منتجو الدراما لا يهتمون بالمحتوى الموجه للأطفال في مصر

لم يعد لبرامج الأطفال والمسلسلات التي تخاطبهم مكان على الخارطة البرامجية للقنوات الحكومية والخاصة في مصر.
الجمعة 2021/04/30
سلسلة "نور والكتاب العجيب" موجهة للأطفال

القاهرة – غابت المحتويات الإعلامية المتعلقة بالأطفال عن اهتمام الجهات المسؤولة عن إنتاج الدراما الرمضانية بمصر، وفشلت في تقديم عمل واحد قوي يخاطبهم ويتعامل مع المتغيرات التي طرأت على تفكيرهم.

وارتبطت ذاكرة الأطفال بأعمال قدمها التلفزيون المصري في التسعينات مثل “بوجي وطمطم” و”بكار”، ويعاد عرضها سنويا على أكثر من قناة محلية، وبقيت محفورة في وجدان أجيال عديدة وباتت مثل هذه الأعمال تشكل بالنسبة إليها “نوستاليجا” توظفها الكثير من القنوات لجذب الجمهور إليها حاليا.

وتعرض القنوات المصرية ثلاثة أعمال موجهة للأطفال هذا العام، وهي “زينة” و”نور والكتاب العجيب” و”حلم الفضاء”، وعملين يمكن تصنيفهما ضمن الأعمال الدينية الكرتونية الموجهة للكبار والصغار، وهما “آدم” و”يونس والحوت”، لكن هذه الأعمال لم تنجح في جذب شريحة كبيرة من الأطفال.

ومشكلة هذه الأعمال أنها لا تحظى بالتسويق الكافي، ومواعيد عرضها على الشاشات بعيدة عن أوقات الذروة التي تتزايد فيها معدلات المشاهدة، ولا تقدم بلغة تساير التطورات الحاصلة في طريقة تفكير الأطفال الذين يتعرضون لمضمون إعلامي كبير على المنصات الإلكترونية، وينجذبون إلى الفيديوهات القصيرة على موقع “تيك توك” ومنصات أخرى.

نهى عباس: مشكلات تسويقية عدة تساهم في خسارة الأعمال الموجهة للأطفال

ويعد العامل المشترك في الأعمال القليلة المقدمة هذا العام أنها مشاريع فنية لهيئات حكومية تهتم بالأطفال تشترك معها جهات إنتاج أخرى لتسهيل توزيعها على القنوات، غير أن التكلفة الأكبر تتحملها جهات ليست لديها خبرة واسعة في مجال الإنتاج.

وتقدم وكالة الفضاء المصرية بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي (هيئة حكومية تدعم المشروعات البحثية) مسلسل “حلم الفضاء”، كذلك الحال بالنسبة إلى مسلسل “نور والكتاب العجيب” الذي تقدمه مؤسسة الأزهر بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي، وتشارك فيه شركة “سينرجي”، وهي المسؤولة عن إنتاج غالبية المسلسلات حاليا.

وقالت نهى عباس مؤلفة مسلسل “نور والكتاب العجيب” إن خروج المسلسل إلى النور واجه صعوبات، لأن مؤسسة الأزهر التي تشرف على مجلة “نور”، وهي شخصية بطل المسلسل، لم تجد شريكا يساهم في عملية الإنتاج مع غياب شركات الإنتاج المدعومة من الحكومة، وكان اللجوء إلى أكاديمية البحث العلمي حلا مناسبا لتقديم الدعم المادي والعلمي أيضا.

وأضافت في تصريح لـ”العرب” أن التلفزيون المصري توقف عن الإنتاج قبل عشر سنوات، ومنذ ذلك الحين تراجع الاهتمام بالمحتوى الإعلامي المخصص للأطفال، فقد كانت هناك ميزانيات مخصصة لتقديم أعمال راقية كانت مدعومة مباشرة من الحكومة، وعبرت في حينه عن توجه الدولة نحو الاهتمام بالطفل إعلاميا.

وأشارت إلى أن خفوت الدور الرسمي في تقديم أعمال ذات مضمون إعلامي تثقيفي انعكس سلبا على اهتمام القنوات التلفزيونية بالحصول عليها أولا ثم تحديد مواعيد عرضها، وتتعامل معها على أنها محتويات خاسرة لا تحقق أرباحا لها، لأنها لا تجذب المعلنين، بينما هناك مشكلات تسويقية عدة تساهم في خسارة هذه الأعمال، وبالتالي عزوف الأطفال عن مشاهدتها.

وتشكو جهات متخصصة عن الإعلام في مجال الطفل من أنها لم تستطع التعرف على ماهية المسلسلات المعروضة للأطفال هذا العام ومواعيد عرضها، كما أن هناك بوصلة مفقودة بين تلك الأعمال وبين المجلات المتخصصة في مجال الطفل من أجل توظيفها في التعرف على اتجاهات الأطفال، أو حتى على مستوى الدعاية للأعمال المعروضة بما يسهم في تعريف الأطفال بها.

وهناك مشكلة عميقة تتعلق بقدرة هذه الأعمال على جذب الأطفال، لأن مسلسل “نور والكتاب العجيب” مثلا يركز على تاريخ المصريين القدماء وأبرز اكتشافاتهم، ومسلسل “زينة” يسلط الضوء على شبة جزيرة سيناء وتاريخها وعادات السكان، وهي ذات طبيعة تاريخية قد لا تكون لها أولوية للأجيال الحالية التي تنجذب نحو المحتوى الترفيهي، ما يتطلب تغييرا في القضايا المطروحة إعلاميا.

وبحسب البعض من القائمين على مسلسلات الأطفال في مصر، فإن ضمان تحقيق الأرباح لا يتعلق بفكرة المسلسل أو المحتوى الذي يقدمه، بقدر ارتباطه بالجمهور المستهدف، إذ أن غالبية الأعمال المقدمة للأطفال المصريين فقط لا تحقق العائد منها، لأن قناة واحدة قد تحصل على حق عرضها في حين أن إنتاج مسلسلات باللغة العربية الفصحى موجهة للجمهور العربي تحقق عوائد كبيرة من عرضها بقنوات عربية.

عمرو قورة: إنتاج أعمال بالمقاييس القديمة لن يحقق النجاح الإعلامي اليوم

وأكدت نهى عباس، وهي أيضا رئيس تحرير مجلة “نور”، أن أعمال الأطفال لا تلقى اهتماما من قبل المعلنين، لأنها تخاطب خمسة في المئة فقط من إجمالي جمهور القنوات الفضائية، إلى جانب أن عزوف الأطفال في الفترة العمرية من (8 إلى 16) عن مشاهدة التلفزيون يقلل من فرص نجاح الأعمال المقدمة، ويؤثر ذلك على قرارات القنوات التي تتعاقد مع هذه المسلسلات.

وتعد أزمة الإعلام المصري أنه ترك الأطفال في المرحلة العمرية ما بين (3 إلى 8) سنوات من دون تقديم مادة تجذبهم، ولم يعد لبرامج الأطفال والمسلسلات التي تخاطبهم مكان على الخارطة البرامجية للقنوات الحكومية والخاصة، ولم تظهر قناة الأطفال التي كان من المقرر أن تدشنها فضائية “دي.أم.سي” إلى النور، وأضحى الصغار يقبلون على مشاهدة قنوات عربية مختلفة.

وقال عمرو قورة رئيس مجلس إدارة شركة “الكرمة”، التي قدمت برنامج الأطفال الشهير “عالم سمسم”، إن برنامجه الذي قدمه قبل عشرين عاما من الصعب أن يحقق نفس النجاح إذا جرى إعادة عرضه في الوقت الحالي، لأن عقول الأطفال لم تعد كما هي في السابق، وحرصهم على التلفزيون تراجع، فالتركيز ينصب الآن على الهاتف المحمول وبرامجه المتنوعة، لذلك فإنتاج أعمال بالمقاييس القديمة لن يحقق النجاح الإعلامي المرجو منه.

وأشار في تصريح لـ”العرب” إلى أن تقديم عمل درامي للأطفال بحاجة إلى جهد خارق لأن نجاح “عالم سمسم” جاء عقب إجراء أبحاث عديدة على الأطفال للتعرف على اهتماماتهم في تلك الفترة والاستعانة بخبراء علم النفس والتربية، كما أن القائمين على البرنامج في ذلك الحين بعد تصوير الحلقة الأولى جابوا المحافظات المختلفة في مصر للتعرف على ردود أفعال الأطفال أولا، وهو أمر لا يتحقق في الأعمال الحالية.

وأكد أن تحديد موعد ثابت لعرض البرنامج يوميا أحد أبرز عوامل الجذب، لأن ذلك يدفع الأسرة للاهتمام بالبرنامج ودفع الأبناء الصغار لمشاهدته، بعكس ما يحدث حاليا في ظل تكدس الأعمال المعروضة، وعدم الالتزام بجداول العرض بسبب الإعلانات، فتضيع المحتويات الإعلامية المقدمة للطفل وسط زحام البرامج والمسلسلات الأخرى.

Thumbnail
18