مناورات داخلية تهدد أمن مصر والمنطقة

ترى مجموعة الشرق الاستشارية، (مركز بحثي في واشنطن)، أنه مهما كانت الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى السلطات المصرية، فإن المخاطر سوف تكون أكبر بكثير في حال حدوث أي تغييرات؛ وأي محاولات لتعكير الصفو المصري في هذه المرحلة الحساسة هي محاولات غير مسؤولة، وقصيرة النظر وضارة للغاية على جميع المستويات، ولها تداعيات خطيرة إقليميا ودوليا.
الأربعاء 2015/06/17
محاولة زعزعة نظام السيسي نتيجتها فوضى عارمة في المنطقة

تمرّ مصر بمرحلة حرجة من أجل استعادة تماسك الوضع الأمني والاجتماعي والسياسي والاقتصادي، زاد من صعوبتها، وفق تقرير استراتيجي لمجموعة الشرق الاستشارية، العمليات الإرهابية ومحاولات بثّ الفوضى، من قبل جماعات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، وجماعات أخرى تبحث عن ترسيخ حضورها، سعيا وراء الفوز في الانتخابات البرلمانية المقبلة. ولا ترى المجموعة الاستشارية أنه من قبيل المصادفة أن تعود “جماعات فوضوية”، مثل “البلاك بلوك” إلى النشاط من أجل جعل الاستقرار أمرا صعب التحقيق.

وتنتقد المجموعة البحثية، التي تتخذ من واشنطن مقّرا لها، أولئك الذين يدافعون عن جماعة الإخوان المسلمين في الغرب وأماكن أخرى، مشيرة إلى أنهم غير مستعدين لمناقشة دور الإخوان في العمليات الإرهابية، في مصر، أو الحديث عن الضحايا المدنيين الذين يسقطون جراء الهجمات على محطات الحافلات والمترو أو أماكن أخرى.

ويحتاج الوضع في مصر اليوم إلى ثلاثة عناصر هي: الاستقرار والمعونات الاقتصادية والوقت. وهذه العناصر ضرورية لمساعدة البلاد على تجنب الانزلاق في حالة فوضى محتملة، وفق ما جاء في تقرير المجموعة الاستشارية، التي تؤكّد أن تعكير الصفو المصري في هذا الوقت سوف يهدد أي فرصة من أجل تحقيق الاستقرار الداخلي والإقليمي. وتعتبر المجموعة الاستشارية أن جوهر الخلاف داخل مصر، وأيضا خارجها، يدور حول السياسات المحلية والإقليمية للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.

ورد الرئيس المصري ّ على هذه المحاولات بأن أظهر علامات الاستقلال وعدم الرغبة في إشراك بلاده في الحمى الطائفية الحالية التي تجتاح منطقة الشرق الأوسط، خاصة وأن الصراع ماض في مزيد الاتساع. ويصف التقرير وضع عبدالفتاح السيسي بـ”السيئ للغاية”، خاصة في سياق الاستقطاب الحاد الحالي وتأثيراته على النظرة الخارجية تجاه مصر.

الفريق أحمد شفيق يتهم ضباطا رفيعي المستوى في الأجهزة الأمنية في مصر بتضليل الرئيس من أجل تبرير دورهم

ويعتبر موقفه من جماعة الإخوان المسلمين واحدة من القضايا الرئيسية في النزاع. ففي الوقت الذي ترى فيه بعض الأطراف الخارجية أنه بإمكان جماعة الإخوان لعب دور في بناء الجدار السني لمواجهة التهديدات الإيرانية، يبدو الرئيس السيسي أكثر حذرا بشأن هذه الخطوة.

في المقابل يركز الرئيس المصري على توجيه البلاد بعيدا عن هاوية الانهيار والحرب الأهلية؛ فهو، إلى جانب الغالبية العظمى من المصريين، لا يريد أن يعرّض بلاده لمصير مشابه لليبيا أو سوريا. وفي هذا السياق تقول مجموعة الشرق الاستشارية إن أولئك الذين يحاولون إثارة ضجة في مصر غير قادرين على استشراف النتائج المترتبة على هذا البلد الخاص، ولا على بلدانهم كذلك.

وتنتقد المجموعة الخطة العامة لتعزيز مكانة الإسلاميين في الشرق الأوسط التي تعكس الاعتقاد بأنهم سوف يعززون المناعة الإقليمية أمام التغلغل الإيراني، وتعارض ما يقال حول إن “المعتدلين” الإسلاميين يمثلون جدار صدّ ضد المتطرفين، فالحقيقة أن الإسلاميين المتشدّدين تخرّجوا من مدارس الفكر السياسي الإسلامي المعتدل.

وسيكون لا معنى لتحصين المنطقة من التهديدات الإيرانية، مقابل تقديمها إلى الإسلاميين المتطرفين أو “معلميهم” المعتدلين. فالمعلمون والتلاميذ على حد سواء لا يعرفون أي حدود لهلوستهم المتعصبة. وسوف يعادون أولئك الذين يساعدونهم اليوم بالضبط كما فعلوا عندما اغتالوا أنور السادات. لذلك يخلص التقرير الاستراتيجي إلى أن تعكير الصفو المصري في هذا المنعطف الحرج سيكون بمثابة لعب بالنار. فإذا انهارت مصر، سوف لن يكون هناك بلد محصن في المنطقة.

الإخوان جزء من مجموعة

لكن، مصر ليست مستهدفة فقط من قبل أنصار الإخوان والجماعات الإسلامية المتشدّدة، فهؤلاء جزء من مجموعة كبيرة، تسعى إلى الاستفادة من المرحلة الانتقالية التي تعيشها مصر ومن الظرف الإقليمي العام. ويرصد تقرير مجموعة الشرق الاستشارية تحرّكات مجموعة أخرى من رموز النظام القديم تعمل على استغلال هذه الظروف من أجل العودة إلى المشهد السياسي بقوة.

ويذكر التقرير، في هذا السياق، الفريق أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء زمن الرئيس السابق حسني مبارك، باعتباره إحدى الشخصيات الرئيسية التي تقف وراء هذه المحاولات.

الأمر الذي نفاه شفيق، مؤكّدا، في تعليقه على ما تردّد في بعض وسائل الإعلام، حول تآمره على الرئيس عبدالفتاح السيسي، أنه «رجل محافظ ومُلتزم وعسكري بالدرجة الأولى وأرجو أن نحتفظ بمنصب رئيس الجمهورية بعيدا عن النقاش، لأنه رجل لا يختلف عليه، ومنصب لا نختلف عليه، والسيسي رئيسي».

تقرير مجموعة الشرق الاستشارية يرصد تحرّكات مجموعة أخرى من رموز النظام القديم تعمل على استغلال هذه الظروف من أجل العودة إلى المشهد السياسي بقوة

وكانت قد تداولت أنباء، في الأيام الماضية، تتحدّث عن “تورّط” الفريق أحمد شفيق، في إدارة ما وصفه البعض بـ “المؤامرة” تشاركه فيها مراكز قوى من رجال أعمال وإعلاميين ومسؤولين تستهدف تصدّر شفيق للمشهد السياسي، بزعم أحقيته في رئاسة مصر، استنادا للشكوك التي حامت حول الانتخابات الرئاسية التي جرت عام 2012، وتنافس في جولة الإعادة فيها مع مرسي، حيث قيل إن عملية تزوير طالت فرز الأصوات لصالح مرشح الإخوان.

والاتهامات التي وجهتها مراكز بحثية وصحف محلية، استنادا إلى مصادر عسكرية، صاحبتها مؤشرات لإيجاد أمر واقع لصالح شفيق، حيث استيقظ سكان القاهرة في عدد من الأحياء، ليفاجأوا بحملة ملصقات ورسمات غرافيتي على الجدران، تحمل صورا لشفيق مبتسما، وأسفلها عبارة “أنت الرئيس”.

وأكّد محلّلون لـ”العرب” أن الحملة ليست صدفة بل كانت منظمة، خاصة أنها ترافقت مع أحاديث لإعلاميين شاركوا في حملة شفيق الانتخابية في 2012، ورجال أعمال، جميعها تصب في خانة أن شفيق قد ظلم.

واستندت مجموعة الشرق الاستشارية، في ذكرها لاسم أحمد شفيق، على رسالة نادرة من السلطات وجهتها إلى شفيق وأنصاره تم نشرها في صحيفة “الشروق” المصرية. ومما ورد في الرسالة: “نحن نراقب التحركات التي تهدف إلى زعزعة شرعية الرئيس المنتخب، ونوجه هذه الرسالة إلى أولئك الذين يعتقدون أن تغيرات سياسية كبيرة سوف تحدث ويريدون دفع شفيق إلى الواجهة”.

وردّا على ذلك قال صديق مقرب من شفيق إن “الجنرال تقبل الرسالة بشيء من الصدمة وعدم التصديق”، مضيفا أن “الجنرال أعرب عن أسفه الشخصي من أن السلطات المصرية تتهمه بكل هذا ، في حين أنه يعتبر نفسه في نفس القارب مع الرئيس السيسي”. واتهم الفريق أحمد شفيق “ضباطا رفيعي المستوى” في الأجهزة الأمنية في مصر “بتضليل” الرئيس عبد الفتاح من أجل تبرير دورهم.

ادعى تقرير آخر، بحسب المجموعة الاستشارية، أن رجل أعمال مصري أميركي، عقد اجتماعا في أحد الفنادق الراقية في القاهرة في 25 مايو الماضي، حضره محافظون محليون سابقون وجنرالات جيش ووزراء حاليون. وقال التقرير، الذي تقول مجموعة الشرق الاستشارية إنه تم تسريبه من إحدى وكالات الأمن، إن رجل الأعمال كان مدعوما من مجموعة من رجال الأعمال المصريين، الذين يعيشون في بلدان أجنبية. وكان الغرض من الاجتماع مناقشة الانتخابات البرلمانية وسبل الحصول على كتلة صلبة في البرلمان المقبل.

البرلمان هو الهدف

في ردّ فعل على هذه المزاعم، تقدّم أحمد شفيق باستقالته من حزب الحركة الوطنية، في خطوة قال مراقبون يبدو أنها جاءت كنوع من التكتيك والردّ على الاتهامات التي لاحقته وأنصاره بالسعي لمضايقة النظام.

وكان الفريق شفيق، الذي يقيم في أبوظبي منذ حوالي ثلاثة أعوام، ويرأس حزب الحركة الوطنية، فاجأ أعضاء حزبه باستقالة وجهها إليهم، وأعلنها على حسابه بتويتر، مساء السبت الماضي، مرجعا قراره إلى “عدم القدرة على أداء مهام عمله، في تطوير الحزب وهو خارج البلاد”.

وعقدت الهيئة العليا لحزب الحركة الوطنية اجتماعا، أول أمس الإثنين، لمناقشة استقالة الفريق والرد عليها، وصدرت عدة بيانات من أمانات المحافظات ترفض قبول الاستقالة، مؤكدة أن رحيل الفريق شفيق عن رئاسة الحزب تضر بمستقبل مرشحيه في الانتخابات النيابية المقبلة.

مهما كانت الانتقادات الموجهة إلى السلطات المصرية فإن المخاطر سوف تكون أكبر بكثير في حال حدوث أي تغيير في مصر

وحول الاتّهامات الموجّهة إلى شفيق بالتآمر ضدّ الرئيس، قال هشام مراد، محام شفيق لـ”العرب”، إن الفريق أكد أنه من الداعمين للرئيس السيسي، وما رصد من حملة “أنت الرئيس” وملصقاتها، جاء نتيجة تسلل عناصر مندسة بين شباب الحزب.

وبشأن الملاحقات القضائية لشفيق، قال مراد: الفريق شفيق حصل على براءات في جميع القضايا بأحكام غيابية، وقضية واحدة باقية، ودفعنا فروق أسعار الأرض وأجريت مصالحة.

وأسس شفيق، الذي حصل على أكثر من 10 ملايين صوت في الانتخابات الرئاسية الأولى، حزب الحركة الوطنية، الذي يضمّ في صفوفه معظم قيادات الحزب الوطني المنحل، ويسعون للحصول على أغلبية مقاعد مجلس النواب المقبل، مستندين على رأس المال والعلاقات القبلية، ولوبي منتشر في مؤسسات كثيرة في الدولة المصرية.

ومعروف أن الدستور المصري يمنح صلاحيات واسعة لمجلس النواب المقبل، ما يعكس محورية دوره السياسي، ومدى تأثيره على مكانة رئيس الجمهورية، حال تشكيل حزب مناوئ له كتلة حرجة داخل البرلمان، الأمر الذي يؤكد مخاوف البعض من حصول رموز نظام مبارك على أغلبية الأصوات، في مثل هذه الفترة الانتقالية التي تمرّ بها مصر، وتحاول فيها السلطات تصحيح المسارات من خلال سيادة القانون والقطع مع منظومات المحسوبية والفساد.

7