاج2.

وتخشى الأوساط السياسية أن تُساهم هذه المناورة في تبديد أجواء التفاؤل الحذر بقرب الخروج من المأزق الراهن، وما تلاه من تطورات سياسية متسارعة وصلت إلى حد إقالة وزير الداخلية لطفي براهم، وذلك على ضوء تزايد الحديث حول ترحيل عملية الحسم إلى ما بعد عيد الفطر، وعلى قاعدة ما سيقوله الرئيس السبسي في كلمته المُرتقبة.

ورغم تعقيدات الموقف، ترى تلك الأوساط السياسية، أن اللقاءات والمشاورات السياسية المُكثفة التي جرت السبت، بعيدا عن الأضواء، فتحت الباب أمام بروز توقعات بتحقيق اختراق يكون بمثابة الانفراجة السياسية المُتوقعة.

ولعبت عدة عوامل في إشاعة ذلك التفاؤل الحذر، منها تراجع حدة الخطاب السياسي للاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يُعدّ من أبرز القوى التي تُطالب برحيل يوسف الشاهد وحكومته، وذلك مباشرة بعد اجتماع أمينه العام، نورالدين الطبوبي، مع الباجي قائد السبسي في قصر قرطاج الرئاسي.

وكشف الطبوبي في أعقاب ذلك الاجتماع، عن وجود تقارب في وجهات النظر بين الاتحاد العام التونسي للشغل، ومؤسسة الرئاسة بخصوص سبل تجاوز الوضع الصعب في أقرب الآجال، قائلا إن “الوضع السياسي سينفرج نهائيا خلال الأيام القادمة”، وذلك في إشارة إلى الانسداد السياسي الذي وصلته مشاورات المعنيين بوثيقة قرطاج2.

وتبقى الخشية التي تُبديها الأوساط السياسية مشروعة، بالنظر إلى الرسائل السياسية التي جعلت مسارات التسوية تصطدم مرة أخرى بحسابات مُغايرة عكسها اندفاع حركة النهضة نحو التشويش على تلك المسارات عبر استحضار قضايا جدلية جديدة لإسقاطها على الاستعدادات الجارية لاستئناف اجتماعات وثيقة قرطاج2.

4