مناورة أردوغان والسراج سترتدّ عليهما سياسيا

مذكرتي أردوغان السراج ستكون لهما انعكاسات عليهما قريبا وأنقرة تريد أن تجعل من وجودها في ليبيا والمنطقة أمرا واقعا.
السبت 2019/11/30
السراج يحاول جني مكاسب سياسية من وراء التوقيع على المذكرتين

القاهرة – أجرت قوى إقليمية ودولية مهتمة بالأزمة الليبية يومي الخميس والجمعة، مشاورات سريعة بعد توقيع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حكومة الوفاق الليبية فايز السراج، مذكرتي تفاهم في مجالي التعاون الأمني والمناطق البحرية، بما قد يؤدي إلى ارتدادهما سلبا على الطرفين.

التقطت هذه الدول الرسائل السياسية والاقتصادية التي تنطوي عليها الخطوة، ما يجعل من تركيا طرفا أصيلا في التلويح بتغيير المعادلة الليبية حاليا ومستقبلا، حال الإصرار على خروجها خالية الوفاض من ليبيا، وشراكات غاز شرق البحر المتوسط.

في هذه الحالة، يمكن أن تهدد أنقرة بعض القوى الغربية، صاحبة النفوذ التقليدي في الاستفادة من النفط والغاز في ليبيا، مستفيدة من استمرار الاقتتال، وتلكؤ المجتمع الدولي في اتخاذ خطوات حاسمة لإنهاء الأزمة.

وخرقت تركيا قواعد الجغرافيا السياسية بتدخلها السافر في ليبيا من خلال الدعم العسكري الذي تقدمه لتحالف السراج والإخوان والميليشيات، وسوف تخرق أكثر القواعد الحالية بشأن استغلال الموارد الطبيعية التي تتحكم في غالبيتها الولايات المتحدة وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا.

وكشفت بعض المصادر لـ”العرب”، أن مذكرتي أردوغان – السراج، ستكون لهما انعكاسات عليهما قريبا، لأن ما حدث لا قيمة حقيقية له، ويدخل في بند المناورة التي إذا تركت يمكن أن تخلق واقعا جديدا يضاعف من خلط الأمور الحالية في ليبيا.

وأضافت أن المذكرتين لهما أهداف مختلفة لدى كل طرف، فأنقرة تريد أن تجعل من وجودها في ليبيا والمنطقة أمرا واقعا، أو تستثمرهما في ممارسة ضغوط على بعض القوى الدولية التي درجت على إدانتها في كل محاولة للاقتراب من شرق المتوسط، وبدت منحازة لمشروع مصر وقبرص واليونان، والذي تحول إلى تجمّع – منتدى ضم دولا أخرى، ليس من بينها تركيا.

واتفق وزراء خارجية مصر سامح شكري، واليونان نيكوس دندياس، وقبرص نيكوس خريستودوليدس، على عدم وجود أثر قانوني للإعلان عن توقيع مذكرتي التفاهم.

وقالت الخارجية المصرية، إن شكري أجرى الخميس اتصالاً هاتفياً بكل من نظيريه اليوناني والقبرصي، واتفقوا على أنه لن يتم الاعتداد بهذا الإجراء لكونه يتعدى صلاحيات السراج، ولن يؤثر على حقوق الدول المشاطئة للبحر المتوسط.

ورأت دوائر سياسية متابعة، أن هذه الخطوة معدومة الأثر القانوني، لأن المادة الثامنة من اتفاق “الصخيرات” الموقع عام 2015 في المغرب، حددت الاختصاصات المخولة لمجلس رئاسة الوزراء، ونصت على أن المجلس الرئاسي ككل يملك صلاحية عقد اتفاقات دولية.

أردوغان والسراج منحا، من حيث لا يقصدان قبلة حياة لمؤتمر برلين الذي دخل مرحلة حرجة مع تنامي الخلافات بين القوى الكبرى حول الصيغة المناسبة للتسوية

ويعاني المجلس الرئاسي الليبي من خلل جسيم في تمثيل المناطق الليبية، وتعتريه انقسامات سياسية ومناطقية حالت دون انعقاده كاملا، كما أن رئيس المجلس الرئاسي، رئيس حكومة الوفاق، محدود الصلاحيات في تسيير الأعمال.

واعتبرت الخارجية المصرية في بيان مستقل مساء الخميس، توقيع المذكرتين “غير شرعي، ومن ثم لا يلزم ولا يؤثر على مصالح وحقوق أية أطراف ثالثة، ولا أثر له على منظومة تعيين الحدود البحرية في منطقة شرق المتوسط”.

وحثت القاهرة المجتمع الدولي على الاضطلاع بمسؤولياته لمواجهة النهج السلبي الذي يأتي في توقيت دقيق للغاية تتواصل فيه الجهود الدولية بالتنسيق والتعاون مع الليبيين في إطار مسار برلين للتوصل لاتفاق شامل وقابل للتنفيذ يقوم على معالجة كافة جوانب الأزمة.

وأشارت المصادر لـ”العرب”، إلى أن أردوغان والسراج منحا، من حيث لا يقصدان قبلة حياة لمؤتمر برلين الذي دخل مرحلة حرجة مع تنامي الخلافات بين القوى الكبرى حول الصيغة المناسبة للتسوية السياسية، وتم ترحيل انعقاد القمة الدولية أكثر من مرة، وظهرت في الأفق إشارات لمقاربات روسية خفية في ليبيا.

وتابعت “تيقنت القوى الكبرى أن استمرار الانقسامات يمكن أن يقود إلى تطورات تحرجها، تدفعها لاحقا إلى دفع تكاليف باهظة لتقاعسها المستمر، بالتالي عليها القيام باستدارة إيجابية نحو مؤتمر ألمانيا للخروج برؤية عملية، أو التعامل مع واقع يزيد الأوضاع سخونة في مجال الإرهاب، وتغيير معادلة الصراع على النفط والغاز”.

أراد السراج التنبيه إلى أن لديه حليفا قويا (تركيا) على استعداد لمواصلة مدّه بالمعدات والأسلحة والعناصر البشرية والإرهابيين، ما يعني أن المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي لن يستطيع هزيمته في معركة طرابلس الحالية.

لفتت المصادر لـ”العرب”، إلى أن هذه الرؤية حالمة، وخيالية بعض الشيء، لأن مذكرتي التفاهم سلطتا الضوء أكثر على خطورة استمرار الدعم العسكري التركي وتأثيره على بعض التوازنات، ما يفرض إنهاء فترة التراخي على محاسبة أنقرة.

كما أن هذا التفكير يتجاهل التغير الحاصل في موازين القوى لصالح المشير حفتر، ونجاحه في تدمير غرفة عمليات رئيسية استخدمتها تركيا في مصراتة، ويتغافل أيضا امتلاك الجيش الوطني أسلحة دفاع جوي قللت من ظهور الطائرات المسيرة في ليبيا مؤخرا.

ويحاول فايز السراج، جني مكاسب سياسية من وراء التوقيع على المذكرتين، من زاوية علمه التام أنهما لا ترقيان للاتفاق، وهما مجرد تفاهم، وهناك إجراءات صعبة لتسبغ عليهما إطارا قانونيا، أهمها مصادقة مجلس النواب الذي لن يستطيع الحصول على موافقته.

ويريد من خلال هذه الخطوة الإيحاء بأنه ليس ضعيفا، ولديه من الأدوات السياسية ما يمكنه من إرباك المشهد حال خروجه منه خالي الوفاض، خاصة بعد ترشيح بعض الأسماء اللامعة لتولي رئاسة حكومة جديدة خلفا له، تتواءم مع مقتضيات المرحلة المقبلة.

وقال المحلل السياسي عبدالباسط بن هامل، إن “الخطوة برمتها انتهاك للسيادة الوطنية وترقى إلى مستوى الخيانة العظمى، لأن السراج لا يمثل الشرعية الحقيقية التي مصدرها الشعب الليبي، ومن انتخبهم مباشرة للبرلمان الحالي في طبرق”.

وأضاف لـ”العرب”، أن رئيس الوفاق ضاقت به السبل والخيارات السياسية، وبات يعمل صراحة موظفًا لدى جماعة الإخوان المسلمين وأردوغان، وينفذ ما يؤمر به فورًا ودون تردد، وسوف تتم محاكمته على ما ارتكب من تجاوزات عندما تستقر الأوضاع.

6