مناورات تكتيكية للغنوشي تفضح ازدواجية خطابه السياسي

الاثنين 2014/10/13
المواطن التونسي سئم نفاق السياسيين ووعودهم الكاذبة

تونس – كثف رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية راشد الغنوشي من توجيه الرسائل في اتجاهات متعددة شملت الداخل التونسي، والأطراف الإقليمية والدولية، وذلك في مسعى للظهور في صورة جديدة يريد بها محو الصورة الحقيقية لحركته التي عكستها عندما وصلت إلى الحكم، والتي اتسمت بـ”التغول”، ومحاولة ضرب أسس مدنية الدولة، وفرض نمط مجتمعي جديد على تونس يتناقض كليا مع مفاهيم الحداثة والتطور.

ففي استدارة في مواقفه السياسية تجاوزت الـ180 درجة، بدا الغنوشي، حريصا على “التوافق والوفاق”، وعلى “التعايش” بين جميع التيارات السياسية، وعلى “مدنية الدولة”، و”الحكم التشاركي” حتى وصل به الأمر إلى حد القول إن “حركته على استعداد لتشكيل حكومة تضم أحزاب النظام السابق”.

وعكست هذه المواقف التي سعى من خلالها الغنوشي إلى التسويق لحكومة وحدة وطنية لإفراغ الانتخابات من محتواها، تناقضا حادا مع مواقفه وتصريحاته أثناء حكم حركته للبلاد في أعقاب انتخابات 23 أكتوبر 2011، حيث حكمت تصريحاته “سطوة الحكم”، واتسمت بعنف لفظي، وبرغبة جامحة في نسف كل المكتسبات الحداثية التي راكمتها البلاد طيلة العقود الماضية، حيث بدا آنذاك “حريصا على تطبيق الشريعة الإسلامية”، وضرب مكتسبات المرأة، وصولا إلى محاولة فرض نمط مجتمعي جديد.

وربط مراقبون هذا الانقلاب العنيف في مواقف الغنوشي بزيارته الأخيرة للعاصمة الأميركية، وانهيار حلفائه الاستراتيجيين إخوان مصر، وانكفاء دور قطر وعودتها إلى حجمها الطبيعي، وقبل ذلك إدراك العالم أن بروز الإرهاب في تونس ارتبط بصعود الإسلام السياسي ووصوله إلى الحكم.

وبحسب الأكاديمي التونسي الدكتور مصطفى التليلي، فإن هذا التناقض في مواقف وتصريحات الغنوشي ليس غريبا، وليس جديدا، وهو يُحيل على ازدواجية الخطاب التي عُرفت بها حركة النهضة الإسلامية خلال السنوات الثلاث الماضية.

مصطفى التليلي: خطاب الغنوشي في خدمة المشروع الإخواني

وقال في اتصال هاتفي مع “العرب” إن التناقض الأكبر والأكثر خطورة في خطابات الغنوشي، هو “التنافر بين الأقوال والأفعال، حيث في الوقت الذي يزعم فيه الغنوشي حرصه على الوحدة الوطنية، نرى أن حركته سعت إلى تقسيم الشعب التونسي، وفتحت حربا على المجتمع، وعلى الخيار التقدمي والحداثي الذي انتهجته تونس منذ عقود”.

ولفت في هذا السياق إلى أن التونسي كان يعيش إسلامه بكل حرية مع مواكبة روح العصر، غير أن حركة النهضة الإسلامية حاولت عندما وصلت إلى الحكم إدخال تغييرات جذرية، وسعت بشتى الطرق إلى “أسلمة” المجمتع من خلال القول إن هناك مسلمين حقيقيين، وآخرين تقليديين، كما فتحت مواجهة مع خيار المواطن التونسي، وهددت مكاسبه في بناء الدولة الحديثة والعصرية.

واعتبر أن مصطلح “التدافع الاجتماعي” الذي سعى الغنوشي إلى تسويقه، وهو مُصطلح “أراد به دفع الدولة إلى الاستقالة وتجريدها من دورها المجتمعي لترك المجال أمام هذا التدافع وفق عقلية المغالبة، مما تسبب في بروز ظاهرة التكفير، وخلق مجتمع مواز ومؤسسات دولة موازية، وهو ما ساهم بدوره في تفشي الإرهاب في البلاد”.

وشدد في تصريحه لـ”العرب” على أن لحركة النهضة الإسلامية خطابين، الأول علني موجه إلى الداخل والخارج مفاده أن الحركة معتدلة وحريصة على مبدأ التشارك في الحكم، والثاني موجه إلى أنصارها، وهو يتسم بالشحن المتواصل على كل ما هو حداثي، ومواصلة تقسيم المجتمع بين إسلامي وعلماني، وضرب مبدأ المواطنة من خلال التخوين والتكفير.

وقال إن الموقف الثاني "هو الموقف الحقيقي والثابت لحركة النهضة الإسلامية، وهو يندرج في سياق السعي إلى تطبيق المشروع الإخواني بصورة تدريجية، أي من خلال مراعاة التطورات الإقليمية والدولية، بالإضافة إلى محاولة احتواء خيبة السلطة وفشلها في إدارة شؤون البلاد خلال العامين اللذين حكمت فيهما تونس".

وتُشاطر الأوساط السياسية التونسية هذا الرأي، وتؤكد أن مواقف الغنوشي الأخيرة هي “مجرد بالونات لامتصاص غضب الشارع، ولإرضاء الأطراف الإقليمية والدولية، وهي مواقف قد تنقلب عليها حركة النهضة الإسلامية بحجة أنها مواقف شخصية للغنوشي، ولا تُلزمها لأنها ليست رسميــة باعتبار أن مجلس الشــورى لم يقرها.

1